"تجارة القوى العالمية" بين الولايات المتحدة وروسيا والصين

برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
كان الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي قد حذّر المستعمرين الفرنسيين في قصيدته "طغاة العالم" بقوله: "من يزرع الشوك يجني الجراح". ونحن نمر اليوم بمرحلة تتفق فيها القوى العالمية على إعادة تشكيل العالم وتزرع فيها أشواكًا جديدة في كل مكان. ذلك أن النظام العالمي وصل إلى حالة انسداد. وقد رأينا أوضح مثال على ذلك مجددًا في حرب إيران وأزمة مضيق هرمز. كما ظهر هذا التعفن العالمي من قبل في إبادة غزة.
الجميع يعيش حالة من خيبة الأمل واليأس. ذلك أن القوى المعارضة التي أصبحت راية التعددية القطبية العالمية تتخلى عن دورها كمحرك للتغيير والتحول العالمي. وبنوع من الاستسلام، تتحول هذه القوى إلى عوائق تعرقل التغيير بدل أن تدفعه.
إن سلبية روسيا والصين وصمتهما الاستراتيجي في حرب إيران يؤكدان ذلك. فقد تركتا إيران لمصيرها كما فعلتا مع فنزويلا. لأن الواقع، سواء في العلن أو في الخفاء، لم يعد كما يُظن بوجود صراع حاسم بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. لقد انتهى ذلك العصر. واليوم نحن أمام ثلاثي ديكتاتوري عالمي جديد. وقد اتضح أن محور الشر الحقيقي ليس كما يُروَّج إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، بل هو الولايات المتحدة وروسيا والصين.
وبالتالي، من المفيد تقييم حقائقنا الوطنية والإقليمية والعالمية الجديدة وفق هذا المعيار. وإلا فإن ثمن الأوهام التي وقعنا فيها أو أُوقعنا فيها أو سنقع فيها سيكون باهظًا. لأن لدينا الآن مشكلة تتمثل في روسيا والصين عالميتين تقبلان بسرعة "الحلوى المغلفة" التي تمدها الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، من المهم إدراك أن أكبر عائق أمام التعددية القطبية العالمية ليس الولايات المتحدة بقدر ما هو موسكو وبكين نفسيهما.
ذلك أن الهمّ الأساسي لهذين الفاعلين لم يعد مواجهة المعايير المزدوجة والضغوط الاستعمارية التي يتعرض لها الجنوب العالمي. بل إن هدفهما الأساسي هو الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بشرعية أنظمتهما، حتى ولو كان ذلك في إطار "مودوس فيفندي/تفاهم مؤقت".
وقد منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بصفته تاجرًا بارعًا، روسيا والصين ما تريدانه. فسحب قوته الناعمة وأخذ قوتهما الصلبة. وقد فعل ذلك بمجرد تغيير خطابه. إذ أعلن ترامب أنه أزال من أجندة السياسة الخارجية الأمريكية برامج تغيير الأنظمة وبناء الدول، وهي النقطة الأضعف لدى موسكو وبكين. وبذلك، أعلن عمليًا إنهاء استراتيجية استخدام القوة الناعمة الأمريكية كأداة هيمنة أو آلية لزعزعة الاستقرار ضد روسيا والصين.
وقد تم توضيح هذا التغيير في السياسة بوضوح في وثيقتي استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 واستراتيجية الأمن القومي لعام 2025 للولايات المتحدة. ففي ولايته الثانية، أغلق ترامب الوحدات المعنية بالدعاية الثقافية والمساعدات المدنية التي كانت تهدف إلى إثارة الاضطرابات الداخلية والانقلابات في الدول المنافسة، وأعلن أن الولايات المتحدة أنهت ارتباطها بـ"القضايا الدولية" التي لا تتصل مباشرة بمصالحها الوطنية. وبدلًا من تشجيع بناء الدول ونشر الديمقراطية حول العالم بحماس تبشيري، أكد أنه سيستخدم الموارد الاقتصادية الأمريكية لخدمة مصالح شعبه.
إن مبادرات القوة الناعمة التي قدمها الرئيس الأمريكي ترامب لتعزيز شرعية القادة الروس والصينيين لم تذهب سدى. فقد قررت روسيا والصين أيضًا عدم عرقلة الخطوات التي قد يتخذها ترامب ضد حلفائهما مثل فنزويلا وإيران. بل يمكن القول إن روسيا والصين قد دفنتا تمامًا فؤوس قوتهما الصلبة في مواجهة ترامب.
وهم يطلقون على هذا التطور اسم مرحلة "الانفراج الجيوسياسي" (تخفيف التوترات). لكن لا ينبغي نسيان أن تجارة القوى الجديدة بين القوى الكبرى لا تجلب الهدوء إلا بينها، بينما تعود على بقية العالم بالإبادة والحروب والفوضى. وهذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن. فلم تعد للمبادئ والتحالفات والاتفاقيات القديمة أي قيمة. كما أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول هرمز لم تسفر عن نتيجة. إنهم يزرعون الأشواك في كل أنحاء العالم، وسيواصلون ذلك. فالمسار العام يشير إلى ذلك.




