كذلك فعل والتر بنجامين، أحد أبرز العقول الفلسفية القرن العشرين، حين وضع حدا لحياته عام 1940، في قرية صغيرة عند الحدود الفرنسية الإسبانية بعدما وجد نفسه محاصرا بين الاحتلال النازي والمنفى المستحيل، حصار عبر عنه في رسالته الأخيرة: "في حيثية لا مخرج منها، ليس لدي خيار سوى إنهاء كل شيء. في قرية صغيرة في جبال البرانس، حيث لا يعرفني أحد، توشك حياتي على الانتهاء".

وفي العالم العربي أيضا، وإن في سياق مختلف، ظهر أثر مشابه بعد هزيمة 1967. من الأمثلة المبكرة عليه، تجربة الشاعر والروائي الأردني تيسير سبول، الذي أنهى حياته عام 1973 بعد ست سنوات فقط من هزيمة يونيو/ حزيران. لقد شكلت الهزيمة صدمة عميقة له ولجيل كامل من المثقفين الذين تربوا على خطاب قومي يعد بالتحرر والتقدم، وجعلت مشاريعهم الثقافية والسياسية تبدو بلا جدوى. في روايته الوحيدة "أنت منذ اليوم"، حاول سبول مساءلة هذا الانكسار، وكشف التصدعات العميقة في الواقع العربي الذي بدا أنه يبتلع كل جهد فردي، كل مشروع فكري، وكل أمل جماعي.

بعدها بسنوات، عام 1982، كان المشهد يعيد نفسه في بيروت هذه المرة. فيما كان الجيش الاسرائيلي يجتاح المدينة، كان الشاعر اللبناني خليل حاوي، من على شرفته في شارع الحمرا المعروف في العاصمة، يشاهد انتهاء عالم كامل كان يحارب من أجله. كان يشاهد سقوط مدينته وأحلامه معا، انهيار "الجسر" الذي كتب من أجله، وصار أغنية أجيال كاملة تحلم بالعبور نحو شرق جديد. لم يستطع الشاعر رؤية هذا التداعي، فأطلق رصاصة في رأسه منهيا حياته.
عجز وجودي
كل انتحار يحمل تعقيداته النفسية والإنسانية الخاصة، ولا يمكن اختزال هذه النهايات في تفسير سياسي أو تاريخي واحد. كما أن ليس الهدف من عرض هذه الأمثلة تصويرها كحلول أو وضعها في إطار بطولي. بل الإشارة إلى أن تكرارها في حقبات الحروب والانهيارات الكبرى، يمكن أن يظهر كيف تتحول الصدمة التاريخية إلى عجز وجودي، على إثر تفكك منظومات أخلاقية كاملة وبنيات قيمية كان يستند إليها الفرد، ويجد في أطرها نوعا من المعنى.

وإذا كان المثقف أكثر قدرة على التقاط هذه الانهيارات، وأكثر حساسية أمام العجز التي تولده، فإنه ليس وحده من يشعر بها. فالفرد العادي، وإن لم يملك أدوات التفكير نفسها، ولا المقاربة ذاتها للوجود عبر منظومات فكرية محددة، يختبر هذه الاضطرابات عاجلا أم آجلا، بحدة تختلف من ظرف إلى آخر ومن زمن إلى آخر.










