تأملات قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية الثانية من سورة يوسف: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”.
في حين يقول في الآية الثالثة من سورة الزخرف: “إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”.
إذا ما علمنا بأن الألفاظ الواردة في القرآن الكريم مختارة بدقة فائقة لتؤدي المعنى المراد فما دلالة اختيار (أنزلناه) في سورة يوسف، و(جعلناه) في سورة الزخرف؟
يجيب على ذلك الدكتور فاضل السامرائي فيقول إن السياق يقتضي ذلك، فلو استعرضنا سورة يوسف لوجدنا الآية التي تليها تتحدث عن القرآن المنزل والموحى به من الله تعالى الى رسوله الكريم: “نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ”، لذا فالسياق هنا يقتضي استعمال لفظة التنزيل.
بينما في سورة الزخرف تقول الآية التي تليها: “وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ” وفيها وصف لمكانة القرآن العلية، ومكان حفظه في أم الكتاب في اللوح المحفوظ، وكل ذلك (لدينا) أي عند الله، فلذلك ليس هذا مقام تنزيل بل منزلة.
سورة يوسف أصلا هي مميزة، فهي السورة الوحيدة التي جاءت فيها قصة كاملة، ولم يرد ذكر لهذه القصة في أية سورة أخرى، وقد أنزلها تعالى بتفاصيل دقيقة، والميزة الثانية أنها القصة الوحيدة بين كل القصص القرآني التي وردت وفق تسلسل الأحداث، والثالثة أن بعض هذه الأحداث لا يعرفها بنو اسرائيل إذ لم تذكر في التوراة.
جاءت قصة يوسف التي لم تكن معروفة للعرب، لأن اليهود كانوا يخفون عنهم التوراة، فأنزلها الله ليرد رسوله الكريم على السؤال الذي أرسل اليهود الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسأله بقصد إحراجه وكشف صدق نبوته: والسؤال هو: كيف أنزل الله بني اسرائيل مصر؟.
بعد أن تطورت معارف البشر وعرفوا معاني الهيروغليفية إثر اكتشاف حجر رشيد في القرن التاسع عشر، فهموا مما ورد في هذه السورة أمورا لم تكن معروفة سابقا للبشر المتعلمين زمن التنزيل، ناهيك عن رجل أمي، مما يثبت بشكل قاطع أن القرآن هو من عند الله عزوجل.
وأهم هذه الأمور:
1 – مسمى العزيز لم يرد في التوراة فكان اليهود يسمونه رئيس الشرطة، وقد ورد في قوله تعالى في الآية 30 : “وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ”، وقد تبين من الكتابات الهيروغليفية أن هذا المنصب كان موجود باسم “عزيز اله الشمس”، ولما كان كتاب الله لا يعترف بالمسميات الشركية، فقد ذكره بما يتوافق مع العقيدة وبمسمى عزيز مصر.
2 – لماذ سمى القرآن الحاكم لبلاد مصر زمن يوسف بالملك “وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي” [54]، فيما سماه زمن موسى بالفرعون؟.
لم يتبين الا مؤخرا أن الحاكم حينما يكون من أصول مصرية يسمى الفرعون، وفي الفترة التي حكم فيها الهكسوس الذي دام مائتي عام، كان حكامها يسمون ملوكا.
وقد ثبت بالشواهد الأثرية والتاريخية التطابق بين الزمن الذي نشأ فيه يوسف والفترة التي حكم فيها الهكسوس، في حين ان نشأة موسى كان زمن ازدهار حكم الفراعنة وتأليههم وعلوهم في الأرض: “أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي” [الزخرف:51]، و”وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي” [القصص:38].
3 – في قوله تعالى: “وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ” [25]، جاء استعمال لفظة (سيدها) بمعنى زوجها، والذي لم يرد في أي موضع آخر في كتاب الله، بل ترد دائما بصيغة الزوج أو البعل، لأن العرب لا تستعمل غيرهما، ولم يرد في لغة العرب أي استعمال لسيدها بمعنى زوجها، من يستعملها هم الأقباط المصريين، لذلك جاء الاستخدام القرآني ليوافق المقام الذي وردت فيه.
وأخيرا فعلينا أن لا نغفل عن دلالة المقارنة بين آيتي سورتي يوسف والزخرف، فكلتيهما تؤكدان أنه عربي اللغة، حينما جعله الله في ام الكتاب قبل خلق البشر، وبلغته ذاتها حينما أنزله في الزمن الذي قدر فيه ذلك.
وهذا يثبت أن العربية هي اللغة الأقدم، لغة آدم، ولم يبتكرها بل خلقها الله، وإلا كيف كان سيفهم الأسماء كلها، وأوامره ونواهيه، لو لم يكن الله قد علمه اللغة أولا.
هذا المحتوى تأملات قرآنية ظهر أولاً في سواليف.





