صراع “الرصيف والمحل” يشعل أسواق حماة
تتحول أسواق مدينة حماة إلى مسرح لأزمة اجتماعية واقتصادية حادة في زحمة الاستعدادات للمناسبات، إذ وجد مئات الباعة الجوالين أنفسهم بين قرار يغلق شارعًا وآخر يفتحه، فخسروا “رزقهم اليومي” وعرفًا اعتادوه على مدار 15 عامًا.
في المقابل، وقف أصحاب المحال التجارية يدافعون عن واجهات يدفعون مقابلها ضرائب باهظة وإيجارات سنوية، معتبرين أن المنافسة غير عادلة في ظل غياب القانون.
تستعرض عنب بلدي في هذا التقرير تفاصيل الأزمة من وجهات نظر أطرافها الثلاثة: الباعة الجوالين، وأصحاب المحال، ومجلس المدينة، بعد قرارات متضاربة قلبت حال السوق خلال أيام.
“عُرف” استمر 15 عامًا
عادة ما تشهد أسواق حماة الرئيسة خلال المواسم، إغلاقًا مؤقتًا للشوارع التجارية لمصلحة “البسطات”، وهو إجراء تراكمي تحول إلى ما يشبه “العُرف”.
هذا العام، قرر مجلس مدينة حماة إغلاق شارعي الدباغة وابن رشد أمام السيارات، وفتح المجال أمام الباعة الجوالين لافتراش المنطقة.
القرار لم يصمد سوى أربعة أيام، بضغط من أصحاب المحال، إذ تراجع المجلس عن قراره، وأصدر قرارًا جديدًا بنقل جميع الباعة إلى محيط قلعة حماة، وهو موقع بعيد عن الحركة التجارية المعتادة.
عمار المستاوي، بائع “بسطة”، واحد من آلاف الباعة الذين خرجوا في مظاهرات تنديدًا بقرار النقل. قال لعنب بلدي: “صدر قرار بإغلاق الطريق، كما جرت العادة طيلة السنوات الـ15 الماضية. لكن بعد أربعة أيام فقط، ألغوا القرار استجابة لمطالبات أصحاب المحال”.
وأضاف عمار، “في هذه الفترة، توجهنا إلى تجار حماه وحلب وسرمدا، واستدنّا الملايين لشراء البضائع، اغتنامًا للفرصة التي أتيحت لنا. لكنهم تسببوا بإيقاعنا في ورطة مع التجار، إذ أصبحت لدينا بضاعة لا نستطيع دفع ثمنها بعد هذا القرار الأخير”.
وعن الموقع البديل، قال عمار، “حاولوا التهرب من أفعالهم باقتراح نقلنا إلى منطقة بمحيط القلعة، وهي منطقة سياحية صيفًا، لكنها شتاءً لا يذهب إليها أحد، وهي خارج نطاق السوق تمامًا”.
منافسة غير عادلة ودولة غائبة
في الجهة المقابلة، يقف سامح جمال، صاحب محل تجاري في سوق ابن رشد، ليقدّم رؤيته للأزمة، مركزًا على غياب القانون وتردي الأوضاع المعيشية كجذر للمشكلة.
قال سامح لعنب بلدي، إن جذر المشكلة يعود إلى الغياب التام لقانون العمل، والوضع المعيشي المتردي. ففي ظل هذا الغياب، أصبحت الرواتب غير كافية، وتحولت “البسطات “إلى ملاذ لمن لا يجد عملًا.
وأضاف، “صاحب البسطة دخله اليومي لا يقل عن مئة ألف ليرة، وهو مبلغ لا يمكن للعامل في مصنع بالقطاع الخاص أن يجمعه”.
صاحب المحل من جهته، يدفع ضرائب ورسومًا للدولة وإيجارًا سنويًا باهظًا، وهو “محق في مطالبته بالحماية، لكن لا يوجد قانون يحميه أيضًا”، بحسب سامح.
في حماة، نشبت مشادات عنيفة بين الطرفين، وقبل أسبوع، أغلقت البلدية شارع الدباغة وفتحته بالكامل لأصحاب “البسطات”، فامتدت مئات “البسطات” على طوله، تبيع كل شيء بأسعار تنافس المحال بسبب انخفاض التكاليف.
وأشار سامح جمال إلى حل سابق رفضه الباعة، إذ طرحت محافظة حماة، منذ فترة، فكرة إنشاء سوق لأصحاب “البسطات” على الطريقة التركية (البازار)، لكن الباعة رفضوا وخرجوا في مظاهرة أمام مبنى المحافظة. “هذا العناد يفاقم المشكلة ويعوق جهود البلدية في إيجاد حلول”، قال سامح، متسائلًا، “إذا كان صاحب البسطة يملك بضاعة قيمتها 40 أو 50 مليون ليرة، فلماذا لا يستطيع نقلها إلى محل؟”.
“من الطبيعي أنا كصاحب محل أدفع آلاف الدولارات إيجارًا، وعليّ موظفون وتكاليف، ثم يأتي صاحب البسطة ليبسط بضاعة مماثلة أمام محلي! في هذه الحالة، سأغلق محلي وأبسط بجانبه، فهو الخيار الأفضل لي”، بحسب تعبير سامح.
المصلحة العامة أولًا والعُرف ليس قانونًا
في محاولة لاحتواء الأزمة، أصدر مجلس مدينة حماة بيانًا أعلن فيه نقل الباعة “مؤقتًا” إلى محيط القلعة، إلى أن يتم طرح “البازارات” التنظيمية الجديدة كحل دائم.
مدير مدينة حماة، حسين السعد، شرح في حديث لعنب بلدي خلفيات القرار، مجيبًا عن النقاط التي أثارها الباعة ومعايير اتخاذ القرار.
حول التراجع عن القرار بعد أربعة أيام، أوضح السعد أن الضغط المروري اختلف هذا العام، إذ إن إغلاق شريان رئيس كشارع الدباغة يسبب “شللًا كاملًا للمدينة”، كما أن شكاوى المواطنين وأصحاب المحال كانت كبيرة.
وأضاف أن الهدف هو “تغليب المصلحة العامة (انسياب المرور ووصول سيارات الإسعاف) على المصلحة الخاصة”.
بخصوص “العُرف” الذي استمر 15 عامًا، رد السعد، “الاستمرار في إجراء معين لسنوات طويلة، مهما بلغت مدته، لا يحوله إلى “عُرف قانوني” يُلزم الدولة بتعطيل المرافق العامة، بل يبقى “تدبيرًا مؤقتًا” يخضع للمراجعة السنوية حسب المصلحة العامة”.
وعن خسائر الباعة، أكد السعد أن المجلس تعامل مع الأمر بمبدأ “التنظيم بدل المنع”، وتم تأهيل البنى التحتية في محيط القلعة لاستقبال الباعة.
وفيما يخص “المنافسة غير العادلة”، أشار إلى أن وجود الباعة في موقع واحد يحميهم من الاحتكار ويحافظ على السعر المنخفض للمواطن، ولكن دون “موت المدينة” بسبب الازدحام.
وحول حل “البازار” المرفوض، كشف السعد عن أن المجلس يدرس خيارات أكثر مرونة، مثل إنشاء “أسواق دورية” (يوم في الأسبوع في كل منطقة) ومنح تراخيص إشغال مؤقتة، لإرضاء جميع الأطراف.





