... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
150944 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6021 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة

العالم
أمد للإعلام
2026/04/11 - 13:46 502 مشاهدة

تُعرّف السوسيولوجيا التقليدية العمل بأنه وسيلة لتحقيق الدخل أو حيازة المكانة والمركز الاجتماعي للإنسان؛ أما في سياق الحالة الفلسطينية، وتحديداً في "سوسيولوجيا العمل تحت الحصار"، فيتحول العمل إلى فعل سياسي واجتماعي بامتياز؛ إذ يصبح أداة لتعزيز الصمود والثبات على الأرض، ورافعة للاقتصاد المقاوم والبديل في مواجهة سياسات العقاب الجماعي.
إن العمال هم الفئة الأكثر دفعاً لضريبة هذا الحصار؛ عبر حرمانهم من حق الوصول إلى أماكن عملهم، وإغلاق المعابر، وانتشار الحواجز، وهو ما يفرض عليهم تحدي "التعطل القسري". ومع ذلك، يبرز إصرار العامل الفلسطيني على الاستمرار رغم تدمير المنشآت والمزارع والمصانع؛ ليمثل هذا الإصرار شكلاً من أشكال رفض "التغييب القسري" للهوية الإنسانية، وحمايةً للكرامة من الانهيار الذي قد ينتج عن الفقر المدقع، مما يجعل العمل الضامن الأساسي لتماسك النسيج المجتمعي.
ومن رحم هذه المعاناة، أفرزت تحديات سوق العمل تحولات بنيوية خلقت ما يمكن تسميته بـ "إبداع الضرورة"، وهو مفتاح لفهم العبقرية الكامنة في قدرة الإنسان على "تطويع العدم". وفي سياق سوق العمل الفلسطيني، وتحديداً في غزة، لم تكن هذه التحولات خياراً تطويرياً، بل كانت استجابة بنيوية قسرية لانسداد الأفق الرسمي. ويمكننا حصر وتحليل أبرز هذه التحولات والظواهر السوسيولوجية التي أفرزها هذا الواقع فيما يلي:
أولاً: التحول من "الإنتاج النمطي" إلى "اقتصاد التدوير والبدائل" وهذا التحول هو جوهر "إبداع الضرورة"؛ حيث فرض غياب المواد الخام على العامل الفلسطيني أن يتحول من مستهلك للمادة إلى "مستخلص" لها.
ثانياً: سوسيولوجيا الركام حيث جرى تحويل مخلفات الحروب والمنشآت المدمرة إلى مواد بناء أو قطع غيار. وهنا، لم يعد الركام رمزاً للهزيمة، بل أصبح "مورداً اقتصادياً" أفرز طبقة جديدة من العمال المهرة في استرجاع الموارد وابتكار بدائل للمواد الخام الممنوعة، مما خلق "سوقاً موازياً" يعتمد على الذكاء المحلي، فيما يعرف بـ "سوسيولوجيا الأنقاض".
ثالثاً: توطين التكنولوجيا البديلة وتمثل ذلك في ابتكار حلول للطاقة (كصهر البلاستيك لإنتاج الوقود أو الاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية)، مما خلق مهناً تقنية لم تكن موجودة في التصنيف المهني التقليدي.
رابعاً: انتشار "الاقتصاد المنزلي الرقمي" (كاسر الحدود) فبسبب الحصار الجغرافي، حدث تحول بنيوي نحو "العمل اللامكاني" مثل اقتصاد المنصات؛ حيث توجه آلاف الشباب والخريجين نحو العمل الحر (Freelancing)، والبرمجة، والتعلم عن بُعد، وهو ما ساهم في كسر العزلة الدولية؛ فأصبح العامل في غزة جزءاً من سلاسل القيمة العالمية رغم إغلاق المعابر، مما خلق "استقلالاً اقتصادياً" عن الهياكل المحلية المترهلة.
خامساً: السيولة الطبقية وظهور "العمالة الأكاديمية" أدى الحصار إلى زلزال في البنية الطبقية التقليدية، حيث تلاشت الحدود بين الياقات البيضاء والزرقاء؛ فقد اضطر المهنيون -كالمهندسين والأكاديميين والأطباء-للعمل في مهن يدوية أو حرفية لإعالة أسرهم. هذه الظاهرة أعادت تعريف "البرستيج الاجتماعي"؛ حيث أصبحت "القدرة على التدبر" هي المعيار الجديد للمكانة بدلاً من الشهادة الجامعية، بيد أن هذا التحول يحمل في طياته خطراً استراتيجياً يتمثل في "الاستنزاف المعرفي"؛ فانخراط النخب في أعمال بسيطة لسنوات طويلة يؤدي إلى تآكل مهاراتهم التخصصية، مما سيخلق "فجوة خبراتية" هائلة في مرحلة إعادة الإعمار.
سادساً: "الاقتصاد المشاعي" والتعاونيات العفوية حيث نشأت أنماط عمل تعتمد على المشاركة بدلاً من الملكية الفردية، مثل "التكافل الإنتاجي" عبر اشتراك عدة عمال في وسيلة إنتاج واحدة وتقاسم العوائد. هذه الظاهرة ساهمت في عودة روح "العونة" كآلية دفاعية، مما يضعف النزعة الرأسمالية الفردية لصالح "اقتصاد الصمود الجماعي".
سابعاً: اقتصاد "المهن الطارئة" (المهن الهامشية النشطة) لقد نشأ سوق كامل حول احتياجات الحرب، مثل إصلاح القداحات والاحذية وصيانة الهواتف في مراكز النزوح، وصيانة اصلاح بوابير الكاز، ونقل المياه بالطرق البدائية.... الخ، هذا التحول نقل سوق العمل من "الاستدامة" إلى "الآنية"، وهو ما يسمى سوسيولوجياً بـ "اقتصاد البقاء اليومي".
ثامناً: جندرة الصمود ويتمثل في دور المرأة الفلسطينية التي انتقلت من الأدوار الرعائية التقليدية إلى قلب "اقتصاد الضرورة"؛ حيث قادت مبادرات التصنيع الغذائي، وإدارة المشاريع متناهية الصغر، وإدارة الحياة في مراكز الإيواء، مما أعاد تعريف دورها كقوة إنتاجية فاعلة تحت النار.
تاسعاً: سوسيولوجيا الأخلاق في الأزمات من باب التوضيح فإن اقتصاد الضرورة لا يخلو من صراع قيمي حاد؛ فبينما يمثل "عمال الصمود" نموذجاً للتفاني، تبرز على الهامش ظاهرة "تجار الحروب" الذين يستثمرون في الندرة، وهذه الثنائية خلقت شرخاً في النسيج المجتمعي، حيث يتحول العمل لدى البعض من فعل تضامني إلى وسيلة استغلالية، مما أضعف رأس المال الاجتماعي.
عاشراً: من "سوسيولوجيا الاتكال" إلى "تمكين الفاعلية" يواجه "إبداع الضرورة" تحدياً يتمثل في طبيعة التدخلات الدولية المحكومة بفلسفة "الإغاثة السكونية" التي تكرس "اقتصاد الانتظار"، ومن منظور سوسيولوجي، فإن تحويل العامل من "منتج مبدع" إلى "متلقٍ سلبي" يسلب فاعليته الاجتماعية؛ لذا يجب تحويل بوصلة الدعم من "الطرود الإغاثية" إلى دعم "بيئات الإنتاج الصامدة".
تأسيساً على ما سبق، لقد أحدثت هذه المتغيرات تحولاً عميقاً في بنية الطبقة العاملة يمكن رصده عبر محورين هما: تآكل الطبقة الوسطى وانزلاقها نحو "البروليتاريا الفكرية"، وتحويل البطالة إلى أداة سياسية لتفكيك النسيج الاجتماعي.
إن العمل تحت الحصار هو "عملية تكيّف عبقرية مع واقع مستحيل"، وهو ما يتطلب منا الغوص في سيكولوجية العامل وربطها بمأسسة حقوقه كجزء أصيل من المشروع الوطني؛ فالعامل وسط الركام لا يبحث عن رزقه فحسب، بل يثبت حقه في الوجود، ومن هذا المنطلق، يجب بلورة رؤية مستقبلية للعمال في مراحل التعافي تقوم على الاستراتيجيات التالية:
- تطوير برامج التشغيل المؤقت وربطها بقطاعات الخدمات الحيوية والنازحين.
- التأهيل المهني المرتبط بالواقع وتشجيع المهن التكنولوجية و"اقتصاد المنصات" العابر للحدود.
- دعم الاقتصاد التكافلي من خلال المشاريع ريادية والتعاونيات الإنتاجية التي تعزز رأس المال الاجتماعي.
- الرعاية النفسية والمهنية لترميم الروح المعنوية للعمال كجزء من بيئة العمل.
أخيرا: إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأمثل، وتضافر جهود القطاع الخاص والنقابات والمؤسسات الأهلية لتبني فكر داعم للعمال ليس مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل غزة؛ فبالعمل يحضر الإنسان، وبحضور الإنسان يكتمل النصر والبناء.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤