سماسرة محاكم طنجة.. وساطة غير مشروعة تتغذى على هشاشة المتقاضين
أوراق مطوية على عجل، ونظرات تائهة في الممرات. أمام أحد شبابيك محكمة الأسرة بطنجة، تسأل امرأة عن مسار ملفها، فيما يبحث آخر عن قاعة الجلسات. وفي وسط هذا الارتباك، يقترب رجل هامسا ليعرض خدماته: “أنا أتكفل بالأمر”.
لا يبيع هذا الوسيط خدمة قانونية فعلية، بل يبيع اختصارا موهوماً للمسافة داخل المرفق القضائي. وهو مشهد يومي عاد إلى الواجهة بقوة إثر توقيف السلطات، الإثنين، شخصاً يلقب بـ”العلمي” داخل المحكمة ذاتها، للاشتباه في إيقاعه بالمتقاضين عبر الادعاء بقدرته على تسريع المساطر والتدخل في الملفات مقابل المال.
وفي هذه الفضاءات المكتظة، يستثمر “السمسار” في حاجة المرتفق وقلقه. ويكفي أن يطرح المواطن سؤالا عابرا عن مآل ملف أو قيمة رسم قضائي، حتى يتدخل الوسيط مقدما نفسه كدليل للإجراءات، محولا جهل البعض بالمساطر إلى سوق موازية غير قانونية.
وتتخذ هذه الممارسات أبعاداً جنائية عندما تتجاوز ادعاء الوساطة إلى تضليل العدالة. وينص القانون الجنائي المغربي على عقوبات قاسية في حق المتورطين في تغيير الحقيقة عمداً، تصل في الجنايات إلى السجن من خمس إلى عشر سنوات بتهمة شهادة الزور.
غير أن المفارقة تكمن في استمرار نشاط هؤلاء الوسطاء في وقت تتيح فيه وزارة العدل خدمات رسمية ومجانية مصممة أساساً للحد من هذا التدخل.
فمن خلال بوابة “محاكم”، يمكن للمرتفق تتبع مسار ملفه والاطلاع على تواريخ الجلسات مجانا، كما تتيح المنصة الإلكترونية لصناديق المحاكم حساب الرسوم القضائية والتتبع الآني للمعاملات، وهو النطاق الذي يجد فيه السمسار عادة مدخلا لفرض أتعاب غير مبررة.
أما بالنسبة للفئات غير القادرة ماديا، فتوفر المنظومة نظام “المساعدة القضائية” عبر مكتب مختص بالنيابة العامة، يتيح الإعفاء من الرسوم أو تنصيب محامٍ.
ويمتد التأطير المؤسساتي إلى الفئات الهشة، حيث تنشر محاكم المملكة 88 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف بمقرات النيابة العامة. حيث سجلت هذه الخلايا تقديم أكثر من 215 ألف خدمة خلال سنة 2023.
وفي مسعى لتعزيز هذا التوجيه داخل المحاكم، احتضنت طنجة في ماي 2025 ورشة لتكوين المساعدين الاجتماعيين، في رسالة واضحة من الدولة للدفع بوجوه مهنية تواكب المرتفقين.
ولضمان التبليغ المباشر، توفر رئاسة النيابة العامة منصة إلكترونية للشكايات تحيل تظلمات النساء ضحايا العنف مباشرة إلى الجهات المختصة، مع نشر بيانات الاتصال الخاصة بمحاكم طنجة.
لكن التحدي الأكبر، وفق مراقبين، يبقى كامنا في الفجوة بين توفر الخدمة الرقمية أو المؤسساتية، وبين وصولها الفعلي إلى متقاضٍ يدخل المحكمة لأول مرة مثقلاً بنزاع أسري أو شكاية عنف، حيث يصبح الرهان الأساسي: كيف يصل المواطن إلى الشباك الصحيح، قبل أن يصل إليه السمسار؟
ظهرت المقالة سماسرة محاكم طنجة.. وساطة غير مشروعة تتغذى على هشاشة المتقاضين أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.



