شيرين قسوس تكتب : سيداو... معركة الوعي
•إن اتفاقية سيداو ليست مجرد وثيقة قانونية دولية، بل هي مشروع إنساني يسعى إلى ترسيخ قيمة العدالة بوصفها أساسًا لنهضة المجتمعات واستقرارها.
•فمنذ اعتمادها، انطلقت من مبدأ بسيط وعميق في آنٍ واحد، وهو أن المجتمع لا يستطيع أن يحقق تنمية حقيقية إذا بقي نصف طاقته معطلًا أو مقيدًا بقيود تحول دون مشاركته الكاملة في الحياة العامة.
•ولهذا جاءت الاتفاقية لتؤكد أن المرأة ليست تابعًا في مسيرة التنمية، وإنما شريك أصيل في صناعة المستقبل.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
إن اتفاقية سيداو ليست مجرد وثيقة قانونية دولية، بل هي مشروع إنساني يسعى إلى ترسيخ قيمة العدالة بوصفها أساسًا لنهضة المجتمعات واستقرارها. فمنذ اعتمادها، انطلقت من مبدأ بسيط وعميق في آنٍ واحد، وهو أن المجتمع لا يستطيع أن يحقق تنمية حقيقية إذا بقي نصف طاقته معطلًا أو مقيدًا بقيود تحول دون مشاركته الكاملة في الحياة العامة. ولهذا جاءت الاتفاقية لتؤكد أن المرأة ليست تابعًا في مسيرة التنمية، وإنما شريك أصيل في صناعة المستقبل.
وتكمن جمالية الاتفاقية في أنها لا تدعو إلى الصراع بين الرجل والمرأة، ولا إلى هدم الأسرة أو الانتقاص من القيم المجتمعية، وإنما تنطلق من فكرة أن العدالة والمساواة أمام القانون تفتحان الباب أمام مجتمع أكثر استقرارًا وإنتاجًا. فهي تدعو إلى إزالة أشكال التمييز في التعليم والعمل والمشاركة السياسية، وتؤكد حق المرأة في الوصول إلى الفرص على أساس الكفاءة، وتحث على حمايتها من العنف والاستغلال، وتدعو إلى مراجعة التشريعات التي قد تؤدي إلى تمييز غير مبرر، بما ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان. ومن أبرز مفاصل الاتفاقية تأكيدها على حق المرأة في التعليم باعتباره بوابة المعرفة والتنمية، وحقها في العمل دون تمييز في الأجر أو فرص الترقية، وحقها في المشاركة في صنع القرار والحياة السياسية، إضافة إلى الاهتمام بالرعاية الصحية، وحماية الأمومة، وضمان المساواة أمام القانون، وتشجيع الدول على إزالة الصور النمطية التي تحد من إمكانات المرأة، بما يسمح لها بالإسهام الكامل في بناء المجتمع.
وعندما تُقرأ الاتفاقية في سياق حضاري متوازن، فإنها تمثل دعوة إلى الاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر. فالمجتمعات التي تتيح لأفرادها فرصًا عادلة في التعليم والعمل والإبداع تكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر، وأكثر استعدادًا لبناء اقتصاد قوي ومؤسسات أكثر كفاءة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى سيداو بوصفها إحدى الأدوات التي تحفز الدول على مراجعة سياساتها بما يعزز التنمية والعدالة الاجتماعية.
إن الهجوم على اتفاقية سيداو لا ينبغي أن يكون مجرد موقف عاطفي يرفع الشعارات دون الوقوف على جوهرها الحقيقي. فمن يرفض الاتفاقية بدعوى الدفاع عن المجتمع الأردني، عليه أن يدرك أن المجتمع الأردني الذي نفخر به لم يكن يومًا مجتمعًا يقبل بإهانة المرأة أو بحرمانها من حقها في التعليم والعمل أو المشاركة في الحياة العامة، ولم يكن يومًا مجتمعًا يبرر العنف ضدها أو يرضى بأن تُعامل على أنها مواطن من درجة أقل. إن قيم العدالة والكرامة واحترام الإنسان متجذرة في الثقافة الأردنية، وهي القيم ذاتها التي تسعى الاتفاقية إلى تعزيزها. وإذا كانت هذه المبادئ تتوافق مع ضمير المجتمع، فليس من المنطقي أن تتحول في نظر البعض إلى مصدر للخوف أو الرفض.
إن كثيرًا من الانتقادات التي تُوجَّه إلى سيداو لا تستند إلى نصوصها الفعلية، وإنما إلى تفسيرات أو مخاوف من بعض تطبيقاتها. وهذا حق مشروع في أي مجتمع ديمقراطي، لكن تحويل تلك المخاوف إلى رفض مطلق للاتفاقية يحجب ما تحمله من قيم إنسانية نبيلة، ويغفل أن الدولة صاحبة السيادة هي التي تقرر كيفية مواءمة التزاماتها الدولية مع دستورها وتشريعاتها وثوابتها الوطنية. فالتحضر لا يعني رفض كل ما يأتي من الخارج، كما أن المحافظة لا تعني الدفاع عن أي ممارسة تكرس الظلم أو التمييز. والمجتمع الواثق من هويته لا يخشى الأفكار التي تدعو إلى العدالة، بل يناقشها بعقل منفتح، ويستفيد منها بما يخدم مصلحته ويحافظ على أصالته.
وفي المجتمع الأردني، شكّلت سيداو مساحة واسعة للنقاش، وهو نقاش يعكس وعيًا مجتمعيًا ورغبة في تحقيق التوازن بين الالتزامات الدولية والخصوصية الثقافية والدينية. إلا أن هذا التوازن لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل حقوق المرأة أو التقليل من مكانتها، فتمكين المرأة لا ينتقص من الرجل، وحمايتها لا تهدد الأسرة، ومنحها الفرص العادلة لا يمس الهوية الوطنية، بل يعززها. إن الأسرة القوية تُبنى على الشراكة والاحترام، والمجتمع القوي هو الذي يفتح أبواب النجاح أمام جميع أبنائه وبناته دون تمييز.
إن القيمة الحقيقية لأي اتفاقية دولية لا تكمن في نصوصها وحدها، بل في الكيفية التي تُفهم بها وتُطبق من خلالها. وعندما تُقرأ سيداو بروح الإصلاح، وبمنهج يحترم خصوصية المجتمعات ويستثمر في طاقات الإنسان، فإنها تتحول من مجرد وثيقة قانونية إلى رؤية حضارية تؤمن بأن نهضة الأمم لا تتحقق إلا عندما تتاح الفرصة لكل فرد، رجلًا كان أو امرأة، ليشارك في بناء وطنه بكرامة وعدالة ومسؤولية. فالأوطان لا تنهض بإقصاء نصف مجتمعها، ولا تتقدم بتبرير التمييز، وإنما ترتقي حين تؤمن بأن العدالة ليست امتيازًا يمنح، بل حق أصيل لكل إنسان.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




