... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
304725 مقال 217 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5684 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

شوية حميمية

العالم
إيلاف
2026/05/03 - 07:15 502 مشاهدة
أكثر ما يلامسني وأنا أسير في قاهرة المعز، تلك المدينة التي لا تمشي فيها وحدك أبدًا حتى لو كنت وحيدًا، هو ما يحدث في التفاصيل الصغيرة، التفاصيل التي قد يمرّ عليها الغريب دون أن يفهم أنها ليست مجرد عادات، بل روح كاملة تعيش في الناس. وعلى الأخص في المقاهي، حيث يصبح المكان أشبه بمسرح يومي، لا تمثيل فيه ولا تصنّع، بل حياة صافية تمشي على قدمين. هناك، حين تتبدّل الورديات، وحين يأتي جرسون ليستلم الشفت من زميله، لا يحدث الأمر كما يحدث في باقي العالم: ورقة تُسلَّم، تعليمات تُقال بسرعة، ثم ينصرف كل واحد إلى حاله. لا، هنا الأمر مختلف تمامًا. هنا المشهد لا يكتمل إلا بشيء واحد، الحضن. حضن سريع، لكنه عميق. حضن يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة إعلان واضح غير مكتوب: "أنا لست مجرد زميلك، أنا سندك." "أنا أعرف تعبك، وأعرف أنك تقف مكاني الآن." "أنا أراك، وأحسّ بك." وكأن الأحضان بينهم هي الشفرة غير السرية، اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة. لا أحد يقول: "أنا أثق بك." ولا أحد يشرح: "أنا أحبك كأخ." لكن الحضن يفعل كل هذا في لحظة واحدة، دون كلام. وفي تلك اللحظة تحديدًا، أشعر أنني أمام شيء لم أجده في مكان آخر في العالم، شيء نادر جدًا: الحميمية. الحميمية ليست كلمة رومانسية كما يتخيل البعض. وليست مجرد علاقة حب أو صداقة قوية. الحميمية أعمق من ذلك بكثير. إنها حالة إنسانية كاملة، حالة تقول لك إنك لست غريبًا. الحميمية هي أن يشعر الإنسان أنه مُعترف به. أن وجوده ليس عبئًا. أن تعبه مفهوم. أن صمته مفهوم أيضًا. هي أن تستطيع أن تقف أمام شخص دون أن تشرح نفسك، ودون أن تبرر حزنك، ودون أن تتجمّل. فتجد منه احتواءً طبيعيًا، كأنه أمر بديهي، كأنه حقّك. الحميمية هي أن تجد شخصًا يقول لك بأفعاله: "اطمئن، أنا هنا." وأنا أراقب هذا المشهد في مقاهي قاهرة المعز، أستوعب كم نحن كبشر نفتقد هذه المساحة. نفتقد أن نلمس بعضنا كأصدقاء، أن نقترب دون خوف، أن نعترف أننا نحتاج للدفء. العالم الحديث علّمنا أن نبقى على مسافة. علّمنا أن نضحك كثيرًا ونشعر قليلًا. أن نتحدث كثيرًا ونصدق قليلًا. أن نبدو أقوياء دائمًا، حتى ونحن نتكسر من الداخل. لكن هنا، في حضن جرسون لجرسون، تسقط كل تلك الأقنعة. يبدو المشهد عاديًا جدًا لمن لا يفهمه: عاملان في مقهى يتبادلان الشفت. لكن في الحقيقة، ما يحدث هو تبادل أعمق: تبادل تعب. تبادل أمان. تبادل حياة. كأن الحضن يقول: "خذ مكاني وأنا مطمئن." "أنت تكملني." "لن أتركك وحدك في ضغط اليوم." "الزبائن كثيرون، والمشاكل كثيرة، لكننا معًا." وهذا هو جوهر الحميمية: أن تكون العلاقة ليست مبنية على الكلام الجميل، بل على الشعور الصادق. الحميمية هي أن تكون العلاقة إنسانية قبل أن تكون رسمية. أن يكون في القلب متسع للآخر، حتى لو كانت الحياة ضيقة. والذي يحزنني، أن كثيرًا من الأماكن في العالم فقدت هذا المعنى. صارت العلاقات ميكانيكية، محسوبة، باردة. الناس يعيشون جنبًا إلى جنب، لكن كل واحد يعيش وحده. يعملون معًا، لكن لا يشعرون ببعض. يتحدثون، لكن لا يلمسون أرواح بعضهم. أما هنا، في قاهرة المعز، في تلك المقاهي القديمة التي تشبه الذاكرة، ما زال الإنسان يُعامل كإنسان. قد لا تكون لديهم رفاهية كبيرة، ولا وقت طويل، ولا حياة سهلة، لكن لديهم ما هو أندر: دفء لا يُشترى. دفء يجعل الحضن أهم من الكلمات. يجعل السلام أكثر صدقًا من أي خطاب. يجعل الزمالة تتحول إلى صداقة، والصداقة تتحول إلى أخوّة. ولذلك حين أرى هذا المشهد، أشعر بشيء داخلي يتحرك، شيء يقول لي: إن الحياة ليست بما نملكه، بل بمن يربت على كتفنا حين نتعب. بمن يحتضننا دون سبب. بمن يجعلنا نشعر أننا لسنا وحدنا. وهنا أفهم لماذا لم أجد ذلك في مكان آخر. لأن كثيرًا من العالم يعيش فكرة "الخصوصية" حتى تحولت إلى عزلة. أما هنا، فالناس لا تزال تفهم أن القرب ليس تعدّيًا، بل رحمة. في النهاية، الحميمية ليست كلمة، الحميمية هي حضن في وقت تبديل الشفت. هي ابتسامة صادقة في منتصف التعب. هي يد تربت على كتفك دون أن تطلب. هي أن تجد في العمل صديقًا، وفي الصديق أخًا، وفي الأخ وطنًا صغيرًا يطمئنك. ذلك ما يجعل قاهرة المعز ليست مجرد شارع أثري، بل مكانًا حيًا، يتنفس بالبشر. مكانًا يذكّرك أن الإنسان، مهما سافر وطاف الدنيا، سيظل يبحث عن شيء واحد: أن يشعر أنه محبوب، ومفهوم، وقريب.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤