الصحوة – خرج طفلان، يبلغان من العمر 14 و16 عامًا، من منزل ذويهما في إحدى محافظات سلطنة عُمان إلى جهة مجهولة. كان البلاغ في ظاهره عن اختفاء قاصرين، لكن عمليات البحث والتحري التي بدأت بعده ستقود إلى ما هو أبعد من مجرد واقعة هروب.
فخلف اختفاء الطفلين كانت هناك قصة بدأت من إحدى الألعاب الإلكترونية، وانتقلت من العالم الافتراضي إلى الواقع، قبل أن تنتهي بقضية اتجار بالبشر واستغلال جنسي وأحكام بالسجن والغرامة بحق عدد من المتهمين.
وتعود وقائع القضية، التي أوردها الادعاء العام في العدد (18) من مجلة «المجتمع والقانون»، إلى نحو خمسة أعوام، عندما تلقت الأجهزة الأمنية المختصة بلاغًا بخروج الطفلين من منزل ذويهما إلى جهة غير معلومة.
باشرت فرق الشرطة البحث والتحري واقتفاء أثرهما، حتى تمكنت من تحديد موقعهما في إحدى الولايات وضبط عدد من المتهمين المرتبطين بالقضية.
لكن الوصول إلى الطفلين كشف عن سلسلة من الأحداث التي سبقت خروجهما من المنزل، وأخرى أكثر خطورة أعقبته.
لماذا هربا؟
خلال التحقيق، أفاد الطفلان بأن الدافع الأساسي وراء هروبهما كان سوء المعاملة والقسوة المستمرة التي تعرضا لها من والدهما وزوجته.
وخارج المنزل، كان أحد الطفلين قد تعرف عبر إحدى الألعاب الإلكترونية الشهيرة على شخص سيصبح لاحقًا المتهم الأول في القضية.
وبحسب تفاصيل القضية، استطاع المتهم الأول بناء علاقة مع الطفلين عبر اللعبة، قبل أن يتواصل معهما هاتفيًا وينسق معهما خطة للهروب إلى إحدى الولايات.
اتخذ الطفلان قرارهما وغادرا، ليستقلا مركبة أجرة نقلتهما من محافظة مسقط إلى المكان الذي كان المتهم الأول وشركاؤه في استقبالهما فيه.
وعند وصولهما، دفع المتهم الأول تكلفة نقلهما، ثم طلب منهما التخلص من شريحة الهاتف النقال، قبل نقلهما إلى غرفة ملحقة بمنزل عائلته.
هناك، وفر المتهمون للطفلين المسكن والمأكل والمشرب، لكن ما بدا في البداية مأوى لهما سرعان ما كشف عن وجه آخر.
من لعبة إلكترونية إلى الاستغلال
وفق تفاصيل القضية، بدأ المتهمون استغلال الطفلين جنسيًا بهدف الحصول على المال، مستخدمين المكالمات الهاتفية وتطبيقات التواصل الاجتماعي للتنسيق مع أشخاص آخرين، كما استخدموا صور الطفلين لاستقطاب الراغبين.
وتعرض أحد الطفلين لهتك العرض عدة مرات من بعض الجناة، كما أُجبر على الخروج لممارسة الجنس مع أشخاص آخرين مقابل مبالغ مالية كان الجناة يتقاضونها.
أما الطفلة، فقد تعرضت بدورها للتحرش الجنسي وهتك العرض من أشخاص آخرين، فيما كان المتهم الأول، بحسب ما ورد في القضية، ينسق خروجها مع رجال بهدف الحصول على المال الذي كان الجناة يستولون عليه.
وهكذا تحولت العلاقة التي بدأت في فضاء لعبة إلكترونية إلى واحدة من أهم الأدلة على الخطر الذي واجهه الطفلان بعد مغادرتهما المنزل؛ إذ انتقلا من البحث عن مكان خارج بيئتهما الأسرية إلى الوقوع تحت استغلال أشخاص سعوا إلى تحقيق مكاسب مالية من الاعتداء عليهما.
أحكام بالسجن والغرامة
انتهت القضية أمام المحكمة بإدانة المتهمين الأول والثاني بجناية الاتجار بالبشر عن طريق الاستغلال الجنسي للأطفال، وجناية استغلال طفل في ممارسة الدعارة والفجور، وجناية تشجيع طفل على ممارسة الجنس ممارسة حقيقية، إضافة إلى جنحة مساعدة طفل للتعرض للجنوح.
كما أُدين المتهم الأول بالاشتراك في هتك عرض طفل، وقضت المحكمة بسجن المتهمين الأول والثاني سبع سنوات وتغريم كل منهما مبلغ عشرة آلاف ريال عُماني.
وأُدين المتهم الثاني كذلك بجناية هتك عرض طفل، وعوقب عنها بالسجن خمس سنوات والغرامة خمسة آلاف ريال، مع إدغام العقوبات بحقه وتنفيذ العقوبة الأشد.
وامتدت الأحكام إلى المتهمين الثالث والرابع والخامس، الذين أُدينوا بجناية هتك عرض طفل ومساعدته للتعرض للجنوح، وقضت المحكمة بسجنهم سنة وتغريمهم خمسة آلاف ريال.
عندما يبحث الطفل عن الأمان خارج المنزل
لا تقف دلالة القضية عند الجرائم التي انتهت إلى المحكمة والعقوبات التي صدرت بحق مرتكبيها، بل تكشف عن مسار خطير يمكن أن يبدأ قبل ذلك بكثير.
فالطفلان قالا خلال التحقيق إنهما هربا بسبب سوء المعاملة والقسوة، وفي الوقت نفسه كانت علاقة قد تشكلت عبر لعبة إلكترونية مع شخص استطاع الانتقال بالتواصل معهما من العالم الافتراضي إلى الواقع، ثم التنسيق لخروجهما واستقبالهما وتوفير احتياجاتهما قبل استغلالهما.
وتضع هذه الوقائع عاملين متداخلين أمام الأسرة: طبيعة البيئة التي يعيش فيها الطفل داخل المنزل، ومن يتواصل معه خارجه، ولا سيما عبر الألعاب والمنصات الرقمية.
ففي هذه القضية، لم تكن اللعبة الإلكترونية هي الجريمة، وإنما كانت المساحة التي تم عبرها التعارف الأول الذي تطور لاحقًا إلى تواصل وتنسيق للهروب، ثم إلى استغلال جنسي واتجار بالبشر.
وبين بلاغ عن طفلين خرجا من منزلهما، وتحريات قادت إلى العثور عليهما وكشف ما تعرضا له، تقدم القضية رسالة تتجاوز الرقابة على الشاشات وحدها: حماية الطفل تبدأ أيضًا من وجود بيئة أسرية آمنة يستطيع فيها أن يلجأ إلى أسرته، بدلًا من أن يبحث عن الثقة والأمان لدى شخص مجهول خلف شاشة.



