سباق الممرات يهدد طموح العراق في أن يكون مركز النقل الاقليمي
المدى/ خاص
تشهد المنطقة تحولات متسارعة في خريطة النقل والتجارة بين آسيا وأوروبا، مع تصاعد التوجه نحو إنشاء ممرات برية بديلة تقلل الاعتماد على الطرق البحرية التقليدية، خصوصًا بعد اضطرابات الملاحة وأزمات سلاسل الإمداد التي أعادت طرح فكرة تنويع مسارات التجارة.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع الربط السككي الذي تعمل عليه السعودية بالتعاون مع الأردن وسوريا وصولًا إلى تركيا، كمسار بديل واسع النطاق قد يعيد تشكيل ممرات التجارة الإقليمية، وهو ما ينعكس مباشرة على مشروع "طريق التنمية" في العراق من حيث الجدوى التنافسية وحجم الحركة المتوقعة عبره.
في المقابل، يمثل "طريق التنمية" أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية العراقية الحديثة، حيث تم توقيع اتفاق رباعي في أبريل 2024 بين العراق وتركيا والإمارات العربية المتحدة وقطر، لإنشاء ممر بري وسككي بطول يقارب 1200 كيلومتر داخل العراق، يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي التركية. ويهدف المشروع إلى تحويل العراق إلى عقدة لوجستية إقليمية تربط الشرق بالغرب، عبر منظومة نقل متكاملة تشمل السكك والطرق والأنابيب وخطوط الاتصالات.
وبحسب البيانات الرسمية، تبلغ كلفة المشروع نحو 17 مليار دولار موزعة بين الطرق السريعة والسكك الحديدية، ويُنفذ على ثلاث مراحل تمتد حتى أعوام 2028 و2033 و2050، مع توقعات بتوفير مئات الآلاف من فرص العمل في المراحل الأولى، وصولًا إلى مليون فرصة عمل عند الاكتمال، ما يجعله أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في تاريخ العراق الحديث.
وفي هذا الصدد، أكدت عضو مجلس النواب ضحى السدخان أن توجه بعض الدول، ومنها السعودية، نحو إنشاء ممرات بديلة تربطها بموانئ أخرى وصولًا إلى أوروبا، يضع العراق أمام مسؤولية مضاعفة للإسراع في تنفيذ مشروعه وعدم السماح بتفويت الفرصة أو خسارة ميزته الجغرافية.
وأضافت السدخان في حديث لـ(المدى) أن مشروع طريق التنمية يمثل فرصة تاريخية لا يمكن التفريط بها، موضحة أنه ليس مجرد ممر للنقل، بل مشروع سيادي يعيد رسم موقع العراق على خارطة التجارة العالمية من الخليج وصولًا إلى أوروبا. وشددت على أن المشروع ليس خيارًا ثانويًا، بل مشروع دولة يتطلب إرادة سياسية موحدة وعملًا مؤسساتيًا بعيدًا عن الخلافات، لأن التأخير فيه لا يعني خسارة اقتصادية فقط، بل تراجعًا في مكانة العراق الإقليمية.
ومؤخرًا، حثَّ النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان الحكومة الاتحادية على الاستعانة بالخبرات الصينية في تنفيذ مشروع "طريق التنمية"، مؤكدًا دعم البرلمان لتسريع تنفيذه.
واعتبر فيحان أن المشروع يمثل ركيزة أساسية لتحويل العراق إلى ممر اقتصادي فاعل يربط الشرق بالغرب، بما يعزز فرص التنمية والاستثمار، مشددًا على أهمية تفعيل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والاستفادة من الخبرات الصينية.
كما أكد جاهزية مجلس النواب لتوفير الدعم التشريعي وتشكيل فريق نيابي مختص لتسريع الإجراءات بالتنسيق مع الحكومة، مبينًا أن المشروع سيسهم في تعظيم موارد البلاد ودفع عجلة التنمية في مختلف القطاعات.
وتعمل وزارة النقل على استكمال مسودة قانون المشروع، في خطوة تهدف إلى توفير بيئة قانونية مستقرة لجذب الاستثمار وضمان تنفيذ متكامل يربط ميناء الفاو الكبير بشبكات النقل البرية والسككية. وبحسب بيان للوزارة، هناك مساعٍ لتسريع إقرار التشريعات الخاصة بالمشروع، باعتباره محورًا لتحويل العراق إلى مركز لوجستي إقليمي.
إلى ذلك، أوضح الخبير في الشأن الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أن المشاريع الإقليمية البديلة، مثل المسار الذي يمر عبر السعودية والأردن وسوريا، قد تؤثر على مشروع "طريق التنمية"، رغم أن النقل السككي أقل كلفة، إلا أنه يستغرق وقتًا أطول بسبب مروره بعدة دول.
وقال المشهداني، خلال حديثه لـ(المدى)، إن الحديث عن مشاريع سكك الحديد في المنطقة ليس جديدًا، بل يعود إلى حقبة الدولة العثمانية، حيث سعت الدول آنذاك إلى تأمين طرق تجارتها، موضحًا أن الدول التي تعمل اليوم على هذه المشاريع تمتلك ميزتين أساسيتين، هما القدرة على التمويل ووحدة القرار السياسي.
وأشار إلى أن مشروع طريق التنمية يتميز بتنوعه، إذ لا يقتصر على نقل الأفراد عبر السكك الحديدية، بل يشمل طريقًا بريًا لنقل البضائع، إضافة إلى خطط لإنشاء أنبوب نفطي يربط الخليج بأوروبا، ونقل الغاز، فضلًا عن مد كابل ضوئي للإنترنت.
وبيّن أن المشروع يواجه عدة تحديات، أبرزها التأخير في استكمال التصاميم، حيث كان من المفترض إنجازها خلال عام 2025، والدخول في مرحلة التنفيذ في العام ذاته، على أن تنتهي المرحلة الأولى في 2028، إلا أن العمل لا يزال في مرحلة التصاميم، ولم يُنجز حتى الآن سوى فحص التربة.
وأضاف أن التمويل يمثل عقبة رئيسية أخرى، إذ لم يُحسم بعد ما إذا كان المشروع استثماريًا أم حكوميًا، في وقت تبلغ كلفته التقديرية نحو 17 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة الحكومة الحالية على التمويل.
وختم بالقول إن مستقبل "طريق التنمية" سيبقى مرهونًا بوضوح الرؤية السياسية وتأمين التمويل وضمان الاستمرارية في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية في العراق.
The post سباق الممرات يهدد طموح العراق في أن يكون مركز النقل الاقليمي appeared first on جريدة المدى.





