قبل انطلاق الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأ المشهد السياسي يكشف ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز ليس فقط اشتداد المنافسة بين الأغلبية والمعارضة، وإنما انتقال جزء مهم من هذا الصراع إلى داخل الأغلبية الحكومية نفسها، فبينما يبدو حضور المعارضة أقل تأثيرا في النقاش العمومي مقارنة بولايات سابقة، تتسابق أحزاب الأغلبية إلى إبراز اختلافاتها وإثبات تميزها أمام الرأي العام، في مشهد يراه متابعون بداية مبكرة لمعركة قيادة الحكومة المقبلة.
ورغم أن المعارضة ما تزال حاضرة داخل البرلمان، فإنها لم تنجح، خلال جزء كبير من الولاية الحالية، في فرض نفسها إعلاميا وسياسيا بالزخم نفسه الذي عرفته ولايات سابقة.
الأغلبية تعارض نفسها
ومن أبرز ملامح هذه المرحلة، بروز حزب الأصالة والمعاصرة كأحد أكثر مكونات الأغلبية انتقادا لبعض السياسات الحكومية، حتى بدا في بعض الملفات أكثر تشددا من المعارضة نفسها.
وترى البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، نادية بوزندوفة، أن هذا السلوك ليس جديدا على حزبها، مؤكدة أن “خطابنا متوازن، وأحيانا نشعر وكأننا ما زلنا نمارس دور المعارضة”، مضيفة أن حزبها “يمارس المعارضة من داخل المؤسسات”، وهو، بحسبها، سر اختلافه، لأنه “لا يثمن كل شيء وأي شيء”.
وتوضح أن برلمانيي الحزب ينوهون بما يستحق التنويه من المبادرات الحكومية، لكنهم في المقابل يعارضون كل ما يرونه غير منسجم مع المصلحة العامة للمواطنين.
وتكشف بوزندوفة جانبا من كواليس عمل اللجان البرلمانية، مؤكدة أنه “لو كانت اجتماعاتها علنية لاستغرب المواطنون من حجم الصراعات”، مشيرة إلى أن بعض الاجتماعات تتوقف أحيانا بسبب الخلاف مع وزراء، بمن فيهم وزراء من حزبها.
وتضيف: “الوزراء يوجدون في مناصبهم بفضل البرلمانيين، أما أنا فوصلت إلى البرلمان بفضل المواطنين والمواطنات، وأعتبر ذلك مسؤولية”.
وتؤكد أنها تتحمل المسؤولية الكاملة في الأسئلة البرلمانية التي توجهها، دون مراعاة لأي طرف داخل البرلمان، لأن دورها الأول هو الدفاع عن المواطنين.
انتقاد أم تموقع انتخابي؟
ويرى متابعون للشأن السياسي، أن مكونات الأغلبية بدأت فعلا في رسم ملامح حملاتها الانتخابية المقبلة، عبر إظهار مسافة سياسية بينها وبين الحكومة، رغم مشاركتها فيها.
غير أن بوزندوفة ترفض هذا التفسير، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق بإثبات الذات استعدادا لانتخابات 2026، وإنما بالوفاء للبرنامج الحكومي المتفق عليه.
وتنفي البرلمانية ذاتها، ارتباط هذه المواقف بحسابات انتخابية استعدادا للاستحقاقات المقبلة، أو محاولة في تحسين المواقع السياسية، مؤكدة أن حزبها يوجد داخل الأغلبية الحكومية بناء على برنامج حكومي متوافق بشأنه بين مكوناتها الثلاثة.
وأوضحت أن هذا البرنامج، ثمرة تقاطع بين برامج الأحزاب المشكلة للحكومة، غير أنها شددت على أن الالتزام بالأغلبية لا يعني الصمت عن الاختلالات، قائلة إن “الحزب، عندما يرى أن بعض الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح أو لا تخدم المصلحة العامة، فإنه لا يمكنه تجاهلها أو الامتناع عن التعبير عن موقفه”.
وتقول في هذا السياق، إن ميثاق الأغلبية لا يعني “التطبيل” للحكومة، وإنما يفرض فقط توحيد المواقف أثناء التصويت داخل البرلمان.
وتضيف: “لا يمكن أن أجبر بخاطر الوزير وأتخلى عن الدفاع عن مصالح المواطنين الذين منحونا أصواتهم، ولا يمكن أن أجامل وزيرا معينا، وأكثر من مرة عارضنا وزراء ينتمون إلى حزبنا أيضا، لأننا نعتبر ذلك أمانة، لكن في التصويت نصوت مع الأغلبية”.
وتؤكد أن الاختلاف بين مكونات الأغلبية ليس وليد نهاية الولاية الحكومية، بل يعود إلى بداية التجربة الحكومية الحالية، وحتى قبل سنة 2021.
العدالة والتنمية.. معارضة استعادت حضورها
في مقابل ذلك، نجح حزب العدالة والتنمية في الحفاظ على موقعه كأبرز صوت معارض، مستفيدا من ضعف الحضور الإعلامي لبقية مكونات المعارضة التي تعد حاضرة أيضا بصوتها في البرلمان، ما جعل كثيرا من النقاشات السياسية تدور حول مواقفه.
وتؤكد البرلمانية نعيمة الفتحاوي أن الحزب، رغم تراجع عدد مقاعده، دخل المعارضة “بنفس قوي”، مستندا إلى تجربته السابقة في تدبير الحكومة.
وتضيف أن الحزب أخذ على عاتقه القيام بأدواره من موقع المعارضة، كما فعل عندما كان يقود الحكومة، حتى يظل قريبا من المواطنين والفئات الهشة والقضايا الوطنية الكبرى.
وتؤكد الفتحاوي أن أعضاء حزبها لا ينحرجون من أي تناقض بين مواقف الحزب الحالية والسابقة، قائلة: “بل نفتخر بالإصلاحات التي قمنا بها في التعليم والصحة والتقاعد وصندوق المقاصة وغيرها”.
وفي تقييمها للحكومة الحالية، تؤكد أن حزبها “ليس عدميا”، معترفة باستمرار عدد من الأوراش الكبرى، من قبيل الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم المباشر، لكنها تنتقد بطء تنزيلها.
الأحرار.. الحصيلة هي الرد
وفي مقابل تصاعد الانتقادات، يتمسك حزب التجمع الوطني للأحرار بخطاب يقوم على تقييم الحكومة من خلال نتائجها، رافضا استغلاله في الحملات الانتخابية لاستحقاقات 2026.
وقالت البرلمانية زينة شاهيم إن حزبها يتعرض لانتقادات أكبر، ويستغل إعلاميا وسياسيا، لأنه الحزب الأول الذي يقود الحكومة، وحصل على أكبر عدد من المقاعد.
وأضافت أن الحكومة استطاعت الصمود أمام ظروف استثنائية، سواء تعلق الأمر بالأزمات الدولية أو الجفاف أو الزلزال أو الحرائق وغيرها من التحديات، مؤكدة أن الرد على الانتقادات لا يكون بالتصريحات، وإنما بتنزيل المشاريع وتحقيق النتائج.
وأعربت عن أسفها لما وصفته بمحاولات بعض الأطراف، خاصة المعارضة، تبخيس كل ما تقوم به الحكومة، في المقابل، ترى شاهيم أن الأوراش التي أطلقتها الحكومة ما تزال تحتاج إلى الاستمرار، مشددة على أن حزبها يواجه الانتقادات بـ”الحقيقة” و”الحصيلة” وما تحقق للمواطنين على مختلف المستويات.
تحالفات مفتوحة
ورغم حدة السجال السياسي، لا يرى حزب العدالة والتنمية أن الخلافات الحالية تمنع قيام تحالفات مستقبلية.
وتؤكد نعيمة الفتحاوي أن السياسة تقوم على الانفتاح والتوافق، وأن التحالفات تبنى على البرامج لا على الخصومات، مضيفة أن الحزب لا يعتبر نفسه “الضوء الوحيد” في الساحة السياسية، وأنه مستعد للتواصل مع مختلف الأحزاب من أجل مواصلة الأوراش الكبرى التي يقودها الملك محمد السادس.
ظهرت المقالة سباق على صدارة المشهد السياسي.. الأغلبية تعارض نفسها والمعارضة تبحث عن الزخم أولاً على مدار21.





