رمزي الغزوي : ذوبان الأنا
•ثمة خسارات لا يُسمع لها صوت، ولا تترك ندبة ظاهرة على الوجوه.
•خسارات تبدأ على مهل وخفة، حين نفقد قدرتنا على التمييز بين ما نؤمن به حقاً وما تضعه الجموع في أفواهنا.
•فليس كل ما نهتف به خرج من أعماقنا، وليس كل ما يغضبنا ويفرحنا ويدفعنا إلى الاصطفاف هو بالضرورة ملك وعينا.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
ثمة خسارات لا يُسمع لها صوت، ولا تترك ندبة ظاهرة على الوجوه. خسارات تبدأ على مهل وخفة، حين نفقد قدرتنا على التمييز بين ما نؤمن به حقاً وما تضعه الجموع في أفواهنا. فليس كل ما نهتف به خرج من أعماقنا، وليس كل ما يغضبنا ويفرحنا ويدفعنا إلى الاصطفاف هو بالضرورة ملك وعينا. أحياناً نستعير أصواتنا من الآخرين، ونحسب أننا أول من نطق بها. ما أكثر الذين يضيعون في الزحام وهم يظنون أنهم وجدوا أنفسهم. يقفون في قلب الحشد، فتمنحهم الجماعة دفئها وقوتها، ويشعرون أنهم أكبر مما هم عليه بقليل، وأكثر يقيناً مما كانوا. في تلك اللحظة تحديداً، يبدأ السؤال المقلق بالتشكل: أين تنتهي أصوات الآخرين، وأين يبدأ صوتي أنا؟ قبل أكثر من قرن، تنبه سيغموند فرويد إلى هذه المفارقة الإنسانية العجيبة. فالإنسان داخل الحشد لا يبقى هو الإنسان ذاته خارج أسواره. هناك شيء ما يتبدل في داخله؛ إذ تضعف المسافة بين الأنا والجماعة، وتتراجع يقظة الضمير الفردي لصالح ضمير جمعي قادر على صناعة الحب والكراهية، والتصفيق والإدانة، والانتماء والنبذ. يصبح الفرد أكثر استعداداً لأن يشعر بما يشعر به الجميع، وأن يرى ما يرونه، وأن يصدق ما يصدقونه. غير أن حشود عصرنا لم تعد تحتاج إلى ساحات واسعة ولا إلى منصات خشبية. لقد انتقلت إلى جيوبنا، واستوطنت شاشاتنا الصغيرة. صرنا نحمل الحشود معنا حيث ذهبنا. يكفي أن نفتح هواتفنا حتى نجد أنفسنا وسط جوقة هائلة من الآراء والغضب واليقين. نشارك الآخرين انفعالاتهم بضغطة زر، ونخوض معاركهم بكلمات قليلة، ونظن أننا نمارس فردانيتنا، فيما نحن نكرر أصداءً تعبر خلالنا فحسب. بالطبع لا أرى في الجماعة شراً خالصاً؛ فالإنسان ابن انتمائه أيضاً، وما الحضارات إلا ثمرة اجتماع البشر على أحلام كبرى. لكن الخطر يبدأ وقت تتحول الجماعة من بيت يحتضن اختلافنا إلى قالب يصهره. فالذات لا تُولد مكتملة، إنها مشروع طويل من الأسئلة والشك والتجربة والتأمل. وما يجعلها جديرة باسمها هو قدرتها على أن تقول «لا» حين يجب أن تقولها، وأن تتردد حين يهرول الجميع نحو اليقين. اليوم وفي زمن الحشود الرقمية، تبدو الشجاعة فعلاً هادئاً أكثر منها بطولة صاخبة. أن تتوقف قليلاً قبل أن تهتف، وأن تسأل قبل أن تصفق، وأن تشك قبل أن تُدين. فليس كل إجماع حقيقة، وليس كل صخب دليلاً على الصواب. لعل أكثر ما نحتاجه اليوم ليس أن نرفع أصواتنا أكثر، وإنما أن نصغي إليها جيداً. فالإنسان لا يفقد حريته دفعة واحدة، بل حين يعتاد أن يستعير صوته من الآخرين. وعندما يحدث ذلك، لا يذوب في الحشود وحدها، وإنما يضيع عنه الطريق المؤدي إلى نفسه.
ــ الدستور
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

