رغم الضغوط الاقتصادية.. لماذا تنتهج الصين سياسة "عدم التدخل" في حرب إيران؟
على الرغم من المخاطر الاقتصادية الناجمة عن حرب إيران، من المرجح أن تلتزم بكين بنهج عدم التدخل إذ "تخشى التورط في صراع عارضته ولا تملك فيه نفوذاً يُذكر"، حسبما أشار تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز".
ومع فرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، يتزايد الضغط على بكين لحث طهران على قبول شروط تنهي الحرب وأزمة الطاقة العالمية، تضيف الصحيفة، التي أشارت إلى أن بكين لا تملك الكثير من الخيارات للضغط على شريكتها في الشرق الأوسط.
وهذا الأسبوع، ومع زيارة عدد من القادة، بمن فيهم ولي عهد أبوظبي ورئيس وزراء إسبانيا، إلى بكين، كان السؤال حول ما يمكن أن تفعله الصين للمساعدة في حل الأزمة، "هو الهاجس الذي لا مفر منه في كل اجتماع"، وفق الصحيفة.
وخلال هذه المحادثات، أدان الرئيس الصيني شي جين بينج، انتهاك القانون الدولي ووصفه بأنه "عودة إلى قانون الغاب"، في إشارة مبطنة، بحسب "نيويورك تايمز"، إلى الرئيس دونالد ترمب، وعرض "حلاً صينياً" في شكل خطة من أربع نقاط لحل الأزمة.
لكن هذه الخطة لا تقدم أكثر من دعوة للجميع لاحترام مبدأ السيادة والقانون الدولي. وهي تعكس كيف تجنبت الصين، رغم تزايد قلقها بشأن تأثير الحرب على اقتصادها، التورط بشكل مفرط في الأزمة. ويشمل ذلك عدم التزامها في ردها على دعوات طهران للصين بضمان أمنها، فضلاً عن عدم استخدام نفوذها كأكبر شريك تجاري لإيران للضغط عليها لقبول المطالب الأميركية.
سياسة الصين
وقال دينج لونج، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، إن مطالبة الصين بالضغط على إيران هو "سوء فهم للسياسة الخارجية الصينية وموقفها". وأضاف: "ليست مساعدة الولايات المتحدة أو إسرائيل من نوايا الصين لأنها عارضت هذه الحرب منذ البداية".
وترغب الصين، التي لطالما ادعت عدم تدخلها في شؤون الدول الأخرى، في أن يُنظر إليها كقائدة عالمية وفقاً لشروطها الخاصة. وعلى عكس الولايات المتحدة، التي حافظت على هيمنتها لفترة طويلة من خلال تحالفاتها الدفاعية، لا تملك الصين سوى حليف واحد بموجب معاهدة، وهو كوريا الشمالية.
ولا يرغب حكام الصين في الالتزام بالدفاع عن دولة أخرى، خشية الانجرار إلى حرب مكلفة تُقوّض في نهاية المطاف قوة بلادهم.
وقالت باتريشيا كيم، الباحثة في مركز "جون إل ثورنتون" الصيني التابع لمعهد بروكينجز: "يميل القادة الصينيون إلى اعتبار التدخلات الأميركية في الشرق الأوسط محركاً رئيسياً لتراجع أميركا، وليس لديهم أي رغبة في اتباع هذا النهج".
أضرار استمرار الصراع
تُلحق الحرب الإيرانية الضرر بالصين أيضاً. فالصين لديها الكثير لتخسره إذا استمر الصراع في إيران. ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً للطاقة والسلع الصينية، إذ يأتي نحو ثلث إجمالي واردات الصين من النفط الخام من الخليج العربي. وفي وقت تعتمد فيه الصين بشكل خاص على الصادرات لدعم اقتصادها، ستؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى انخفاض الطلب على السلع الصينية.
وقال يون صن، الباحث في مركز ستيمسون في واشنطن، مشيراً إلى احتياطيات النفط التي بدأت الصين في تخزينها قبل اندلاع الحرب: "لديهم احتياطيات استراتيجية، لكنها لن تدوم إلى الأبد". وأضافت: "إنهم لا يحبون عدم الاستقرار، ولا يحبون حرباً تُخيّم فوق رؤوسهم".
وفي مؤشر على تزايد القلق، كثّف المسؤولون الصينيون جهودهم الدبلوماسية هذا الأسبوع بعد فشل المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق سلام.
ودعا وزير الخارجية الصيني، وانج يي، نظيره الباكستاني، إلى المساعدة في الحفاظ على الزخم الذي تحقق لوقف إطلاق النار المؤقت الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي. وفي حديثه مع وزير الخارجية الإيراني، الأربعاء الماضي، قال وانج إن الصين ما زالت تدعم إيران، لكنه حثّ أيضاً على إعادة فتح مضيق هرمز، مؤكداً ضرورة "ضمان حرية الملاحة".
مكاسب بكين
ومن ناحية أخرى، تُفيد الحرب بكين. فالولايات المتحدة منشغلة في الشرق الأوسط بدلاً من التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو ردع تهديدات الصين بضم تايوان، التي تعتبرها بكين جزءاً من أراضيها.
وقد تمكنت الصين من استغلال العمليات العسكرية الأميركية كوسيلة لتصوير نفسها، على النقيض من ذلك، كدولة مسالمة تدعم الاستقرار العالمي. كما أن الحرب تعني أن المزيد من الدول، المحبطة من ترمب، تتجه نحو الصين كشريك أكثر قابلية للتنبؤ.
يقول شين تشيانج، الخبير في العلاقات الأميركية الصينية بجامعة فودان في شنغهاي: "أعتقد أن الأمر يحمل في طياته جوانب إيجابية وسلبية بنسبة 50%". وأضاف أنه في حين أن ارتفاع تكاليف الطاقة يضر بالاقتصاد الصيني، فإن السخط من واشنطن يدفع الدول إلى تعزيز علاقاتها مع الصين، مما يساعد على توسيع نفوذ بكين العالمي.
وأضاف: "هذا يُظهر أن الصين - على الأقل من وجهة نظرنا - دولة أكثر مسؤولية من الولايات المتحدة. نحن أكثر جدارة بالثقة، وأكثر عقلانية، وأكثر سلمية".
ولا ترغب الصين في تحمّل المسؤولية في حال فشلت محادثات السلام.
وعندما أشاد مسؤولون إيرانيون بالصين لمساهمتها في إقرار اتفاق وقف إطلاق النار، الأسبوع الماضي، لم تؤكد بكين أو تنف أي دور لها. واكتفت متحدثة باسم وزارة الخارجية بالقول إن الصين "تعمل بنشاط" لإنهاء الأزمة.
ويشير هذا التهرب، وفق بعض المحللين، إلى أن بكين، خشية فشل وقف إطلاق النار، لم تلعب سوى دور غير مباشر في المحادثات، واكتفت في أحسن الأحوال بتشجيع الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وقالت سارة بيران الشريكة في شركة "ماكرو أدفايزوري بارتنرز"، والتي شغلت منصب المدير الأول لشؤون الصين وتايوان في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن: "أعتقد أنه من المستبعد جداً أن تكون الصين قد اضطلعت بدور فعّال في محاولة الوساطة تلك. فالمخاطر جسيمة، وهي تخشى أن تُلام".
وتزعم الصين أن لكل دولة الحق في حكم نفسها دون تدخل خارجي، وتُصوّر نفسها كقوة لا تُمارس الترهيب. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بما تعتبره مصالحها الخاصة، مثل مطالباتها بتايوان وبحر الصين الجنوبي، فقد استخدمت الصين الحظر التجاري والتعريفات الجمركية، وأرسلت جيشها وخفر سواحلها للضغط على الدول الأخرى، تضيف الصحيفة.
القدرات العسكرية
ويرجع جزء من تردد الصين في الانخراط بشكل أكبر في أزمة الشرق الأوسط إلى مسألة القدرات العسكرية، وفق "نيويورك تايمز".
ولا يمتلك الجيش الصيني، الذي يتوسع بوتيرة متسارعة، شبكة واسعة من القواعد الخارجية كما هو الحال مع الولايات المتحدة، على الرغم من أن البحرية الصينية قد نشرت قوة مهام لمكافحة القرصنة في خليج عدن منذ عام 2008. وحتى الآن، لم يتم نشر هذه القوة لحماية السفن الصينية، وهي خطوة يرى الخبراء أنها مستبعدة ما لم تتعرض السفن الصينية لهجوم مباشر.
ويقول الدكتور شين من جامعة فودان: "بإمكان الصين بالتأكيد أن تلعب دوراً، لكن هذا الدور يبقى محدوداً".
ويضيف: "إذا احتاجت إيران إلى ضمانات أمنية، فسيكون من الصعب جداً على الصين تقديمها. وإذا أرادت الولايات المتحدة من إيران التخلي عن برنامجها النووي، فلا تملك الصين أي وسيلة لإجبار إيران على ذلك".
وبينما تتوق بكين إلى السعي نحو السلام، فإنها "مقيدة أيضاً بأولويات متضاربة. فهي بحاجة إلى إدارة التداعيات الاقتصادية لأزمة الطاقة، وإعادة ضبط علاقاتها مع واشنطن قبل القمة المرتقبة بين الرئيسين الصيني والأميركي، والحفاظ على علاقاتها مع كل من إيران ودول الخليج، التي تعرضت لهجمات من طهران"، حسبما تشير "نيويورك تايمز".
ومع تضاؤل احتمالية تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل نصراً سريعاً على إيران، تغيرت حسابات بكين. إذ قالت الدكتورة صن: "لو انتصرت الولايات المتحدة في غضون أسبوع أو أسبوعين، لكانت الصين قد وافقت على ذلك".
وأضافت أن استراتيجية الصين الحالية تتمثل في السعي إلى وقف إطلاق النار بأسرع وقت ممكن، ومحاولة "تعظيم دور الصين، وإن كان غير مباشر، في الوساطة لتعزيز مصداقيتها".





