رجاء يوسف لـ”963+”: إنصافي الفني كان ضعيفاً والشغف أعادني دائماً
في عالمٍ تتبدّل فيه الوجوه سريعاً، وتتصاعد فيه المنافسة يوماً بعد يوم، تبقى بعض الأسماء شاهدة على مراحل كاملة من تطوّر الدراما السورية، بما تحمله من خبرة وذاكرة وتجارب متراكمة. ومن بين هذه الأسماء، تبرز النجمة السورية القديرة رجاء يوسف، التي استطاعت عبر سنوات طويلة أن تحجز لنفسها مكانة خاصة لدى الجمهور، مستندة إلى حضور صادق وإيمان عميق بالمهنة التي اختارتها.
رجاء يوسف ليست مجرد ممثلة، بل حالة فنية تنتمي إلى جيلٍ آمن بأن التمثيل رسالة قبل أن يكون مهنة، وأن الطريق إلى النجومية لا يُختصر، بل يُبنى بالصبر والتراكم. في هذا الحوار الخاص لـ”963+” تفتح لنا قلبها لتتحدث عن مسيرتها، ونظرتها إلى الشهرة، وتقييمها للدراما اليوم، كما تكشف عن قناعاتها الشخصية التي شكّلت ملامحها الفنية والإنسانية.
كما تتحدث أيضاً عن تفاصيل صغيرة قد لا يراها الجمهور، لكنها تشكّل جوهر تجربتها، من لحظات الشك إلى لحظات الفخر، ومن خيبات الانتظار إلى متعة الوقوف أمام الكاميرا، حيث يبقى الشغف هو المحرّك الأول لكل خطوة.
بعد كل هذه السنوات في الفن، ما الذي ما زال يُدهشك في التمثيل حتى اليوم؟ وكيف تغيّرت نظرتكِ للشهرة بين بداياتكِ واليوم؟
ما زال يدهشني في التمثيل ذلك التنوع الكبير في الأدوار، والمتعة التي أشعر بها في تجسيد الشخصيات المختلفة، لأنني أعشق هذا الفن بكل تفاصيله. في كل مرة أبدأ فيها عملاً جديداً أشعر وكأنني أكتشف نفسي من جديد، وهذا أمر لا يمكن أن يملّه الفنان.
أما بالنسبة للشهرة، فقد كانت بداياتي عادية جداً، ومع مرور الوقت والعمل المتواصل وصلت إلى ما يمكن أن نسميه شهرة، لكنها لم تكن هدفاً بحد ذاته بقدر ما كانت نتيجة طبيعية للاستمرار. اليوم أتعامل معها بوعي أكبر، وأحاول أن أبقيها ضمن حدودها الطبيعية دون أن تؤثر على حياتي الشخصية.
هل تشعرين أن الزمن أنصفكِ فنياً، أم أن هناك أدواراً كان يجب أن تُعرض عليكِ ولم تحصل؟
بصراحة، يمكنني القول إن إنصافي الفني لم يكن كاملاً، بل كان ضعيفاً إلى حدّ ما. هناك مراحل شعرت فيها أنني لم أحصل على ما أستحقه من فرص، وربما كانت هناك أدوار مناسبة لي لكنها ذهبت لغيري، وهذا يحدث مع معظم الفنانين. لكن هذا لا يلغي أنني قدمت أعمالاً أعتز بها، وأدواراً تركت أثراً لدى الجمهور، وهذا بحد ذاته إنصاف من نوع آخر.
في ظل تغيّر الدراما السورية، هل ما زلتِ تجدين النص الذي يُشبهكِ ويُشبع طموحكِ؟
الدراما السورية، رغم كل التحديات، ما زالت متألقة وتحاول أن تحافظ على هويتها. وفي كثير من الأحيان، أجد أن الأدوار التي أقدمها تشبهني إلى حدّ كبير، وهذا ما يمنحني راحة في الأداء ويجعلني قادرة على تقديمها بصدق. لكنني في الوقت نفسه أبحث دائماً عن النص المختلف، الذي يضيف لي ولا يكررني.
ماذا تقول رجاء يوسف للجيل الجديد من الممثلين الذين يدخلون الساحة اليوم بسرعة كبيرة؟
أتمنى لهم التوفيق جميعاً، وأنصحهم بأن يصعدوا السلّم درجة درجة، لأن النجاح الحقيقي يحتاج إلى صبر وتدرّج، وليس إلى القفز السريع. الشهرة السريعة قد تكون مغرية، لكنها لا تدوم إذا لم تكن مبنية على أساس متين من الموهبة والعمل.
هل مررتِ بفترة شكّ فكرتِ فيها بالابتعاد عن الفن؟ وكيف تجاوزتِها؟
لم أفكر يوماً بالابتعاد عن الفن، لأنه مهنتي التي أحبها وأحترمها كثيراً. هو جزء من حياتي، ولا أستطيع أن أرى نفسي بعيداً عنه. ربما مررت بلحظات تعب أو إحباط، لكن الشغف كان دائماً أقوى، وكان يعيدني بسرعة إلى طريقي.
هل ترين أن الدراما اليوم تظلم الممثلة الناضجة لصالح الوجوه الشابة؟
أؤمن بأن لكل زمن ناسه، ولا أحد يأخذ دور أحد. لكل فنان فرصته التي تناسبه، والمسألة في النهاية مرتبطة بالنص والمرحلة. لكن لا أنكر أن هناك أحياناً ميلاً لإعطاء مساحة أكبر للوجوه الجديدة، وهذا أمر طبيعي في حركة الفن.
ما الدور الذي تتمنين تقديمه قبل أن تقولي “اكتفيت”؟
بصراحة، لا أعتقد أنني سأصل إلى مرحلة أقول فيها “اكتفيت”، لأنني أحب عملي كثيراً، وأشعر أن لدي دائماً ما أقدّمه. لكن بالطبع هناك أدوار إنسانية عميقة أتمنى أن أعيشها، لأنها تترك أثراً كبيراً في داخلي وفي الجمهور.
كيف تتعاملين مع النقد القاسي أو الظالم أحياناً؟
أتعامل معه بالمثل، وأحياناً أتجاهله إذا شعرت أنه غير موضوعي.
من فنان أو فنانة شابة لفتكِ مؤخراً وتشعرين أنه يحمل مشروع نجم حقيقي؟
هناك العديد من المواهب الشابة التي تمتلك مشروع نجومية حقيقياً، ولا أستطيع أن أحدد اسماً واحداً، لأن الساحة مليئة بالطاقات الواعدة، وهذا أمر يبعث على التفاؤل.
هل تشعرين أن الجمهور تغيّر في طريقة حكمه على الفنان؟
نعم، يمكن القول إن بعض الجمهور اختلفت وجهات نظره، فهناك من يكون إيجابياً، وهناك من يكون سلبياً، وهذا أمر طبيعي في كل زمان. لكن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في تسريع ردود الفعل.
ما أكثر شيء تعلّمته رجاء يوسف من الحياة خارج الكاميرا وغيّر أداءها في التمثيل؟
تعلّمت الكثير من الحياة، وربما من أهم ما تعلّمته أن الصدق والوفاء والإخلاص ليست دائماً موجودة كما نتمنى، وهذا جعلني أكثر حذراً، وأحياناً أكثر ميلاً للعزلة، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على أدائي وفهمي للشخصيات.
وهكذا تبقى رجاء يوسف نموذجاً للفنانة التي لم تغيّرها السنوات، بل زادتها رسوخاً ونضجاً، لتؤكد أن الفن الحقيقي لا يرتبط بمرحلة زمنية، بل يستمر طالما بقي الشغف حيّاً في القلب، وطالما بقي الفنان صادقاً مع نفسه ومع جمهوره.
ووُلدت رجاء يوسف في 15 أغسطس 1958 في مدينة المعرة بسوريا. منذ صغرها، أبدت اهتمامًا بالفنون، وشاركت يوسف كممثلة بالعديد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية، بالإضافة إلى بعض الأعمال الإذاعية. – عضو في نقابة الفنانين منذ عام 1989. من أعمالها: في السينما فيلم “ما يطلبه المستمعون” – 2004 – من تأليف وإخراج عبد اللطيف عبد الحميد. في المسـرح: “الحب مولعبة – مرتي رجال ونص – ليلة عرسي – عاشق ومعشوق – أخيراً تجوزنا – زوج مسبق الصنع – تجي نقسم القمر – سيرة وانفتحت”. وقدمت في الإذاعة مسلسل حكم العدالة، ومن أبرز مسلسلاتها: “يوميات مدير عام” و”أحلام أبو الهنا” و”يوميات جميل وهناء”.
وتزوجت رجاء يوسف من مدير الإنتاج طارق الأحمد، وهو شخصية معروفة في الوسط الفني السوري. أثمر زواجهما عن ثلاثة أبناء، من بينهم ابنتها نور الأحمد، التي سارت على خطى والدتها ودخلت مجال التمثيل.
وعلى مدار مسيرتها الفنية، ساهمت رجاء يوسف في إثراء الدراما السورية من خلال مشاركاتها المتنوعة في الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية. تميزت بأدائها العفوي وقدرتها على تجسيد شخصيات متعددة ببراعة، مما جعلها واحدة من أبرز الممثلات في سوريا. إن إسهاماتها المتنوعة في مجالات التمثيل والإنتاج جعلتها واحدة من الشخصيات المؤثرة في تاريخ الفن السوري، ولا يزال تأثيرها ملموسًا حتى اليوم.
The post رجاء يوسف لـ”963+”: إنصافي الفني كان ضعيفاً والشغف أعادني دائماً appeared first on 963+.





