🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
838,487 مقال 403 مصدر نشط 224 قناة مباشرة 5,726 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

وجهان للمونديال: هل حقًا نحتاج الفيفا؟

رياضة
حبر
2026/06/12 - 06:44 502 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis
جاري تحليل المقال...

نشر هذا المقال في مجلة africa is a country ضمن تغطية المجلة لكأس العالم 2026. 

عشية استضافتها لكأس العالم عام 2014، كانت البرازيل في أوج ازدهارها. فعلى مدى عدة سنوات، وفي ظل قيادة الرئيس لولا دا سيلفا، كانت البلاد نموذجًا بارزًا لموجة القيادة اليسارية الجديدة التي اجتاحت أمريكا الجنوبية مطلع القرن. حظي لولا بشعبية كبيرة لدى عامة السكان، حتى إن أوباما وصفه بالسياسي الأكثر شعبية في العالم. وفي خضم طفرة تصدير السلع الأساسية وإعادة هيكلة اجتماعية شهدت توسيع حقوق ملكية الأراضي لتشمل الفئات المهمشة، وكذلك توسّعًا في نظام الرعاية الاجتماعية، فازت البرازيل عام 2007، بحق استضافة كأس العالم 2014.

لكن بعيد الأزمة المالية التي ضربت العالم عام 2008، بدأت الأوضاع بالتدهور، وتغيّر المزاج السياسي في البلاد. في آب 2012 ظهرت موجة احتجاجية ضد رفع رسوم النقل شملت مدنًا عدة في البلاد. وبلغ الاهتمام الدولي بهذه الاحتجاجات ذروته في نهائي كأس القارات 2013، فبينما كان العالم يشاهد البرازيل ترفع الكأس داخل ملعب ماراكانا الشهير، قمعت الشرطة المتظاهرين في الخارج. وفي الأشهر الأولى من عام 2014، تكشّفت فضيحة فساد سياسي ومالي كبرى، شملت عمليات غسيل أموال واسعة، تورّطت فيها شركات كبرى مملوكة للدولة. وقد أطلق على هذه الفضيحة اسم عملية غسيل السيارات. وبموجب هذا الكشف بدأت حملة تطهير شملت العديد من رجال الأعمال والسياسيين، وصلت إلى لولا دا سيلفا ذاته. 

في الفترة التي سبقت كأس العالم 2014، تحوّل غضب الشوارع من أجور الحافلات إلى الفساد والأولويات الخاطئة للحكومة، خصوصًا استضافتها للأحداث الضخمة المرتقبة، إذ وإضافة لكأس العالم، كانت مدينة ريو ستستضيف دورة الألعاب الأولمبية في عام 2016. وكان من أسباب غضب المتظاهرين مسألة الجودة التي تطالب بها الفيفا؛ مثل بناء ملاعب لن يستفيد منها الجمهور بعد البطولة، وكذلك الإخلاء القسري للمنازل، وانتهاكات لحقوق ملكية الأراضي، ومشاريع النقل الباهظة والحصرية، بالإضافة إلى الإجراءات الأمنية التي بدت وكأنها عمليات قمع عنيف أكثر من كونها إجراءات سلامة عامة. في تلك الاحتجاجات ارتفعت المطالبات ببناء مستشفيات ومدارس بمعايير الفيفا. وفي البرازيل التي تعشق كرة القدم، هتف الناس: «Não vai ter Copa!» أي لن تكون هناك كأس العالم. ولو كنت في البرازيل في ذلك الوقت، فغالبًا كنت ستصدّق أن هذا الوعد سيتحقق.

برازيليون يحتجون على التكاليف المصاحبة لاستضافة بلادهم للمونديال عام 2014

كنتُ أقيم في ريو دي جانيرو عندما انطلقت البطولة. وفي أول أيامها، ركبت حافلة عامة، ومررت إلى جوار عباراتٍ تلعن الفيفا مرسومة على الجدران الخرسانية التي تتسلق تلال المدينة العديدة. توجهنا إلى مهرجان المشجعين المعتمد المقام على شاطئ كوباكابانا. كانت المدينة هادئة، والشوارع التي عادة ما تكون مزدحمة بدت خالية بشكل مخيف. ومع اقتراب الحافلة من الشاطئ، كان من الممكن معرفة السبب. بدا وكأن المدينة بأكملها قد نزلت لمشاهدة المنتخب الوطني وهو يفتتح الاحتفالات.

كان ثمّة توتر غامض يخيّم على الأجواء، لم أكن متأكدًا إن كان نابعًا من خوف عميق لدى البرازيليين من تكرار كارثة «ماراكانازو»، حين خسرت البرازيل عام 1950 نهائي كأس العالم المقامة على أرضها لمصلحة الأروغواي، أم بسبب الوعود الديمقراطية التي لم تتحقق، والتي بدت بوضوح نتيجة الانكماش الاقتصادي والرغبة بإبهار الغربيين بمشاريع برّاقة. ومع ذلك، ومع فوز البرازيل على كرواتيا، تلاشى الشعور بالتوتر، وبدا أن جو الاحتفال قد استحوذ فجأة على كل من هم حولي. سادت الأجواء الكرنفالية بعد شهور كان فيها هتاف «FIFA go home» شائعًا. لقد وصلت البطولة، وتلاشت فكرة أنها لن تقام.

بينما استمرت بعض الاحتجاجات المناهضة للفيفا في الأيام الأولى من الكأس، بدا أن غالبية البرازيليين سعداء بتشجيع المنتخب الوطني الذي كان يقدم أداءً جيدًا، أو على الأقل كانوا مستمتعين بروح الصداقة مع الزوار من الدول الأخرى خاصةً من أمريكا اللاتينية، باستثناء الأرجنتين. لكن وفي الوقت نفسه، كانت هناك إشارات إلى موجة اليمين التي ستجتاح البرازيل في السنوات التالية، خاصة داخل الملاعب حيث كان غالبية الحاضرين ذوي البشرة الفاتحة يرتدون القمصان الصفراء الزاهية التي أصبحت بحلول ذلك الوقت رمزًا للقومية اليمينية. ومع ذلك كان الاحتفال في الشارع حقيقيًا، وبدا أن التجربة وحّدت الناس بطريقة لم أشعر بها من قبل.

هنا ظهرت المعضلة حتى بالنسبة للمتظاهرين ذوي النوايا الحسنة. كيف سيُبقون الجمهور العام، وحتى أنفسهم، بعيدًا عن مشهد رياضة أصبحت متأصلة جدًا في أساطير الأمة؟ فمنذ الأيام الأولى للجمهورية البرازيلية، عندما نمت منافسات متوترة بين أندية النخبة في المراكز الحضرية الحديثة والبراقة في مدن ريو وساو باولو، وصولًا إلى كونها الدولة الوحيدة التي رفعت كأس العالم خمس مرات، غرزت البرازيل كرة القدم عميقًا في وجدانها الوطني.

وفي باقي أنحاء العالم، كانت البرازيل مرتبطة بأسلوب لعب فريد وشاعري، بقدر ما كان فعالًا. كان أسلوب لعب ينتمي إلى الشعب، وترعرع في البقع الترابية على أطراف المدن، وعلى الشواطئ، وفي الساحات الفاصلة بين البيوت. لقد انحدر هذا الأسلوب من ثقافات مقاومة السكان الأصليين والأفارقة ضد العبودية والاستعمار، ليحفر بيليه وغارينشا وسقراط وروماريو ورونالدو أسماءهم في قلوب الناس في جميع أنحاء العالم، وخاصة في بلدان الجنوب، إلى الأبد. كان كُل انتصار جديد للمنتخب، تأكيدًا لأي رؤية للبرازيل يراها صاحبها مهمة. وكان يبدو مستحيلًا التراجع عن فرصة الاحتفال بكونهم أبطال العالم للمرّة السادسة.

في النهاية، اصطدم ذلك الفخر القومي في البلاد بجدار الواقع عندما سُحِق المنتخب البرازيلي بنتيجة 7-1 على يد ألمانيا. كانت تلك ثاني مأساة كبرى مرتبطة بكأس العالم على أرض الوطن، وسمّيت «مينيرازو»، وهو تعبير لا زال يستخدم بالعامية في البلاد عند الإشارة للكوارث حتى اليوم. 

لقد أقيمت البطولة، ولكن في الأشهر التالية عادَ السخط وتحوّل التركيز من الأحداث الضخمة إلى الفساد. وأدت الاضطرابات السياسية العامة ، بما في ذلك عزل رئيسة البلاد ديلما روسيف، الخليفة التي اختارها لولا، إلى انتخاب الديكتاتور اليمينيّ جايير بولسونارو.

مثّلت هزيمة البرازيل أمام ألمانيا في 2014، كارثة أعادت إلى الأذهان خسارة نهائي كأس العالم 1950،ومجددًا على الأراضي البرازيلية.

تُجسّد هذه العلاقة المشحونة مع الفيفا في أحد أبرز معاقل كرة القدم الكثيرَ من التناقضات المتأصلة في كأس العالم؛ فمن ناحية، الفيفا مؤسسة نيوليبرالية تستخلص الأرباح من الجماهير وتوزع المكاسب على النخب، كما أن العديد من معاييرها وآليات عملها تسلط الضوء على التفاوتات الهيكلية العالمية والمحلية التي نواجهها يوميًا. ومن ناحية أخرى، فإن كرة القدم الدولية التي تنظمها تشكل قوة محفزة قادرة على توحيد الأمم المنقسمة وإشعال مخيلة الجماهير، ودفعهِم نحو رؤى لا حصر لها لما يمكن أن يكون عليه المستقبل. وبصفتنا ورثة للتاريخ، ومتلقين لقصص الأجداد، ومستهلكين لوسائل الإعلام، ومستودعات لمجد غابر نتوق للشعور به بأنفسنا، فإننا لسنا محصنين ضد هذه الرمزية. وبغض النظر عن الأمة التي تمثلنا والسياسات التي تُجسّدها، يبدو أننا لا نزال نريد بالتزامن أن تتجلى «اللعبة الجميلة» على العشب، بينما نريدها أيضًا أن تسعى نحو معنىً أسمى خارج حدود المستطيل الأخضر.

عند قراءة كتاب ديفيد غولدبلات المرجعي حول تاريخ كرة القدم «الكرة مستديرة»، من المثير للاهتمام ملاحظة أن كلًا من الفيفا وكأس العالم ظهرا، بشكلٍ ما، ردًا على الغطرسة الإمبراطورية. فقد تم تقنين رياضة كرة القدم الحديثة في ذروة الإمبراطورية البريطانية، وصُدِّرت إلى جميع أنحاء العالم من خلال القوة الاستعمارية الصلبة والقوة الثقافية الناعمة على حد سواء. في أجزاء كثيرة من العالم، كانت بريطانيا مرادفًا للحداثة، وكانت الألعاب التي يلعبها البريطانيون تعني المشاركة في القوة ذاتها التي جلبت الأفكار الليبرالية والتقدم التكنولوجي (جنبًا إلى جنب مع النهب والإبادة الجماعية). لذلك، عندما احتاج العالم الحديث إلى تنظيم نفسه في عدد هائل من مجالات التعاون الدولي، تطلّع الجميع إلى البريطانيين ليكونوا هم المعيار في كرة القدم، تمامًا كما كانوا المعيار في ضبط الوقت العالمي.

مع ذلك، فإن الانعزالية الإمبراطورية كانت تعني أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، والذي ينتمي أعضاؤه للنخبة المنفصلة عن الواقع التي سعت إلى إبقاء كرة القدم كهواية محايدة سياسيًا، لم يبدِ اهتمامًا يذكر بانتشار الرياضة خارج بريطانيا. ويمكن تلخيص الموقف العام في ذلك الوقت بكلمات أحد مسؤولي الاتحاد الإنجليزي:

«لا أهتم أبدًا بتحسين اللعبة في فرنسا أو بلجيكا أو النمسا أو ألمانيا… إن أي منظمة تكون فيها اتحادات كرة القدم الموجودة في أوروغواي وباراغواي والبرازيل ومصر وبوهيميا وروسيا على قدم المساواة مع إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا، بمثابة تضخيم للأقزام».

لكن الحماس لكرة القدم استمر بالانتشار حول العالم، وبدأت اللعبة تأخذ سمات محلية تعكس المجتمعات التي تُمارسها. ومع تزايد المقاومة للهيمنة السياسية والاقتصادية البريطانية، أصبحت كرة القدم مجالًا يمكن أن يتولد فيه الحماس القومي. لذلك، في العقد الذي سبق الحرب العالمية الأولى، أُسّس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) في باريس، وكان أعضاؤه الأوائل دولًا مختلفة من قارة أوروبا، تقف على الضفة الأخرى في مواجهة مباشرة مع اللامبالاة البريطانية وهيمنتها الرياضية.

حكاية المونديال

في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، ومع انهيار الإمبراطوريات القديمة، وصراع الإمبراطوريات الناشئة، أصبح كل جانب من جوانب الحياة في أوروبا مشبعًا بالمشاعر القومية. ومع انتقال المنافسات بين الدول من الملاعب إلى ساحات القتال، دخلت كرة القدم في أوروبا في حالة سبات. 

سمحت هذه العزلة الأوروبية لأمريكا الجنوبية برعاية ثقافاتها الرياضية الوطنية التي كانت كرة القدم في طليعتها. وبناء على ذلك، في أولمبياديْ 1924 و1928 بعد الحرب، تُوّجت أوروغواي بطلةً للعالم مرتين متتاليتين في كرة القدم، في البطولة الوحيدة المتاحة آنذاك لتحديد هذا اللقب.

بحلول ذلك الوقت، قررت الفيفا أن المنافسة لتحديد من هو الأفضل على أرض الملعب تحتاج إلى منتدى خاص بها خارج نطاق الألعاب الأولمبية. لذلك أسست عام 1930 أول بطولة رياضية دولية شعبية حقيقية، وهي كأس العالم. وبطبيعة الحال، لم تُقم أول بطولة لكأس العالم في مهد هذه الرياضة، بل في موطن أبطال الأولمبياد على الجانب الآخر من المحيط. وبالطبع، لم يتنازل البريطانيون ويحضروا البطولة ليلعبوا مع باقي الدول.

في أعقاب الكساد الكبير، كانت أوروغواي، البلد الذي يقل عدد سكانه عن مليوني نسمة، تتمتع باقتصاد مزدهر مدفوع بالتصدير، وديمقراطية اجتماعية قوية. كما امتازت، بجانب جارتها الأرجنتين، بثقافة كروية نابضة بالحياة لها أسلوبها الخاص. نظمت الأورغواي كأس العالم مدفوعة بمشاعر قومية، ورغبة في إثبات شرعية وجودها، وهي التي انفصلت عن جارتيها الأكبر حجمًا البرازيل والأرجنتين قبل 100 عام. وفي الوقت الذي كان فيه من الصعب على دول أوروبية جمع الأموال لإرسال فريق عبر المحيط، تمكنت أوروغواي من الاستثمار بشكل هائل في البنية التحتية للملاعب، ونجح تنظيمها للبطولة بشكل باهر. وفي النهاية، تمكن الفريق المضيف من رفع الكأس بعد فوزه على منافسه وجاره الأرجنتيني، ليجد انتصار كرة القدم لدولة صغيرة طريقه إلى مركز روح تلك الأمة.

لقد تشكّلت كرة القدم كما نعرفها اليوم، بفضل المستعمرات السابقة لأوروبا في قارة أمريكا الجنوبية.

بحلول موعد النسخة التالية من كأس العالم عام 1934، كانت القومية اليمينية في أوروبا في ذروتها، وتولت إيطاليا الفاشية دور المضيف. كانت هذه فرصة لموسوليني لعرض رؤيته للأمة، وعُبئت البطولة بكل الأساطير التي تتطلبها طريقة حكمه. دَمجت البنية التحتية للملاعب والمواد الترويجية رومانسية الماضي الإمبراطوري مع مستقبل الأمة الموعود. رأت وسائل الإعلام والمشجعون والنظام في إنجازات المنتخب على أرض الملعب دليلًا على تفوقهم العرقي. حتى أن الدوتشي طلب صنع كأس خاصة به انتهى بها الأمر إلى أن تكون أكبر بست مرات من كأس جول ريميه الفعلية. وبالطبع، حصلت إيطاليا على كلتيهما.

باعتبارها منصة لتحديد الأفضل بين مجتمع الدول، وكذلك واجهة لعرض تفوق نظام الحكم في الدولة المضيفة، كان من المحتم أن تنجرف كأس العالم في تقلبات بين القوميات الشعبوية يمينًا ويسارًا. في حين أن هناك أمثلة على دول قامت بدور مشابه لأوروغواي، حيث استضافت البطولة كوسيلة لإعلان وصولها إلى الحداثة التي حُرمت منها تاريخيًا، مثل المكسيك وجنوب أفريقيا والبرازيل، إلا أن موكب المضيفين في السنوات الأخيرة يجعل الأمر يبدو وكأن الفيفا، بعد احتجاجات البرازيل عام 2014، أقرت سياسة تقتصر على «الغسيل الرياضي السلطوي». فمن أفضل لاستضافة الأحداث الضخمة من الدكتاتوريين الأغنياء؟

والآن، مع عودة القومية الصاخبة إلى الصدارة في مختلف أنحاء العالم، نواجه محاولة ساذجة لتوحيد قارة منقسمة سياسيًا، تشهد غلاء فاحشًا لأسعار التذاكر، وعرقلةً لوصول الجماهير، وجوائز سلام للمضيفين الذين يقصفون ضيوفهم. وسيشهد هذا الصيف، الذي يصادف الذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة، على الكثير من أشكال الوطنية المثيرة للجدل. ومع ذلك، رغم كل العوائق التي تَحول دون حضور المباريات فعليًا، وسياسات المضيفين، والشكاوى من الأمركة المتسللة لكرة القدم، فمن المرجح أن تحقق نسخة 2026 من كأس العالم لكرة القدم أرقامًا قياسية في المشاهدة، بمساعدة البث عبر الإنترنت والهواتف المحمولة. 

ووسط دعوات المقاطعة، وفي عالم يحصد فيه أباطرة التكنولوجيا بياناتنا لتغذية إمبراطورية الذكاء الاصطناعي، فإنه حتى الجدل مفيدٌ لتحقيق المزيد من الأرباح.

على الجانب الآخر، سمحت زيادة عدد الفرق بمشاركة المزيد من الدول الصغيرة المشاركة لأول مرة، مما يزيد بدوره من احتمالية حدوث تلك المفاجآت غير المتوقعة التي نحلم بأن تحقق بعض العدالة، بما في ذلك أن تواجه إيران الولايات المتحدة في الأدوار الإقصائية. 

في آذار الماضي، سهرتُ حتى وقت متأخر من الليل لمشاهدة مباراة التصفيات القارية بين جامايكا، المصنفة في المرتبة 71 حسب الفيفا، وكاليدونيا الجديدة، المصنفة في المرتبة 151. كانت المباراة بطيئة، حيث دافعت كاليدونيا الجديدة معظم الوقت، بينما اكتفت جامايكا بالاحتفاظ بالكرة مع تقدمها 1-0 قبل نهاية الشوط الأول. ومع ذلك، في كل مرة كانت هذه الدولة الجزرية الصغيرة في المحيط الهادئ تستحوذ على الكرة، كان الجمهور في غوادالاخارا يهتف: «Sí se puede!» (نعم، يمكننا ذلك!)، وفي كل مرة كانت كاليدونيا الجديدة تخلق فرصة عبر هجمة مرتدة سريعة، كان يمكنك سماع صيحات الفرح. لا تزال لكرة القدم تلك القدرة على الإلهام، وبالتأكيد حتى في كأس العالم هذه، خلف كل مراوغة وكل تسديدة، ستصنع انتصارات الفرق الأضعف، والإصرار على المواصلة، لحظات من المجد. وتمامًا كما اكتشف البرازيليون في عام 2014، سيكون من الصعب حتى على أكبر المتشككين أن يشيحوا بوجوههم بعيدًا.

هل نحتاج إلى الفيفا حقًا؟

إن التنافر الصارخ بين تلك المظاهر العفوية، وبين الفضاء التجاري المُحكم والمُسيطر عليه الذي تُمارَس فيه، هو تحديدًا ما يجعل كرة القدم المعاصرة تجربة تثير إحباط الكثيرين. وإذا عقد المرء مقارنة بين مقالات الرأي والبيانات الصحفية الرسمية، أو بين خانات تعليقات القراء وصخب الاحتفالات الاستعراضية، أو بين «الميمز» الساخرة على منصات التواصل الاجتماعي وتلك الابتسامات المتبادلة للتهنئة الذاتية، فسيخيل إليه أن العلامة التجارية لـ«الفيفا» لا تعيش اليوم إلا على الرمق الأخير من رصيد النوايا الحسنة القديمة؛ ذلك الرصيد الذي تراكم بفضل الأساطير والقصص الكروية التي سمحت لها بالازدهار في الماضي.

لذا، أعتقد أن السؤال الذي يطرح نفسه علينا جميعًا ونحن ننظر إلى المستقبل هو: هل نحتاج إلى الفيفا حقًا؟

بالطبع، يمكن طرح هذا السؤال بشأن أي مؤسسة دولية أخرى، بل وحول مفهوم الدولة نفسه. إن المأزق الحالي الذي نواجهه بسبب ارتفاع درجة حرارة الكوكب هو بالتأكيد مؤشر على فشل كليهما. 

قبل وجود الفيفا، وبخلاف الألعاب الأولمبية (التي تعاني هي الأخرى من مشاكلها الخاصة)، كانت المباريات الدولية تُقام مباشرة بين الاتحادات الوطنية. كان التواصل والترتيبات يعتمدان كليًا على وجود علاقات دبلوماسية مباشرة، والقدرة على استضافة المباريات، وتمويل السفر بين الطرفين. وكما يوضح مثال إنجلترا وبدايات كرة القدم المنظمة، فإن هذا الترتيب يفيد في المقام الأول الأثرياء وأصحاب العلاقات. وقد ظهرت منظمات قارية لمواجهة جزء من هذه النزعة النخبوية، لكنها هي الأخرى أظهرت صورًا من الفساد، أو عدم الكفاءة، أو الانصياع لأهواء الفيفا. وهي بالتأكيد لم تُظهِر القدرة على إعادة ضبط اختلالات توازن القوى بين القارات التي ورثتها من الماضي.

إذًا، هل من الممكن أن تفوق مزايا الفيفا عيوبها؟ كيف ستبدو الأشكال البديلة للحوكمة الدولية في كرة القدم وغيرها؟

حتى في الوقت الذي ننتقد فيه إخفاقات كأس العالم، لا يزال يتعين علينا الاعتراف بأن هناك على الأقل بعض الفوائد التي تنجم عن هذه النسخة من الفيفا. خلال فترة التوقف الدولية التي شهدت مواجهة جامايكا وكاليدونيا الجديدة، سهّلت الفيفا سلسلة من المباريات بين المنتخبات غير المشاركة في كأس العالم ضمن بطولة سلسلة الفيفا، وهي إعادة تنظيم وتطوير لنظام المباريات الودية الدولية. 

كان من الممكن مشاهدة البطولة بأكملها مجانًا عبر الإنترنت، مما سمح للمراقبين بمشاهدة قصص انتصار مبهجة لدول غير معروفة مثل أروبا وسيراليون وجزر سليمان (التي خسرت 10-2 أمام بلغاريا، لكنها احتفلت بهذين الهدفين وكأنها غزت الكوكب)، والاستمتاع بمواهب لاعبين لم يكونوا ليحظوا بالاهتمام على الساحة العالمية لولا ذلك. ربما هذا ما يفكر فيه رئيس الفيفا جياني إنفانتينو عندما يدعي (وإن كان ذلك بشكل مبالغ فيه) أنه «بدون الفيفا لن يكون هناك كرة قدم في 150 دولة». وفي الواقع، كما كشفت صحيفة «ذا أثلتيك» مؤخرًا، يبدو أن 90% من عائدات كأس العالم البالغة 11 مليار دولار ستُستثمر في الدول الأكثر تهميشًا بسبب الطبيعة التجارية المفرطة للعبة. بينما يلبي الحدث الرئيسي للفيفا احتياجات النخبة العالمية بشكل متزايد، فإن الدول الفقيرة على وشك تلقي أموال للاستثمار في التدريب والملاعب والسفر، إلى جانب الاستثمار في برامج للنساء والفتيات والشباب واللاعبين ذوي الإعاقة. ما هي أنواع الحوكمة الجديدة التي يمكنها حشد الموارد بشكل مماثل لاستهداف رفاهية أكثر الفئات تهميشًا في العالم؟

بغض النظر عن الطريقة التي سيمرّ بها كأس العالم الحالي، يبقى شيء واحد صحيحًا. ما سيتم حسمه داخل الملعب سيظلّ يعكس رمزيًا ما يحدث خارجه. وبسبب هذه الرمزية، تبقى هذه الرياضة ساحرة.

أما بالنسبة للبرازيل، فيقول البعض إن منتخب «السيليساو» هذا العام هو أحد أسوأ المنتخبات في تاريخ البلاد. بينما يعترف آخرون بالموهبة الهائلة للاعبين الأفراد ويعتقدون أنهم قد يتآلفون بشكل سحري في الوقت المناسب. في كلتا الحالتين، ينتاب المرء شعور بأن التوقعات داخل البرازيل أقل. ومع ذلك، بدلًا من إرجاع ذلك إلى غياب مفاجئ للمواهب في البلاد (وهو أمر غير صحيح)، أو حتى إلى الأداء الضعيف في التصفيات، فربما تكون التوقعات منخفضة لأن الرهانات أصبحت أقل بالنسبة للبلد بشكل عام.

بعد كل شيء، بعد بضع سنوات مضطربة إلى حد ما، أصبح لولا رئيسًا مرة أخرى، ويجلس بولسونارو في السجن لمحاولته القيام بانقلاب عسكري. البرازيل في هذه اللحظة على الأقل منارة للديمقراطية في نصف الكرة الغربي، فما الذي تبقى لإثباته حقًا؟

في تشرين الأول القادم، ستشهد البرازيل انتخابات رئاسية مرة أخرى، وهذه المرة ستكون المنافسة بين لولا ونجل بولسونارو، فلافيو، الذي يَعد بإطلاق سراح والده من السجن وسيسعى بالتأكيد إلى تقويض ديمقراطية البلاد الفتية إذا حصلت العائلة على فرصة ثانية في السلطة. أيًا كان الفائز، سأفكر في أولئك الذين احتجوا وعملوا بلا كلل من أجل برازيل أكثر ديمقراطية على مدى العقود القليلة الماضية. للحصول على أدلة على رد فعلهم، يمكننا أن ننظر عبر العالم إلى قوة كروية تاريخية أخرى لنستلهم منها. في احتفالات ما بعد الانتخابات في بودابست، بعد أن خسر فيكتور أوربان الرئاسة لمنافسه، كتب أحد المدونين المجريين البارزين قائلًا: كما لو أننا فزنا بكأس العالم. وبغض النظر عما سيحدث في كأس العالم، مع إعلان نتائج الانتخابات، سيقوم العديد من البرازيليين بإجراء مقارنات مماثلة.

المصدر: حبر | Source: حبر

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن رياضة | More on Sports

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم رياضة. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: حبر. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Sports. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: حبر. Tags: FIFA, World Cup, debate.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free
🔍