ناصر سعيد
جاء إعلان نتائج الشهادات العامة هذا العام مصحوبًا بأرقام مرتفعة، أعادت إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز فرحة النجاح والاحتفاء بالمتفوقين إلى قضية أكثر أهمية تتعلق بواقع التعليم نفسه: هل تعكس النتائج المعلنة المستوى الحقيقي للتحصيل العلمي للطلاب، أم أن هناك اختلالًا في توزيع الدرجات يستدعي الدراسة والتدقيق؟
النتائج المرتفعة لا تكفي للحكم على التعليم
ويزداد هذا السؤال أهمية عند النظر إلى نتائج الشهادة الثانوية، حيث بلغت نسبة النجاح 76.26% من أصل 134,265 متقدمًا، فيما حصل 69,434 طالبًا على تقدير ممتاز، وهو رقم لافت يستدعي التوقف أمامه وتحليله تربويًّا، وليس التعامل معه تلقائيًّا باعتباره دليلًا كافيًا على تحسن مستوى التعليم.
فالمنطق الطبيعي لعملية تقييم واسعة يفترض وجود توزيع يمكن تفسيره بين مستويات التحصيل المختلفة، من الممتاز والجيد جدًّا إلى الجيد والمقبول. وعندما تتضخم الشريحة الواقعة في أعلى سلم التقديرات مقابل محدودية الفئات الواقعة في مستويات التقدير الأدنى، يصبح من المشروع التساؤل عن قدرة منظومة الامتحانات على التمييز الحقيقي بين مستويات الطلاب.
ولا يعني ذلك التشكيك في استحقاق جميع الحاصلين على تقدير ممتاز، وبينهم -بلا شك- آلاف الطلاب الذين درسوا واجتهدوا وحققوا تفوقهم عن جدارة، وإنما يفتح النقاش حول ظاهرة تضخم الدرجات، وضرورة التمييز بين ارتفاع المعدلات وارتفاع مستوى المعرفة والمهارات.
فالنتائج المرتفعة تصبح مؤشرًا إيجابيًّا عندما تكون مصحوبة بتحسن مماثل في البيئة المدرسية وكفاءة التدريس والمناهج ومستوى التحصيل. أما إذا ارتفعت المعدلات بصورة كبيرة في الوقت الذي لا تزال فيه المنظومة تواجه مشكلات في البنية التعليمية وبعض المدخلات واستقرار الدراسة والرقابة على الامتحانات، فإن الأرقام وحدها تصبح غير كافية للحكم على جودة التعليم.
ومن هنا يظهر السؤال الأهم: ماذا يعرف الطالب الذي نجح؟ وما المهارات التي اكتسبها؟ وهل يعكس التقدير الذي حصل عليه مستواه العلمي الحقيقي؟
الغش.. مسؤولية تتجاوز الطالب
من هذه الأسئلة نصل إلى إحدى أكثر القضايا حساسية في ملف التعليم: الغش في الامتحانات. ولا يجوز اعتبار الغش تفسيرًا جاهزًا لكل ارتفاع في النتائج، لكن أي قراءة لمصداقية الامتحانات لا يمكنها تجاهل أثر الغش والتسريب والتدخل والتساهل في تطبيق القواعد.
والأخطر أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بالطالب وحده، بل اتسعت دائرة المسؤولية لتشمل البيئة المحيطة به.
فالأسرة التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن قيمة الاجتهاد والنزاهة أصبح بعض أفرادها يتعاملون مع الغش وكأنه أمر عادي أو وسيلة مشروعة لمساعدة الأبناء على النجاح. وتظهر حالات يشارك فيها أولياء أمور أو أقارب في حل الأسئلة ومحاولة إيصال الإجابات إلى الطلاب، وبذلك تتحول الأسرة من جهة يفترض أن تربي أبناءها على الاعتماد على النفس إلى طرف يسهم في إضعاف قيمة الامتحان.
وتكمن الخطورة هنا في الرسالة التي يتلقاها الطالب: المهم أن تنجح، أما الطريقة فليست مهمة.
لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يصل إلى المؤسسة التعليمية نفسها. فالمعلم الذي يفترض أن تكون مهمته أثناء الامتحان حماية النزاهة وتطبيق القواعد ومنع الغش قد يتحول، في بعض الحالات، إلى وسيلة لتسهيله. وعندها تصبح الجهة المكلفة بحماية الامتحان جزءًا من المشكلة.
ويمتد الأمر إلى بعض الإدارات التعليمية، محلية كانت أم مركزية، عندما يقع التساهل مع المخالفات أو التغاضي عنها أو عدم التحقيق الجدي فيها رغم إمكانية التحقق منها.
ويجري أحيانًا تبرير هذا التساهل بالظروف الصعبة التي يعيشها الطلاب، من انقطاع الكهرباء ونقص الوقود واضطراب الدراسة وغيرها. وهي ظروف حقيقية ينبغي عدم التقليل منها، لكنها لا يمكن أن تصبح مبررًا لمنح الطالب نجاحًا لا يعكس مستواه أو السماح له بالغش.
فالعدالة تتحقق بمعالجة الظروف التي تمنع الطالب من الدراسة، وتعويض الفاقد التعليمي، وتحسين البيئة المدرسية وتوفير فرص المراجعة، لا بتزييف النتيجة.
وعندما يجتمع طالب يبحث عن الغش، وأسرة تساعده، ومعلم يتساهل، وإدارة تغض الطرف، وثقافة اجتماعية تقدم المبررات، فإننا لا نعود أمام مخالفة داخل قاعة امتحان، وإنما أمام أزمة قيم ومؤسسات تهدد تكافؤ الفرص ومصداقية الشهادة.
الطالب المجتهد.. أول ضحايا الغش
والطالب المجتهد هو أول ضحاياها؛ لأنه يفقد إحساسه بالعدالة عندما يرى آخر يحصل -بوسيلة غير مشروعة- على نتيجة مساوية أو أفضل من النتيجة التي حققها بالاجتهاد.
تجارب سابقة لمواجهة الغش
مشكلة الغش ليست جديدة، كما أن البحث عن وسائل لمواجهتها ليس وليد اللحظة. فقد شهدت المنظومة التعليمية تجارب سابقة حاولت التعامل مع الظاهرة بوسائل مختلفة تستحق اليوم الدراسة والتقييم.
كانت التجربة الأولى خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما كان الدكتور المهدي امبيرش مسؤولًا عن التعليم، وقامت على فكرة غير تقليدية تتمثل في نشر مجموعة من الأسئلة والإجابات النموذجية قبل الامتحانات بنحو شهر عبر الصحف ووسائل النشر المتاحة.
وكانت الفكرة أن ينشر، على سبيل المثال، خمسون سؤالًا في المادة الواحدة مع خمسين إجابة نموذجية تغطي أهم أجزاء المنهج، بحيث يصبح لدى الطالب وقت كافٍ لدراستها ومراجعتها والاستعداد للامتحان.
وانطلقت التجربة من منطق بسيط: إذا قرأ الطالب هذه الإجابات واستوعبها، وهي تغطي المحاور الأساسية للمقرر، فإنه يكون قد راجع جزءًا مهمًّا من المنهج، وبالتالي تقل حاجته إلى البحث عن وسائل للغش.
كما وضعت الطالب والأسرة أمام مسؤولية مباشرة، لأن المادة المطلوب الاستعداد لها أصبحت واضحة ومتاحة مسبقًا.
غير أن التجربة، بحسب المادة المتاحة، استمرت عامًا واحدًا ولم تتكرر، كما لم تخضع لتقييم موضوعي معلن يسمح بمعرفة مدى نجاحها الفعلي في الحد من الغش أو تحسين مستوى التحصيل.
تجربة إلكترونية لخلط ترتيب الأسئلة
أما التجربة الثانية، والأكثر إثارة من الناحية التقنية، فكانت خلال فترة تولي الدكتور عبد القادر البغدادي مسؤولية أمانة التعليم، وقامت على استخدام التكنولوجيا في إعداد امتحانات موحدة في محتواها، مختلفة في ترتيب أسئلتها من طالب إلى آخر.
كانت لكل طالب ورقة مرتبطة باسمه ورقم جلوسه، تتضمن الأسئلة والإجابة الخاصة به. ومجموعة الأسئلة تكون واحدة في جوهرها، لكن ترتيبها يتغير إلكترونيًّا بين الطلاب.
فالسؤال رقم واحد لدى الطالب الأول قد يكون السؤال رقم عشرة أو عشرين لدى الطالب الجالس بجواره، وهكذا بالنسبة لبقية الأسئلة.
وبهذه الطريقة يصبح النقل المباشر أكثر صعوبة؛ فالطالب الذي يسأل زميله عن «إجابة السؤال الأول» لا يستطيع معرفة ما إذا كان السؤال الأول لدى زميله هو السؤال نفسه الموجود في ورقته.
كما تجعل هذه الآلية إعداد إجابات موحدة خارج اللجنة وإيصالها إلى الطلاب أكثر تعقيدًا، لأن ترتيب الأسئلة يختلف من ورقة إلى أخرى، مع المحافظة على المحتوى العلمي ومستوى الصعوبة.
التكنولوجيا تفتح بابًا جديدًا لحماية الامتحانات
وتزداد أهمية هذه التجربة اليوم؛ لأن التطور التكنولوجي يتيح بناء نظام أكثر تقدمًا يقوم على بنوك أسئلة واسعة، وإنتاج نماذج متعددة متكافئة في مستوى الصعوبة، وربط الامتحان بالطالب إلكترونيًا، بما يقلل فرص النقل والتدخل والتلاعب.
ولا تعني العودة إلى هاتين التجربتين الدعوة إلى استنساخهما، وإنما إخضاعهما للتقييم: ما الذي نجح؟ وما الذي أخفق؟ وما الذي يمكن تطويره والاستفادة منه اليوم؟
من الامتحان إلى الجامعة.. تبدأ مرحلة كشف الحقيقة
خطورة الغش وتضخم الدرجات لا تنتهي بإعلان النتائج، بل تنتقل مباشرة إلى الجامعة. فالمعدل المرتفع يمنح صاحبه فرصة المنافسة على التخصصات الأكثر طلبًا، وبالتالي فإن أي خلل في عدالة الدرجات قد يتحول إلى خلل في عدالة القبول الجامعي وتكافؤ الفرص.
ثم يأتي الاختبار الحقيقي داخل الجامعة. فإذا دخل طالب يحمل معدلًا مرتفعًا، لكنه يعاني ضعفًا في القراءة الأكاديمية أو الكتابة أو التحليل أو البحث، تظهر الفجوة بين ما تقوله الشهادة وبين المستوى الحقيقي لصاحبها.
ومن هنا يمكن أن تكون متابعة أداء أصحاب المعدلات المرتفعة خلال السنة الجامعية الأولى إحدى الوسائل المهمة للتحقق من صدقية نتائج الثانوية. فإذا حافظوا على مستوياتهم، عزز ذلك الثقة في النتائج، أما إذا ظهرت فجوة واسعة بين معدل الثانوية والأداء الجامعي، فإن الأمر يستحق الدراسة.
ولا تتوقف الحلقة عند الجامعة، بل تمتد إلى سوق العمل. فالشهادة ليست مكافأة اجتماعية، وإنما إثبات يفترض أن صاحبه يمتلك قدرًا محددًا من المعرفة والكفاءة.
الفجوة بين الشهادة والكفاءة
وعندما تنفصل الشهادة عن الكفاءة، تتحول المشكلة التعليمية إلى مشكلة دولة؛ لأن الطبيب والمهندس والمعلم والمحاسب والإداري وغيرهم يمرون جميعًا عبر منظومة تعليمية يفترض أنها تتحقق من مستوياتهم قبل منحهم مؤهلات تسمح لهم بتحمل مسؤوليات تمس المجتمع وحياة الناس.
ولهذا فإن مواجهة الغش لا يمكن أن تتحقق بزيادة المراقبين أو منع الهواتف فقط. المطلوب منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة والمعلم، وتمتد إلى إدارة الامتحانات والجهات المسؤولة عن التعليم.
من إعلان نسب النجاح إلى قياس جودة التعليم
كما تحتاج ليبيا إلى الانتقال من مجرد إعلان نسب النجاح إلى تحليل جودة النتائج، بدراسة توزيع الدرجات ونسب الحاصلين على مختلف التقديرات ومقارنتها بالسنوات السابقة، والاستعانة باختبارات معيارية مستقلة تقيس المهارات الحقيقية للطلاب.
ومن الضروري كذلك حماية الامتحانات من التسريب والتدخل، وتطبيق قواعد واضحة على الجميع، ومحاسبة كل من يسهم في تسهيل الغش، أيًّا كانت صفته.
لكن الردع وحده لن يكون كافيًا. فالمعركة الحقيقية تبدأ باستعادة قيمة المعرفة، بحيث تصبح الشهادة نتيجة للتعلم وليست بديلًا عنه.
إن ارتفاع نسبة النجاح يمكن أن يكون مصدر اعتزاز عندما يكون نتيجة طبيعية لتحسن مستوى التعليم، كما أن وجود عشرات الآلاف من الحاصلين على «ممتاز» يمكن أن يكون مؤشرًا إيجابيًّا إذا كانت هذه التقديرات تعكس بالفعل مستويات متميزة من المعرفة والكفاءة. لكن الأرقام الكبيرة تحتاج إلى أدوات علمية للتحقق منها، لأن التعليم لا يقاس بحجم النتائج وحده، وإنما بمدى صدق هذه النتائج وقدرتها على التعبير عن الواقع.
والهدف ليس تقليل عدد الناجحين، ولا التشكيك في المتفوقين، وإنما الوصول إلى شهادة يثق بها الطالب والجامعة والمجتمع وسوق العمل. فالدول لا تبنى بعدد الشهادات التي تمنحها، وإنما بنوعية المعرفة والكفاءة التي تقف خلفها.
نجاح على الورق.. أم تعليم ناجح في الواقع؟
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق إعلان نتائج الامتحانات في ليبيا ليس فقط: كم بلغت نسبة النجاح؟ بل أيضًا: هل تعكس هذه النسبة ما يعرفه الطلاب فعلًا؟ فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين نجاح مرتفع على الورق، وتعليم ناجح في الواقع.
The post نتائج الشهادات العامة.. نسب نجاح مرتفعة وأعداد كبيرة من الحاصلين على «ممتاز» تفتح ملف تضخم الدرجات ومصداقية الشهادة appeared first on الموقف الليبي.




