نحو تعليم أكثر شمولًا
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في عالم يتطور فيه التعليم بصورة أسرع من غيره وتكثر فيه الأسئلة حول مستقبل التعليم العالي وقدرته على مواكبة تحولات الاقتصاد المعرفي ومتطلبات سوق العمل، تبرز الحاجة إلى قراءة مهنية حقيقة للسياسات التعليمية التي أقدمت عليها وزارة التعليم العالي مشكورة بعيدًا عن ردود الفعل الآنية، فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحدة النقاش، بل بمدى اتساق القرارات مع التحولات البنيوية التي يشهدها التعليم في العالم، وبقدرتها على إحداث أثر تراكمي طويل الأمد يعيد رسم العلاقة بين التعليم والتنمية.
وبصفتي أكاديميًا ومختصًا، وأقولها اليوم وبكل صراحة إن الإجراءات التنظيمية المتعلقة في توحيد آلية قبول حملة الدبلوم من خلال وزارة التعليم العالي بعد أن كان يتم على مستوى كل كلية على حدة، يعزز مبدأ تكافؤ الفرص ويحدّ من الاجتهادات الفردية التي قد تؤثر في عدالة القبول. كما أن إلغاء الامتحان الشامل الذي كانت تعتمده جامعة البلقاء التطبيقية يُعد خطوة مهمة باتجاه تبسيط المسار الأكاديمي للطلبة، خاصة مع اعتماد المعدل التراكمي من قبل الكليات معيارًا موضوعيًا للتقييم. هذا التوجه يسهم في تخفيف الضغط عن الطلبة، ويعكس ثقة أكبر بالمؤسسات التعليمية وقدرتها على تقييم مخرجاتها، بما ينسجم مع متطلبات سوق العمل الذي يحتاج إلى كوادر تجمع بين الكفاءة التطبيقية والتأهيل الأكاديمي، ويشجع في الوقت ذاته الطلبة على الالتحاق بالتعليم التقني دون القلق من محدودية فرصهم المستقبلية.
كما أن هذه القرارات لا يمكن فصلها عن الدعوة الواضحة التي يطلقها الوزير لتعزيز استقلالية الجامعات، وهو توجه إصلاحي يعيد الاعتبار لدور المؤسسات الأكاديمية في إدارة شؤونها العلمية وفق معايير الجودة. فالتوازن بين القبول الموحد من جهة، ومنح الجامعات مساحة أوسع لاتخاذ قراراتها الأكاديمية من جهة أخرى، يعكس رؤية تسعى إلى تطوير منظومة التعليم العالي بطريقة مدروسة وتدريجية. ويظهر من ذلك توجه نحو ترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة المخرجات التعليمية، بما يحقق الانسجام بين جودة التعليم ومتطلبات التنمية الوطنية
وأقول أن التجارب الدولية أثبتت وعلى مستوى العالم أن النظم التعليمية الأكثر نجاحًا هي تلك التي تعتمد على مرونة المسارات، وليس اختبارات تقيس القدرة على الحفظ، ففي ألمانيا مثلًا، يقوم نظام التعليم المزدوج على التكامل بين التعليم المهني والدراسة الأكاديمية، مع إتاحة مسارات انتقال واضحة بينهما، وفي كندا، والتي تقترب من مساحة قارة تُعد برامج "التحويل” أو ما يُعرف بمسارات الانتقال من الكليات التقنية إلى الجامعات أحد أعمدة النظام التعليمي القائم فيها، حيث يمكن للطالب أن يبدأ بدبلوم تطبيقي ثم يكمل درجة البكالوريوس وفق مسار منظم وخطوات عملية مدرسة، أما في فنلندا والتي تعد من الدول المتقدمة في التعليم، فقد جرى تطوير نظام التعليم التطبيقي بحيث يتيح لخريجي المعاهد التقنية متابعة دراستهم الجامعية دون عوائق، مع الحفاظ على الطابع العملي لمهاراتهم. هذه النماذج تؤكد أن الفصل الحاد بين التعليم الأكاديمي والمهني لم يعد مناسبًا لعصر الاقتصاد القائم على المهارات.
كل تلك الخطوات وننظر اليوم بعين المراقب إلى توجه رائع من قبل الوزارة نحو تطوير آليات اختيار القيادات الأكاديمية بوصفه عنصرًا حاسمًا في نجاح أي عملية إصلاح، فالجامعات، بحكم طبيعتها المركبة، ليست مجرد مؤسسات تعليمية، بل كيانات إدارية واقتصادية وثقافية تحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية استراتيجية، وقدرة على إدارة الموارد، وبناء الشراكات، وتعزيز الابتكار. وقد أظهرت تجارب جامعات عالمية رائدة أن نجاح المؤسسات الأكاديمية يرتبط بشكل وثيق بنوعية القيادة، حيث تعتمد هذه الجامعات على معايير تشمل الكفاءة الإدارية، والخبرة المؤسسية، والقدرة على إدارة التغيير، إلى جانب الإنجاز البحثي.
واليوم وأنا جزء من الجسم الأكاديمي إن تطوير معايير اختيار القيادات الأكاديمية لتشمل هذه الجوانب سيعزز من قدرة الجامعات على تحقيق الاستدامة المالية والإدارية. فمؤشرات النجاح لم تعد تقتصر على عدد الأبحاث المنشورة، بل أصبحت تشمل الأثر المجتمعي، وجودة التعليم ومخرجاته، والابتكار، والتشغيل، والشراكات مع القطاع الخاص، والاستقرار المالي. وهذه المعايير الجديدة تتسق مع الاتجاهات العالمية التي تنظر إلى الجامعة بوصفها محركًا للتنمية لا مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية.
وعند قراءة هذه السياسات مجتمعة، تتضح لدينا رؤية حقيقية نحو نهج إصلاحي هادئ يعمل بداخل الوزارة يقوم على التدرج والتراكم، وأن هذا النهج قد لا يلفت الانتباه بسرعة، لكنه غالبًا الأكثر قدرة على إحداث تغيير مستدام، وفي ظل التوجيهات الوطنية التي يقودها الملك عبد الله الثاني، ومتابعة الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، يتعزز الرهان على تحويل هذه القرارات إلى ثقافة مؤسسية راسخة تتجاوز حدود القرار إلى عمق الممارسة.
وعلينا أن لانخفي أن الحقيقة تقول إن المشهد لا يخلو من تحديات تتعلق بآليات التنفيذ، وضمان الجودة، ومتابعة الأثر، إلا أن المؤشرات الحالية تعكس توجهًا جادًا نحو إعادة ضبط بوصلة التعليم العالي. وبين النقد الموضوعي والتقدير المستحق، تبقى القيمة الحقيقية في الاستمرار بهذا النهج الإصلاحي وتعزيزه بأدوات تقييم دقيقة، تضمن أن يظل التعليم العالي ركيزة أساسية في مشروع التنمية الوطنية الشاملة.




