نحو دمج سورية مالياً وعالمياً.. اتفاقية مع “واشنطن وقطر” لإصلاح القطاع المصرفي
أعلن مصرف سورية المركزي عن مشاركة حاكم المصرف الدكتور عبد القادر الحصرية، ووزير المالية الدكتور يسر برنية، في توقيع اتفاقية بين سورية وصندوق قطر للتنمية وشركة أوليفر وايمان، بحضور ممثلين عن وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي.
وأن الاتفاقية تهدف إلى إجراء تقييم شامل للفجوات المؤسسية في القطاعين المالي والمصرفي؛ بما يسهم في تعزيز الأطر التنظيمية وزيادة ثقة المستثمرين في سورية.
كما تناولت المناقشات التزام الشركاء دعم مكانة سورية ممراً اقتصادياً، يربط بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا؛ بما يعكس رؤية أوسع لتعزيز الترابط والتكامل الإقليمي.

أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان يرى أنه حين يبدأ الحديث عن التعافي الاقتصادي، فإن أول ما يجب النظر إليه ليس الطرق ولا المشاريع، بل كفاءة النظام المصرفي.
وقال في حديثه لـ”الوطن”: من هنا تبرز أهمية هذه الخطوة، التي تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة تفعيل أحد أهم مفاصل الاقتصاد السوري، فالقطاع المصرفي ليس مجرد قناة لتحويل الأموال، بل هو محرك توزيع الموارد في الاقتصاد، من خلاله تُمول الاستثمارات، وتدار السيولة، وتضبط حركة الأسواق. ولفت الى أن التجارب الدولية تشير إلى أن الاقتصادات التي تمتلك قطاعاً مصرفياً فعالاً تحقق معدلات نمو أعلى، إذ تتجاوز نسبة الائتمان إلى الناتج المحلي في الدول المتقدمة 80%، بينما تنخفض بوضوح في الاقتصادات ذات القنوات التمويلية الضعيفة، ما يحد مباشرة من الاستثمار والنمو.
وقال: في هذا السياق، تأتي مشاركة حاكم المركزي ووزير المالية في توقيع اتفاقية تقييم الفجوات المؤسسية لتشكل بداية إعادة تموضع حقيقية للقطاع المالي السوري ضمن معايير العمل الدولية.
مسار إصلاحي
واعتبر أستاذ الاقتصاد أن هذه الخطوة تتجاوز التقييم الفني إلى مسار إصلاحي مؤسسي له أربع دلالات رئيسية:
تضييق الفجوة بين الواقع التشغيلي للمصارف ومتطلبات الأنظمة المالية العالمية، وخاصة في الحوكمة، إدارة المخاطر، الامتثال، ومكافحة غسل الأموال وهي شروط لازمة لأي اندماج مالي دولي.
وبدء إعادة بناء الثقة الخارجية، وهي العقدة الأهم؛ فالتحدي لم يكن داخليا فقط، بل في قابلية النظام المصرفي للتفاعل مع المنظومة المالية العالمية، وهنا يحمل حضور البنك الدولي ووزارة الخزانة الأميركية دلالات تتجاوز الجانب الفني إلى إشارات ثقة أوسع.
كما أنها تعكس الاستعانة بـ Oliver Wyman تحولاً من التركيز على تحسين الأداء التشغيلي إلى إعادة هندسة البنية المؤسسية، بما يتضمن تطوير الأطر الرقابية والتشريعية وإعادة تنظيم سلاسل اتخاذ القرار.
ناهيك عن الارتباط برؤية تحويل سورية إلى ممر اقتصادي بين الخليج وأوروبا، وهي رؤية لا تقوم على عامل منفرد، بل على تكامل البنية التحتية مع كفاءة النظام المالي، حيث يلعب القطاع المصرفي دوراً حاسماً في تحويل الحركة إلى قيمة اقتصادية.
أثر التطوير
ويرى حمدان أنه لا يقتصر أثر تطوير القطاع المصرفي على المستوى المؤسسي أو الكلي فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد الحقيقي وحياة الأفراد، من خلال تحسين فرص التمويل للمشاريع، وتسهيل الوصول إلى الخدمات المالية، ورفع كفاءة إدارة السيولة داخل الأسواق، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويعزز قدرة السوق على الحركة والتوسع
غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطاً برافعتين حاسمتين، أولاها إعادة تأهيل الكوادر والتسريع الحقيقي للتحول الرقمي؛ إذ لا ينجح الإصلاح المؤسسي من دون رأس مال بشري قادر على استيعاب المعايير وتطبيقها، ولا من دون بنية تقنية متطورة تضمن جودة البيانات وسرعة المعالجة وقابلية التدقيق، كما أن فجوة المهارات الحالية في القطاع المصرفي تمثل تحدياً حقيقياً، ما يجعل الاستثمار في التدريب المستمر وبناء القدرات ضرورة وليس خياراً، إضافة إلى الاستثمار في مهارات إدارة المخاطر والامتثال وتحليلات البيانات، إلى جانب تحديث الأنظمة المصرفية، وهو ما ينقل الإصلاح من مستوى النصوص والتوصيات إلى مستوى الممارسة الفعلية داخل المؤسسات المالية.
وقال: مع ذلك، يبقى التحدي الأهم في الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ.
ولتفادي فخ التقارير، يرى حمدان أنه يلزم تثبيت ثلاث قواعد عملية:
ربط نتائج التقييم بخريطة تنفيذ زمنية واضحة مع مؤشرات قياس أداء محددة.
مواءمة تشريعية سريعة تزيل التعارضات وتدعم الامتثال الفعلي.
بناء قدرات مؤسسية داخل المصارف لمتابعة التنفيذ، لا الاكتفاء بالاستشارات.
في المحصلة، تمثل هذه الاتفاقية بداية صحيحة في الاتجاه الصحيح، وقد تكون نقطة انطلاق لإعادة بناء القطاع المصرفي على أسس أكثر متانة وشفافية.
وختم بالقول: لكن قيمتها الحقيقية ستُقاس بقدرتها على إغلاق الفجوات لا توصيفها.
لأن قوة القطاع المصرفي لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يتحقق فعلياً في السلوك المؤسسي وعلى أرض الواقع.
في السياق ذاته نشر حاكم مصرف سورية المركزي عبر صفحته على فيسبوك سورية “العز”!: هو التعبير الأقرب لوصف لقاءاتنا مع جميع من اجتمعنا بهم في واشنطن خلال اجتماعات الربيع لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
فقد لمسنا في نظرات وعبارات الإعجاب ما يعكس التقدير لما حققته سورية خلال عامٍ واحد منذ اجتماعات الربيع 2025، كما تكررت عبارات التهنئة، بما أُنجز من رفعٍ للعقوبات وإصلاحٍ نقدي ومالي ومن عودة سورية لتكون قطبًا للاستقرار في بيئتها الإقليمية، بصورة لافتة.
وقال: قد سمعت هذا الوصف بالأمس من الدكتور إبراهيم العلبي، مندوب سورية لدى الأمم المتحدة، حيث جسدت كلماته وانطباعاته ما شعرنا به في مجمل لقاءاتنا مع الوفود والمسؤولين.
وأضاف: حتى عند الحديث عن التحديات التي تواجه اقتصادنا في مرحلة ما بعد الحرب، من إعادة الإعمار، والإسكان، والصحة، والتربية، كان يُنظر إليها بروح من التقدير والثقة، وإدراكٍ واعٍ لحجم الجهود المبذولة والإمكانات الكامنة. بالطبع ذلك لا يعني أن نغفل حجم التحديات التي أمامنا، بل يعطينا العزم لمواجهتها والتعامل معها.




