الشّيخ د. شادي عبده مرعيّ
تعيش المنطقة اليوم على وقع تحوّلاتٍ جيوسياسيّةٍ متسارعةٍ، تفرض على المكوّنات الثّقافيّة والاجتماعيّة كافّة إعادة قراءة واقعها وتحصين وجودها وفق منطق المواطنة الحقّة والدّستور.
وفي خضمّ هذه الأزمات المركّبة الّتي تعصف بالمحيط الإقليميّ، يجد المتّحد العلويّ نفسه أمام استحقاقٍ تاريخيٍّ مصيريٍّ؛ يستلزم الخروج من دائرة الانكفاء والتّبعثر صوب صوغ رؤيةٍ حواريّةٍ مستقلّةٍ. إنّ البحث عن طوق نجاةٍ للمجتمعات المأزومة لم يعد ترفاً معرفيّاً، بل غدا حاجةً ملحّةً لفكّ الارتباط بالتّجاذبات الضّيّقة، والتّأسيس لأفقٍ جديدٍ يجمع بين أصالة الموروث وحتميّة التّنظيم السّياسيّ النّاضج.
1- بنية المتّحد الثّقافيّ وتعدّديّة الموروث:
في مقالاتٍ سابقةٍ لي نشرت في صحيفة "النّهار" العريقة، أثرت فكرةً جوهريّةً استلهمت خطوطها العريضة من أطروحات الشّاعر والمفكّر "أدونيس"، ومفادها أنّ العلويّين يمثّلون متّحداً ثقافيّاً وليسوا طائفةً مصمتةً جامدةً أو كتلةً بشريّةً صمّاء. هذا التّوصيف الأكاديميّ والاجتماعيّ يعني، بالضّرورة، أنّ هذا المتّحد العلويّ لا يقول "قولاً واحداً"، بل يزخر بتعدّديّةٍ فكريّةٍ، واجتهاداتٍ فلسفيّةٍ، ونظراتٍ متباينةٍ للأشياء؛ وهو ما يعكس حيويّة هذا الموروث وعمقه الحضاريّ الممتدّ.
وهنا يبرز سؤال استطراديّ أوَّليّ وتاريخيّ ملحّ: إذا كنّا متّحداً ثقافيّاً تتعدّد فيه الرّؤى والمشارب، فهل يمكن أن نكون "متّحداً سياسيّاً" تتعدّد فيه الأحزاب والانتماءات والولاءات والجنسيّات؟
2- مأزق الاشتباك الحدوديّ وذريعة الولاية الجامعة:
إنّ هذا السّؤال الّذي أطرحه اليوم يأتي نتيجةٍ مباشرةٍ للتّدخّلات السّياسيّة المتبادلة الّتي تقتحم شؤون العلويّين عبر حدود كلّ البلدان من دون استئذانٍ؛ سواء تمثّل ذلك في محاولات علويّين من خارج الحدود إقحام أنفسهم في شؤون علويّي لبنان الخاصّة بهم، أو بالعكس من خلال انخراط علويّي لبنان أنفسهم في التّدخّل بشؤون علويّي سوريا الدّاخليّة؛ بحيث تبرز حجّة الطّرفين المتدخّلين في التّذرّع بالحرص على مصلحة العلويّين الّتي تفرضها، بزعمهم، تلك الولاية المشتركة الجامعة. شأنهم في ذلك شأن جميع الطّوائف اللّبنانيّة الّتي تتحرّك، وتتأثّر،
وتتفاعل مع امتدادها الولائيّ على أصقاع المعمورة؛ فالجغرافيا السّياسيّة اللّبنانيّة تاريخيّاً لم تكن يوماً جزيرةً معزولةً، بل قامت بنيتها الكيانيّة على فكرة التّأثير والتّأثّر بالمحيط الإقليميّ والدّوليّ. والعلويّون، كجزءٍ لا يتجزّأ من هذا الموزاييك اللّبنانيّ، يعيشون الصّدى النّفسيّ والسّياسيّ ذاته الّذي تختبره سائر المكوّنات الوطنيّة حين تتداخل حساباتها المحلّيّة بوجدانها المذهبيّ أو العائليّ العابر للجغرافيا. هذا الاشتباك المتبادل، الّذي يسعى البعض الى توظيفه بين الفينة والأخرى عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ، جعل هذا الفرز السّياسيّ الحدوديّ يطفو على سطح التّعليقات بشكلٍ حادٍّ؛ بحيث انطلقت صرخات متبادلة تدعو كلّ مكوّنٍ وطنيٍّ الى أن يهتمّ بشأنه الدّاخليّ، وألّا يتدخّل بشؤون العلويّين في بلادٍ أخرى، صوناً للخصوصيّات الوطنيّة وعلاقات حسن الجوار.
ويقودنا هذا الاستطراد إلى طرح سؤالٍ آخر أكثر عمقاً ومكاشفةً: هل يمكن أن يكون العلويّون سياسيّاً كالشّيعة مثلاً، تجمعهم في مكانٍ ما قيادة مركزيّة أو مرجعيّة تنفيذيّة في "قمّ" أو "النّجف" على اختلاف جنسيّاتهم وحدودهم، تقوم على مفهوم "التّقليد" الفقهيّ للمجتهد الأعلم في الحوزات المركزيّة؟ أو هل يمكن تمثيلهم بالمسيحيّين الكاثوليك الّذين تجمعهم "روما" البابويّة عبر العالم في هرميّةٍ مؤسّساتيّةٍ صلبةٍ؟
3- جغرافيا الامتداد وإمكان المتّحد السّياسيّ:
إنّ الإجابة العلميّة والتّاريخيّة تفتح الأفق واسعاً أمام قيام هذا المتّحد السّياسيّ النّاضج، رغم وجود اختلافاتٍ في البنية المفهوميّة والمؤسّساتيّة بين المدارس التّقليديّة وبنية المتّحد الثّقافيّ العلويّ. فإذا كان النّموذج الكاثوليكيّ يقوم على مركزيّة "الكرسيّ الرّسوليّ"، والمدرسة الشّيعيّة ترتكز على مفهوم "التّقليد" الفقهيّ، فإنّ المتّحد الثّقافيّ العلويّ- رغم خلوّه من التّراتبيّة الهرميّة المركّزة أو مفهوم التّقليد التّنفيذيّ العابر للحدود- يمتلك اليوم كل المقوّمات والمشتركات الثّقافيّة والتّاريخيّة لتأسيس "إطارٍ سياسيٍّ" مرنٍ وفعّالٍ. فتاريخ العلويّين الّذي صنعه المشايخ الأجلّاء والعائلات العلميّة الأصيلة والأقطاب الفكريّة المحلّيّة عبر الجغرافيا، يمثّل أرضيّةً صلبةً لولادة متّحدٍ سياسيٍّ معاصرٍ، يقود النّخب والمبدعين نحو تنظيم مصالحهم وحماية حقوقهم الوطنيّة، بعيداً من الطّارئين والأدعياء الّذين يحاولون تسلّق هذا الإرث العلميّ.
بناءً على ذلك، ينبغي لنا أن نوجّه ذهن القارئ والمتابع العلويّ إلى ضرورةٍ مصيريّةٍ: إنّ نفي الهرميّة الدّينيّة التّقليديّة العابرة للحدود لا يعني إطلاقاً القبول بالتّشظّي السّياسيّ، أو الاستسلام لحالة التّبعثر الدّاخليّ الّتي تجعل الحقوق عرضةً للضّياع في كلّ بلدٍ. ومن هنا، تبرز الحاجة الحتميّة لإيجاد هذا "المتّحد السّياسيّ" النّاضج والمستقلّ؛ لا ليكون قالباً شموليّاً يصهر الخصوصيّات، بل ليمثّل إطاراً تنظيميّاً حواريّاً جامعاً، ومظلّةً سياسيّةً وطنيّةً عالميّةً تترجم طموحات أبنائه، وتدافع عن مصالح العلويّين في بلدانهم، بصفتهم مكوّناً شريكاً وأصيلاً في صناعة القرار المحلّيّ أوّلاً، وحضوراً وازناً في الفضاء العالميّ ثانياً، يلتقي عند رفع الحرمان، تحقيق الإنماء، وانتزاع الحقوق الدّستوريّة المشروعة داخل حدود دولة كلّ مكوّنٍ وتحت سقف دساتيرها.
ولذلك، فإنّ فكرة صوغ "فاتيكان علويٍّ" أو مرجعيّةٍ حصريّةٍ عابرةٍ للقارّات هي حلم بعيد وأمل كبير يتلاقى مع بنية المذهب العرفانيّة المرنة، ولا شيء يمنع من تأسيس (لقاءٍ حواريٍّ تنظيميٍّ) إذا توافرت الإرادة والنّيّة، ولكن بشرطٍ واقعيٍّ وعلميٍّ، وهو ألّا ينحصر الهمّ بإملاء مواقف سياسيّةٍ وولاءاتٍ على مواطنين في دولهم المختلفة فيقعوا بإرادتهم تحت نير التّشكيك بهويّتهم الوطنيّة، بل بقدر حرصه على إيجاد حلولٍ سياسيّةٍ وبدائل معرفيّةٍ واستراتيجيّةٍ للمتعثّرين ضمن بلدانهم. فالعلويّ اللّبنانيّ مثلاً مرجعه الوطنيّ كان وسيقى هو دولته، وخياراته تنبع من مصالح متّحده الدّاخليّ، لا من تعاليم عابرةٍ للحدود.
4- الأوزان الدّيموغرافيّة والمعضلة السّوريّة:
وهنا تجب قراءة الأوزان الدّيموغرافيّة بعين الواقع والتّاريخ؛ إذ إنّ العلويّين أقلّيّةٌ في لبنان بلغة الأرقام السّياسيّة المحلّيّة، إلّا أنّهم الطّائفة الثّانية في سوريا وتركيا، ولهم وجود عريق ومؤثّر في أميركا الجنوبية وأوروبا وسائر القارات. هذا الامتداد العالميّ للمتّحد الثّقافيّ يفرض فهماً جديداً لآليّات العمل السّياسيّ؛ إذ إنّ بالإمكان صوغ نموذجٍ تنظيميٍّ عابرٍ للقارّات، يضع حلولاً سياسيّةً وبدائل معرفيّةً واستراتيجيّةً للمتعثّرين ضمن بلدانهم، من دون مساسٍ بهويّتهم الوطنيّة.
ولعلّ المعضلة الأكبر تتجلّى بشكلٍ صارخٍ اليوم في واقع علويّي سوريا، نتيجة الواقع المأسويّ الّذي رتّبته سنوات الحرب والاستقطاب والأزمات المركّبة. وأمام هذا المأزق التّاريخيّ، يطرح الوعي الإنسانيّ والمعرفيّ سؤالاً مصيريّاً ثالثاً: هل يمكن أن يتشارك علويّو العالم -رغم تباين جنسيّاتهم وأوطانهم وخياراتهم السّياسيّة المحلّيّة- في إيجاد صيغةٍ تضامنيّةٍ إنسانيّةٍ داعمةٍ لعلويّي سوريا، تخرجهم من عنق الزّجاجة صوب السّلام الحقيقيّ والوئام مع محيطهم بطريقةٍ سليمةٍ ومستدامةٍ، بدلاً من تركهم نهباً لتداولات الأسواق الدّوليّة وسماسرة المحاور الإقليميّة؟
الجواب: نعم، المتّحد السّياسيّ العلويّ يمكنه القيام بذلك (لو تمّ).
5- نحو مؤتمرٍ لبنانيٍّ جامعٍ، استحقاق الوعي:
وبناءً على هذه المعطيات كلّها، يصل بنا الحوار إلى السّؤال الرّابع الأهمّ والأكثر جرأةً اليوم: أما آن الأوان لعقد مؤتمرٍ علويٍّ جامعٍ في لبنان تحديداً -لما يوفّره هذا البلد العزيز من مساحات حرّيّة الحركة والتّعبير- يضمّ النّخب والمبدعين ومرجعيّات العلويّين باختلاف اتّجاهاتهم وجنسيّاتهم، ليصوغوا فيه عقداً ثقافيّاً وسياسيّاً لازماً؟
إنّ مثل هذا اللّقاء التّاريخيّ الفكريّ على الأرض اللّبنانيّة ليس مطلباً هامشيّاً، بل هو استحقاق تنفيذيّ مصيريّ لتحصين الوعي، وفضّ الاشتباكات، وإخراج أبناء هذا المتّحد من دهاليز الاستهداف، والغموض، والتّوظيف السّياسيّ الضّيّق. إنّه المدخل الحقيقيّ لإرساء تضامنٍ إنسانيٍّ عابرٍ للجغرافيا يضمد جروح المأزومين في المنطقة، ويعيد الاعتبار الى خصوصيّة كلّ مكوّنٍ في بيئته، دافعاً الجميع نحو برّ الأمان والمواطنة الحقيقيّة القائمة على الحقوق، والواجبات، والدّستور، بعيداً من تداولات الأسواق الدّوليّة وسماسرة الأسواق المحلّيّة.
وعليه، يبقى الرّهان معقوداً على يقظة النّخب واستعادة المبادرة؛ فإذا كانت السّياسة العابرة والولاءات المصطنعة تفرّقها العواصف وتذروها التّدخّلات الخارجيّة، فإنّ التّرابط الثّقافيّ العميق، والوعي التّراثيّ المرن المتجذّر في تراب الأوطان، هو الملاذ الحقيقيّ الباقي والضّامن الأوحد لكرامة الإنسان وحرّيّة العقل، والسلام.




