... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
96433 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8107 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

نهاية "المرور البريء": هل تتآكل قدسية الممرات الدولية في مضيق هرمز؟ #عاجل

العالم
jo24
2026/04/04 - 10:48 501 مشاهدة

كتب--  زياد فرحان المجالي

بينما ينشغل العالم بمتابعة ألسنة اللهب المندلعة حول المنشآت العسكرية، تدور في مياه مضيق هرمز معركة أكثر هدوءًا، لكنها ربما أشد أثرًا على المدى البعيد. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بإمكانية إغلاق الممر الملاحي أو تعطيل العبور فيه، بل بامتحان القواعد التي قامت عليها فكرة الممرات الدولية المفتوحة، والتي شكّلت لعقود أحد أعمدة استقرار التجارة العالمية وتدفقات الطاقة.

التقارير المتداولة حول فرض الحرس الثوري الإيراني نمطًا من "السيطرة التشغيلية” على العبور في المضيق، من تصنيف الدول بين صديقة ومعادية، إلى الحديث عن رسوم عبور بعملات غير تقليدية أو اشتراطات أمنية وسياسية، توحي بأننا أمام تحوّل يتجاوز الإطار الأمني المباشر. فالمضيق، في هذه القراءة، لا يُدار فقط كممر دولي تحكمه نصوص القانون الدولي للبحار، بل بوصفه مساحة نفوذ يجري استخدامها لإعادة تعريف العلاقة بين الجغرافيا والسيادة والاقتصاد.

وهنا تكمن خطورة التحول. فإيران، على ما يبدو، لا تسعى إلى إغلاق المضيق إغلاقًا كاملًا، لأن هذا الخيار يحمل تلقائيًا مخاطر التصعيد الشامل مع قوى دولية وإقليمية كبرى. البديل الذي يبدو أكثر واقعية ودهاء هو "السيطرة الانتقائية”: إبقاء الممر مفتوحًا من حيث المبدأ، لكن تحت شروط سياسية وأمنية ومالية تجعل حرية العبور مرتبطة بموقف السفينة، وهوية الدولة، وقدرتها على التكيف مع شروط المرور الجديدة. وبهذا المعنى، لا يجري إلغاء الممر، بل إعادة تشكيله.

هذا التحول يضع مبدأ "المرور البريء” تحت ضغط غير مسبوق. فهذا المبدأ قام على فكرة أن السفن تستطيع العبور ما دامت لا تمثل تهديدًا مباشرًا للدولة الساحلية. أما عندما يصبح العبور مشروطًا، ولو جزئيًا، بدرجة القرب السياسي أو بترتيبات أمنية ورسوم مرافقة، فإننا نكون أمام انتقال من "حق قانوني عام” إلى "امتياز عملي تفاوضي”، وهو فرق بالغ الأهمية في عالم يعتمد على اليقين الملاحي بقدر اعتماده على القوة العسكرية.

وفي المقابل، لا تبدو الخيارات الأميركية للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني أقل دلالة على طبيعة المأزق. فمجرد التداول بخيارات من نوع استهداف منشآت بعينها، أو تعطيل البيئة التشغيلية للبرنامج النووي، أو ضرب العقد الاقتصادية واللوجستية الحساسة، يشير إلى أن الحسم العسكري السريع لم يعد احتمالًا بسيطًا كما كان يُراد له أن يبدو. فالقوة المفرطة هنا لا تنتج بالضرورة حسمًا نظيفًا، بل قد تدفع الصراع إلى مستوى آخر عنوانه استهداف "وظائف الدولة” و”وظائف النظام الدولي” معًا.

من هذه الزاوية، تبدو الحرب وكأنها انتقلت من منطق تدمير الأهداف إلى منطق شلّ الوظائف الحيوية. الولايات المتحدة تضغط على بنية الحركة والتمويل والبنية التحتية الإيرانية، وإيران ترد عبر التهديد بزيادة كلفة الطاقة والشحن والتأمين، وعبر توظيف موقعها الجغرافي في واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم. وهنا لا يعود السؤال من يملك الصاروخ الأدق فقط، بل من يملك القدرة على رفع كلفة الاستمرار على خصمه وعلى العالم في الوقت نفسه.

وهذا ما يمنح مضيق هرمز معناه الجديد في هذه المرحلة. فالمضيق لم يعد مجرد ممر تعبر منه الناقلات، بل أصبح أداة تفاوض وردع وإعادة تعريف لمفهوم السيطرة. وإذا كان البحر الأحمر قد قدّم خلال الفترة الماضية نموذجًا على هشاشة خطوط الملاحة أمام فاعلين يملكون القدرة على التعطيل الجزئي، فإن هرمز يقدّم الآن نموذجًا أكثر خطورة: ليس تعطيل العبور فحسب، بل وضعه داخل منظومة فرز وسيطرة ومساومة. وهذا تطور، إن ترسخ، قد يعيد تشكيل نظرة الأسواق إلى أمن الإمداد، كما يعيد تشكيل حسابات الدول المستوردة والمصدّرة للطاقة معًا.

ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن النظام الملاحي الدولي انهار بالفعل، أو أن مبدأ المرور الحر سقط نهائيًا. لكن ما يبدو واضحًا هو أن هذا النظام يتعرض اليوم لاختبار قاسٍ، وأن النصوص القانونية لم تعد كافية وحدها لضمان ما كانت تضمنه في بيئات أقل توترًا. فحين تصبح الممرات الدولية نفسها جزءًا من معادلة الردع، تتحول الشرعية القانونية إلى عنصر من عناصر الصراع، لا إلى مرجعية فاصلة تنهيه.

لهذا، فإن جوهر المسألة لا يكمن فقط في ما إذا كانت إيران ستغلق المضيق أو لا، بل في ما إذا كانت ستنجح في فرض مستوى من "السيادة الانتقائية” داخله من دون أن تواجه كلفة تمنع تثبيت هذا الواقع. فإذا حدث ذلك، فإن الأثر لن يقتصر على الخليج وحده، بل سيمتد إلى مفهوم الأمن الملاحي العالمي كله، حيث تصبح الممرات الدولية أقل حيادًا، وأكثر خضوعًا لموازين القوة الإقليمية المباشرة.

الخلاصة أن ما يجري اليوم في هرمز ليس مجرد فصل إضافي في مواجهة عسكرية مفتوحة، بل صراع على قواعد الحركة في العالم نفسه. وإذا كان القرن الماضي قد قام على فرضية أن الممرات الكبرى يجب أن تبقى خارج المزاج السياسي للدول المتحكمة بها، فإن المشهد الحالي يقول إن هذه الفرضية لم تعد محصنة كما كانت. وربما لا نكون بعد أمام "وفاة” كاملة لنظام الملاحة الدولية، لكننا بالتأكيد أمام بداية مرحلة يصبح فيها "المرور الحر” أقل بداهة، و”المرور المشروط” أكثر حضورًا في حسابات القوة والاقتصاد والطاقة.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤