نشرت هذه الترجمة ضمن العدد الثالث من نشرة شباك، والذي حمل عنوان: «مشكلة السكان، أو السكان كمشكلة». للوصول إلى محتوى هذه النشرة، والمزيد من مزايا برنامج «نقطة حبر»، انضموا إلى برنامج العضوية عبر الرابط.
هذا النص هو مقتطف مترجم بتصرف من مقال مطول نشر في مجلة النيويوركر في 3 آذار 2025.
جيديون لويس-كراوس، كاتب في مجلة النيويوركر، يغطي مواضيع التكنولوجيا والأكاديميا والكتب، عمل سابقًا ككاتب مستقل في مجلة نيويورك تايمز، وكاتب مساهم في مجلة وايرد، ومحرر مساهم في مجلة هاربرز. ويدرّس الصحافة في برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة كولومبيا.
***
من المتوقع أن يستمر نمو عدد سكان العالم لمدة نصف قرن آخر، ثم يبدأ بالانكماش. هذا أمر لم يسبق له مثيل. لذا، ليس بإمكاننا توقع شكل المستقبل المحتمل. لكن في بعض الأماكن، هناك مؤشرات على ما يمكن أن يكون.
«معدل الخصوبة الإجمالي» هو تقدير تقريبي لعدد الأطفال الذين ستنجبهم المرأة العادية طيلة حياتها. يكون عدد السكان مستقرًا إذا تكاثروا بـ«معدل الإحلال»، أي حوالي 2.1 طفل لكل أم. (الـ0.1 هي المعادل الإحصائي لمأساة شخصية كبيرة). أي شيء فوق هذا الحد سيؤدي نظريًا إلى توسع أسي، وأي شيء أقل منه سيؤدي إلى انخفاض أسي.
يبلغ معدل الخصوبة في كوريا الجنوبية 0.7. هذا أدنى معدل في العالم، وقد يكون الأدنى في التاريخ المسجل. إذا استمر هذا المسار، فسيكون حجم كل جيل من الأجيال المتعاقبة ثلث حجم الجيل الذي سبقه. كل مئة كوري معاصر في سن الإنجاب سينجبون ما مجموعه حوالي 12 حفيدًا. إنها حالة استثنائية، لكنها قد تصبح أكثر شيوعًا.
في سيول، التي تتميز بالامتداد اللامتناهي لناطحات السحاب التي صنعتها شركتا سامسونج وإل جي، يسهل أن ترى النقص الوشيك في عدد السكان أمرًا مستحيلًا. تعد منطقة العاصمة، التي يعيش فيها 26 مليون نسمة، أو حوالي نصف سكان كوريا الجنوبية، أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم الصناعي. عندما زرت المدينة في تشرين الثاني، نُصحت بإخراج هاتفي من جيبي على رصيف المترو، لأنه سيكون من المستحيل فعل ذلك بمجرد ركوب القطار. مقاعد المترو باللون الفوشيا مخصصة للنساء الحوامل. وتُمنح النساء اللواتي لم يظهر عليهن الحمل بعد ميداليات خاصة كدليل على الحمل. ويُعرض فيديو تعليمي متكرر لتذكير الركاب بالآداب المناسبة. حتى في ساعة الذروة، غالبًا ما كانت هذه المقاعد شاغرة.
تنتشر علامات الوحشة في كل مكان. يتذكر الكوريون في منتصف العمر وقتًا كان فيه الأطفال كثيرين. عام 1970، وُلد مليون طفل كوري. كان متوسط عدد الطلاب في فصل دراسي من جيل طفرة المواليد 70 أو 80 طالبًا، واضطرت المدارس إلى تقسيم طلابها إلى نوبتين صباحية ومسائية. يبدو الأمر كما لو أن هؤلاء الناس كانوا سكان بلد آخر. عام 2023، بلغ عدد المواليد 230 ألفًا فقط. أعادت إحدى شركات حليب الأطفال توجيه نفسها لتصنيع مشروبات للحفاظ على قوة العضلات لدى كبار السن. تم تحويل حوالي 200 حضانة إلى دور رعاية، أحيانًا مع إبقاء نفس المديرين ونفس الأرضيات المطاطية ونفس أقلام التلوين. تم تحويل مدرسة ريفية إلى مأوى للقطط. كل كوري سمع أن عدد سكان بلاده سيقترب حتمًا من الصفر. قال لي تشو يونغتاي، وهو عالم ديموغرافيا شهير في جامعة سيول الوطنية: «اسأل الناس في الشارع: ما هو معدل الخصوبة الإجمالي في كوريا؟ وسيعرفون الإجابة!». غالبًا ما يعرفونها بدقة تصل إلى رقمين عشريين. فضلًا عن أن لديهم عالم ديموغرافيا شهير.
خارج سيول، يحضر الأطفال في الغالب كخيالات. هناك 157 مدرسة ابتدائية لم تسجل أي ملتحقين جدد لعام 2023. في ذلك العام، سجلت قرية إيوون-ميون الساحلية ولادة طفل واحد فقط. علقت في جميع أنحاء البلدة لافتات تهنئ الوالدين بالاسم «على ولادة ملاكهم الجميل». في إحدى قرى هاينام، وهي مقاطعة تقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الكورية، سُجلت آخر ولادة خلال دورة الألعاب الأولمبية في سيول عام 1988. عادة ما يتم تصوير نهاية العالم على أنها مشوبة بالاضطرابات، ولكن انخفاض عدد السكان هو نهاية العالم على أقساط.
بعد عقد من الحرب الكورية، كان الناتج المحلي الإجمالي للفرد في البلاد أقل من مائة دولار، أي أقل من هايتي. كان الناس يأكلون لحاء الأشجار أو العشب المسلوق، وكان الأطفال يتسولون في الشوارع. بعد انقلاب عسكري في عام 1961، ربطت القيادة الاستبدادية الجديدة برنامجها الاقتصادي بتربية مواطنين أقل عددًا وأفضل تعليمًا. انتشر الأخصائيون الاجتماعيون في المجتمعات الريفية، حيث شجعوا النساء على ألا ينجبن أكثر من ثلاثة أطفال. شرعنت الحكومة وسائل منع الحمل وضغطت من أجل استخدام اللولب. تزامنت هذه المبادرات مع التركيز على التجانس العرقي والقيم التقليدية. تم شحن الأطفال مزدوجي العرق من أبناء الجنود الأمريكيين، إلى جانب أطفال الأمهات غير المتزوجات، إلى الخارج للتبني، وأصبحت كوريا معروفة بأنها أكبر «مُصدّر» للأطفال في العالم.
اعتُبر البرنامج نجاحًا باهرًا. في غضون عشرين عامًا، انخفض معدل الخصوبة في كوريا من ستة إلى معدل الإحلال، وهو إنجاز وصفه علماء الديموغرافيا الآسيويون بأنه «أحد أكثر الانخفاضات إثارةً وسرعةً على الإطلاق». كان النهوض بتعليم النساء جزءًا مهمًا من هذا البرنامج، وهو ما وصفه الديموغرافيون بأنه «غير مسبوق في تاريخ العالم الحديث». انخفض عدد الكوريين بشكل كبير، لكن أولئك الذين ولدوا تمتعوا بارتفاع غير متوقع في مستوى معيشتهم. أنجب الآباء الذين عانوا من الجوع أطفالًا يمكنهم تحمل تكاليف الجراحة التجميلية.
فجأة، بدت الخصوبة مفتاحًا يمكن للحكومات أن تديره كما تشاء. كان من المفترض ببساطة أن يستقر هذا «التحول الديموغرافي» بشكل طبيعي حول معدل الإحلال. عندما اقتربت كوريا من معدل الإحلال السكاني في عام 1983، كان بإمكان قيادتها إعادة النظر في سياساتها. لكنها بدلًا من ذلك، ضاعفت جهودها بشعار جديد: «حتى اثنان هو رقم كبير». بحلول عام 1986، بلغ معدل الخصوبة في كوريا 1.6. وظل هذا المعدل مستقرًا لمدة عشر سنوات تقريبًا، ثم انخفض بشكل حاد. حتى الآن، خصصت الحكومة حوالي 250 مليار دولار لمختلف الجهود المشجعة على الإنجاب، بما في ذلك التحويلات النقدية وتمديد إجازات الأمومة والأبوة، ولكن دون جدوى.
يُنظر إلى الانهيار الديموغرافي في كوريا على أنه أمر واقع. كما قال المحلل السياسي جون لي: «يقولون إن كوريا الجنوبية ستنقرض في غضون مئة عام. من يهتم؟ سنكون جميعًا أمواتًا بحلول ذلك الوقت». تشمل الأسباب التي يُشار إليها عادةً تكلفة السكن ورعاية الأطفال، التي تعد من بين الأعلى في العالم. لا يبدو أن هناك الكثير في المجتمع الكوري مما يمنح الشباب انطباعًا بأن تربية الأطفال قد تكون مجزية أو ممتعة. التقيت بمراسلة إخبارية أنيقة في العشرينات من عمرها في مقهى واسع وهادئ في حي إيتاوون النابض بالحياة في سيول. قالت لي: «الناس هنا يكرهون الأطفال.. يرون الأطفال ويقولون: يا للقرف». سرعان ما يترجم هذا الاستياء السائد إلى ازدراء الأمهات. «يطلق الناس على الأمهات حشرات أو طفيليات. إذا أحدث أطفالك ضجة صغيرة، سيحدق أحدهم فيك»، تقول المراسلة. كانت قد قضت إجازة مؤخرًا في روما، حيث كان البالغون يشربون في الحانات بينما أطفالهم يركضون في كل مكان. قالت: «هنا، سيقول الناس: ماذا تفعلون بحق الجحيم؟».
تميل الردود على الإنترنت على تقارير وسائل الإعلام عن الأزمة إلى السخرية الشديدة: «انتظروا، يمكننا أن ننزل إلى ما هو أسوأ من ذلك». تقول المراسلة: «عندما أكتب عن هذا الموضوع، أفكر: ما الذي يمكن أن يغير رأيي؟ الجواب هو لا شيء. إن عدم الرغبة في إنجاب الأطفال هو القاعدة». مثل العديد من الكوريين، هي تدلل كلبها. كان العثور على هدايا في سيول لطفليّ الصغيرين المولعين بكرة القدم يتطلب تخطيطًا مدروسًا. جبت كل المدينة بحثًا عن قمصان المنتخب الوطني بمقاسات الأطفال واضطررت في النهاية إلى الاكتفاء بقمصان مقلدة من السوق السوداء. ولكن يوجد متجر للحيوانات الأليفة في كل شارع تقريبًا. في العام الماضي، تجاوزت مبيعات عربات الكلاب مبيعات عربات الأطفال. «أنا لا أقول إن الناس يقدرون الكلاب أكثر من الأطفال». توقفت المراسلة لتشير إلى الزبائن الآخرين: «لكن كل ما عليك فعله هو النظر حولك».
انخفاض معدل الخصوبة هو قضية مثيرة للانقسام في كوريا. لي جون سوك، البالغ من العمر 39 عامًا والخريج من جامعة هارفارد والذي يُقارن أحيانًا بجيه دي فانس، هو السياسي المحافظ الأكثر شعبية في جيله. التقينا في حانة في وقت متأخر من مساء يوم جمعة، وتوقفت محادثتنا كل خمس دقائق بسبب المحتفلين الثملين الذين كانوا ينحنون له بشدة ويتصورون معه. في انتخابات الرئاسة الكورية عام 2022، ساعد لي في حشد الشباب الساخطين للتصويت لصالح المرشح المحافظ، الذي وعد بإلغاء وزارة المساواة بين الجنسين. قال لي: «عندما تبلغ العديد من النساء سن الخامسة والثلاثين، يبدأن في التذمر من خداعهن من قبل النسويات اللواتي أخبرنهن أنهن يمكنهن الحصول على كل شيء. من المستحيل حرفيًا أن يلتقين بشخص من نفس المستوى الاجتماعي والاقتصادي في تلك المرحلة، لذا عليهن أن ينزلن في المستوى. الآن نصفنا غير متزوجين، وأنا جزء من ذلك».
إذا كان الكوريون لا ينجبون، فهذا ليس بسبب عدم التمسك بالتقاليد. ثقافتهم، كما قال لي أحد المؤيدين للإنجاب، «راسخة» بالفعل. الإباحية والعمل في مجال الجنس غير قانونيين، ولم يتم إلغاء تجريم الإجهاض إلا قبل بضع سنوات. نسبة ضئيلة من الأطفال الكوريين يولدون خارج إطار الزواج. الرجال الكوريون لا يقومون بأعمال منزلية كثيرة، وأولئك الذين يقومون بها غالبًا ما يُطلق عليهم لقب «بونغبونغنام»، في إشارة إلى اسم صابون الجلي الذي يعني «الرجل الرغوي». لا يزال أخذ إجازة الأبوة نادرًا نسبيًا، ويُطلق على الرجال الذين يأخذونها اسم «لاتيه بابا»، كما لو أنهم يستغلون الإجازة كعطلة. تخشى النساء من أن تُسند إليهن مهام مهنية متدنية تحسبًا لرحيلهن عن سوق العمل. كما قال لي كيم جونغ مين، مدير التحرير في وكالة «كوريا برو» للأنباء: «في مقابلات الموارد البشرية، تشعر النساء بضغط لإظهار أنهن ملتزمات بوظائفهن لدرجة أنهن لا يخططن للزواج».
أدى التلميح بأن النساء هن المسؤولات عن الأزمة الديموغرافية إلى تحويل التوتر إلى حرب بين الجنسين. عام 2016، أصدرت الحكومة الكورية «خريطة المواليد»، والتي قال عنها أحد المدونين: «أحصوا النساء في سن الإنجاب كما يحصون الماشية». جنّد أحد أعضاء البرلمان المحافظين مجموعة من النساء لتقديم رقصة جديدة اعتقد أنها قد تساعد في تقوية قاع الحوض لدى النساء. تميل العديد من الشابات الآن نحو عقلية «4B»، وهي مصطلح يطلق على النساء اللواتي يتجنبن المواعدة والجنس والزواج والأطفال؛ بل إن بعضهن يتخلين عن الصداقة مع الرجال.
تخبرني ييهو، وهي طالبة في التاسعة عشرة من عمرها في كلية مرموقة للنساء في سيول، أنها غير مهتمة بالمواعدة أو الأطفال. فالأطفال في رأيها «قد لا يكبرون بشكل جيد، أو ينضمون مجتمع العزاب [الرجال الذين يلومون النساء على عزوبيتهم] وعلاوة على ذلك، الأطفال ليسوا جزءًا ضروريًا من الحياة الجيدة». غالبًا ما كانت النساء من جيل والدتها يندمن على التضحيات التي كان متوقعًا منهن تقديمها، لذا قمن بتربية بناتهن على إعطاء الأولوية لحياتهن المهنية.
سألت في سيول عن الأماكن التي يمكن أن أجد فيها أطفالًا في الطبيعة، فوجهوني إلى دايتشي دونغ، وهو حي ثري يشتهر بأسواره العالية وسياراته الفاخرة وأكاديميات ما بعد المدرسة أو الهاغوون. يقضي الطلاب الأكثر حظًا بعد الظهر والمساء وعطلات نهاية الأسبوع في ما يصل إلى 12 هاغوون مختلف لكل طالب. 80% من الأسر الكورية تشتري تعليمًا خاصًا، وتنفق بعض الأسر الفقيرة نفس المبلغ على البقالة وعلى الهاغوون. يتجاوز الإنفاق الإجمالي على الإثراء التعليمي في كوريا نفقات البحث والتطوير لشركة سامسونج، التي تشكل بمفردها خُمس الاقتصاد الكوري بأكمله. يذكر الكوريون أن الضغوط والتكاليف المرتفعة للتعليم المفرط هي أحد الأسباب الرئيسية لعدم رغبتهم في إنجاب الأطفال.
تتوج الطفولة الكورية الميمونة بالقبول في إحدى جامعات سيول الثلاث الأكثر شهرة. ويعتمد القبول بشكل أساسي على أداء الطالب في امتحان القبول الجامعي الوطني الذي يُجرى كل عام في يوم خميس من تشرين الثاني. يُؤجل افتتاح البورصة في ذلك اليوم، وتُغلق العديد من مواقع البناء. تُرفع خدمات الحافلات والمترو لتخفيف الازدحام المروري. ويمكن للطلاب المتأخرين الاستفادة من مرافقة الشرطة على الدراجات النارية. خلال اختبار فهم اللغة الإنجليزية، الذي يتطلب صمتًا تامًا، يوقف قسم مراقبة الحركة الجوية جميع عمليات الإقلاع والهبوط.
في بعض مراكز الهاغوون، يتعلم طلاب الصف الخامس حساب التفاضل والتكامل، ويدرس طلاب المرحلة الابتدائية مقررات تمهيدية للطب، فيما يركز البعض على الرياضة أو الآلات الموسيقية. هناك مقولة كورية تقول «التنين يخرج من مجرى صغير»، أي أن الموهبة يمكن اكتشافها وتنميتها في أي مكان ناءٍ. لكن المحلل السياسي جون لي، الذي كان في السابق مدرسًا في هاغوون، كان متشككًا في هذا المثل الأعلى للجدارة: «كان يتم إعطائي نطاقًا من الدرجات للطلاب. إذا أعطيت درجة عالية جدًا، فسيعتقد الآباء أن أطفالهم يجب أن يلتحقوا بهاغوون أفضل. وإذا أعطيت درجات منخفضة جدًا، يعتقد الآباء أن هذا مضيعة للمال، وأن الدروس الخصوصية لا تجدي نفعًا». بعض الهاغوون انتقائية للغاية. كما قالت إحدى الشابات: «إذا لم تلتحق بهاغوون معين، فأنت لست جزءًا من المجموعة».
يصف أربعة من كل خمسة أطفال في كوريا اليوم المدرسة بأنها «ساحة معركة». عام 2012، ساهمت منظمة «عالم خالٍ من القلق بشأن التعليم الخاص» في تطوير حملة إعلانية أظهرت رضّاعة مليئة بالأرز المقلي، مع تعليق يقول: «أمي! الوقت مبكر جدًا بالنسبة لي». يحظر القانون دروس الهاغوون بعد الساعة 10 أو 11 مساءً. ومع ذلك، تظل هذه القضية معضلة على مستوى المجتمع بأسره: فحتى أولئك الذين يعترضون بشدة من حيث المبدأ غالبًا ما يتنازلون في الممارسة العملية. قال لي أحد الموظفين: «على المستوى الكلي، الجميع يدرك أن هذه مشكلة، ولكن على المستوى الجزئي، بالنسبة لعائلتي وأولادي، لا بد من القيام بذلك». عندما علقت بأنه لا بد أن الأطفال تعساء، صححني قائلًا: «إذا لم ترسلهم، يشعرون بالسوء! هذا هو المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه رؤية أصدقائهم، لأنه لا أحد في الملعب». الانتحار هو السبب الرئيسي للوفاة بين الشباب الكوريين. أخبرني أكثر من شخص أن ثقافتهم «محطمة».
ليس من السهل الخروج من هذا النظام. في صباح أحد الأيام، التقيت بستة أعضاء من مجموعة غير تقليدية لرعاية الأطفال في حي يسمى هابجونغ. أخبروني أن هذه المنطقة من سيول تتميز بغياب المتاجر الكبيرة، وأنهم يجتمعون في مخبز محلي خالٍ من الزبائن. قبل أربعين عامًا، لم يكن في سيول أي حضانات تقريبًا. كان بعض الآباء العاملين يحبسون أطفالهم في شققهم ويأملون الأفضل. كان الأطفال يموتون في حرائق المنازل. في عام 2002، شكلت مجموعة من المنظمين الشعبيين هذا البديل المجتمعي للحضانة.
كان الآباء الحاليون يشعرون بالحنين إلى طفولتهم في الأزقة. أخبرني فنان يدعى داوم أنه عندما كان صغيرًا، «إذا ركلت كرة إلى ملكية شخص آخر، كنت تذهب وتدق الجرس وتستعيدها». لم تعد تلك المدينة موجودة: «الآن يصرخون فيك: كان من الممكن أن تكسر نافذتي!». هناك كلمة خاصة للضوضاء بين الطوابق. أجبرت الشكاوى داوم وزوجته داني على مغادرة المبنى الذي كانوا يعيشون فيه. قال لهم أحد الجيران: «لم أعد أستطيع تحمل أطفالكم!».
تأخذ الحضانة الأطفال إلى الخارج كل يوم. تعلموا عن النباتات والحيوانات، وتعلموا كيفية تحديد الفصول من خلال الأعياد القديمة. كان استخدام ألقاب التكريم المعتادة غير مشجع، وكان الأطفال يتحدثون إلى المعلمين بلغة تستخدم عادة في المخاطبة غير الرسمية. وافق الآباء على عدم إرسال أطفالهم إلى الهاغوون في الوقت الحالي. قالت إحدى الأمهات إن هذه الأخلاقيات القائمة على الرعاية المتبادلة جعلت تربية الأطفال «أقل إثارة للخوف». ومع ذلك، عندما يبلغ أطفالهم سن الدخول إلى المدرسة، سيرسلون إلى آلة التعليم. قالت أم أخرى: «عندما يصلون إلى المدرسة الابتدائية العادية، يكون الأطفال الآخرون قد اعتادوا بالفعل على جدول يوم كامل. سيكون لديهم قدرة أكبر على التحمل، وهم معتادون على الهاغوون، لكن هؤلاء الأطفال ما زالوا معتادين على وقت القيلولة».
معظم العلماء يرون أن ذعرنا تجاه تراجع عدد السكان له تأثير عكسي. في كتابه الصادر عام 2022، يكرر عالم الديموغرافيا النرويجي فيغارد سكيربيك قوله أن معدل الخصوبة «المنخفض، ولكن ليس منخفضًا جدًا» هو أمر جيد. ومع ذلك، قبل عقدين من الزمن، ساهم سكيربيك في ابتكار تجربة فكرية تسمى «فرضية فخ انخفاض الخصوبة»، والتي أشارت لإمكانية حدوث دوامة هبوطية لا يمكن التعافي منها. فانخفاض معدل الخصوبة بشكل كبير يعني عددًا أقل بكثير من الأطفال، مما يعني عدد أقل بكثير من الأشخاص الذين ينجبون أطفالًا، أو حتى يعرفون أطفالًا. وقد تؤدي هذه الحلقة المفرغة إلى تغيير المعايير الثقافية إلى درجة أن عدم الإنجاب يصبح الخيار الافتراضي.
بدت هذه الاحتمالية بعيدة المنال. ثم حدثت بشكل أو بآخر في كوريا. يعزو هوانغ سون جاي، عالم الاجتماع الذي يدرس معايير الخصوبة، الانتشار السريع لانخفاض معدلات الخصوبة جزئيًا إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الثقافة الأحادية على مستوى العالم. في السابق، لم يكن من السهل أبدًا التعرف على تكلفة الفرصة البديلة للإنجاب، مثل الوجهات السياحية الرائعة التي لم تزرها، والأطعمة الشهية التي لم تتذوقها. قال: «كان الناس في الماضي يقارنون أنفسهم بأقرانهم المحليين فقط. الآن يرون حياة الآخرين -في نيويورك وإنجلترا وفرنسا- ويشعرون بنوع من الحرمان النسبي: حياتي ليست جيدة بما يكفي».
تدفع بعض الشركات الكورية لموظفيها مقابل إنجاب الأطفال، لكن القطاع الخاص يقبل الآن بشكل عام أنه يجب التكيف مع عالم أصبح فيه الأطفال رفاهية. يتوقع المحللون أن تبلغ قيمة «صناعة الشيب» [الخدمات والمنتجات الموجهة لكبار السن] 160 مليار دولار لتلبية احتياجات المتقاعدين الأصحاء. تتوقع إحدى وكالات السفر أن كبار السن، في ظل عدم وجود أحفاد يدللونهم، سينفقون دخلهم المتاح على رحلات أكثر تكلفة. تخطط شركات كبرى مثل هيونداي لإنشاء مجتمعات تقاعد راقية لأولئك الذين لا يمكنهم الاعتماد على عائلاتهم لرعايتهم. سيتعين على الشركات التي كانت تخدم السوق الشامل في الماضي أن تتحول إلى عملاء متميزين.
تبدو تكاليف شيخوخة المجتمع وتقلصه أكثر تجريدية. في العام الماضي، صوّر فيديو ساخر احتفالًا تقليديًا بولادة الطفل الأول في كوريا بعد عشر سنوات: يستضيف ملعب شيد لكأس العالم حشدًا من عشرة آلاف شخص، بما في ذلك رئيس البلاد. في الفيديو، الحياة العادية مليئة بالمصاعب الصغيرة: قد يستغرق طلب الطعام أكثر من تسعين دقيقة. قد لا تكون المصاعب الفعلية صغيرة إلى هذا الحد. بحلول عام 2050، ستنخفض القوة العاملة في كوريا إلى حوالي ثلثي حجمها الحالي، وقد يصبح توصيل الطعام إلى المنازل شيئًا من الماضي.
قال لي العديد من الكوريين إنهم يتطلعون إلى مجتمع أقل تنافسية، عالم أصغر وأكثر لطفًا، حيث يحصل الجميع على حصة أكبر من الموارد. في هذه الصورة، المستقبل هو نفسه الحاضر تمامًا، باستثناء أن عدد السكان أقل. لكن من المحتمل أيضًا أن تزداد اللامساواة. مع إغلاق الجامعات بشكل جماعي، قد تصبح الجامعات المتبقية أكثر انتقائية. إذا أصبحت القوى العاملة في كوريا غير كافية لإنتاج وتوزيع السلع الأساسية – وهو احتمال واضح بحلول نهاية القرن – فقد يتم اكتنازها من قبل الأثرياء. لاحظ الديموغرافي دين سبيرز أنه كلما زادت احتياجاتنا ورغباتنا الخاصة، زاد اعتمادنا على حقيقة أن الآخرين يشاركوننا فيها: «إذا كنت بحاجة إلى رعاية طبية متخصصة، فمن غير المرجح أن تجدها في منطقة ريفية أكثر من مدينة كبيرة، حيث يوجد عدد أكبر من الأشخاص الذين يحتاجون إلى نفس الشيء الذي تحتاجه». إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فسيقل عدد الكوريين بشكل كبير في غضون عدة عقود، وسيعيش جميعهم تقريبًا في العاصمة سيول، وإذا حالفهم الحظ، فسيكون هناك زراعة أرز آلية.
الجانب الأكثر إقناعًا في الفلسفة المؤيدة للإنجاب ليس ما قد نكسبه نظريًا من زيادة عدد السكان. بل هو التخوف مما قد نفقده مع انخفاض عددهم. استشهد عالم الأنثروبولوجيا التطورية جوزيف هنريش بمثال سكان تسمانيا الأصليين، الذين انفصلوا عن البر الرئيسي لأستراليا منذ حوالي عشرة آلاف عام. كان عددهم قليلًا جدًا وكانوا متفرقين جدًا لدرجة أنهم لم يتمكنوا من الحفاظ على خبراتهم، ويبدو أنهم نسوا كيفية صنع الأدوات العظمية المعقدة، وكيفية صنع الملابس الدافئة، وحتى كيفية الصيد. والعدد ليس سوى جزء من القصة. لكي تتطور ثقافة ما، فإنها تحتاج إلى أنواع مختلفة من الناس؛ أشخاص عنيدون ومجنونون ولديهم أفكار غريبة. وأغرب الناس هم دائمًا الأطفال.
طوال معظم تاريخ البشرية، كان إنجاب الأطفال أمرًا يفعله معظم الناس دون التفكير فيه كثيرًا. أما الآن، فهو أحد الخيارات المتنافسة من بين خيارات عديدة. التفسير الشامل الوحيد لانخفاض معدلات الخصوبة العالمية هو أنه بمجرد أن يتوقف الناس عن اعتبار الإنجاب أمرًا مميزًا – كواجب تجاه الله أو تجاه الأسلاف أو تجاه المستقبل – فإنهم سيقللون من إنجاب الأطفال. إن مساواة الاستقلالية الإنجابية بالانغماس في الملذات تنم عن كراهية النساء، والكثير من الأشخاص الذين لم ينجبوا يقدمون الرعاية لآخرين في حياتهم بحب ووعي. في الوقت نفسه، يجب أن نعترف بأن هناك شيئًا مزعجًا في النظرة التي تساوي بين الأطفال والوجبات الفاخرة أو الرحلات إلى إيطاليا، باعتبارها مجرد مسائل يمكن المفاضلة بينها وفق منطق استهلاكي.
قبل أربعين عامًا، عبرت تشانغ بيلوا، الباحثة المؤثرة في مجال دراسات المرأة عن جزعها من عالم يتناقص فيه الآباء والأمهات. «إن الأمومة والأبوة عملية ثمينة لتعلم الإنسانية، وغياب هذه التجربة التي تتسم بالهشاشة لن يؤدي إلا إلى مزيد من القسوة». ليست تربية الأطفال شرطًا ضروريًا للهشاشة، بل إنها ليست شرطًا كافيًا. لكن قد يكون هناك شيء لا يمكن اختزاله في التجربة المشتركة للأبوة والأمومة؛ تلك الحياة التي يبدو فيها وكأن قلبك الهش ينبض خارج جسدك.
هناك وجهة نظر فلسفية مفادها أن قرار إنجاب الأطفال غير عقلاني في الأساس. قد ينتج عن تحليل دقيق للتكلفة والعائد تقديرٌ للقيمة المتوقعة للطفل، لكن التجربة تغير الحياة بشكل يجعل الحساب غير ذي صلة. ستكون قد اتخذت قرارًا بناءً على رؤية شخص لن تكون عليه بعد الآن. لا شك أن هناك شيئًا من التعالي في هذه الحجة حين يقدمها الآباء والأمهات. ما زلت غير متأكد من صحتها، لكنني رغم ذلك وجدت نفسي أكررها. للأسباب المعتادة المتعلقة بصعوبة التوفيق بين العمل والحياة، أبعدني كتابة هذا المقال عن أولادي الصغار. عندما سألت ابني البالغ من العمر ثماني سنوات لماذا يجب على المرء أن ينجب الأطفال، فتوقف عن ضرب أخيه الصغير لفترة كافية ليقول: «نحن رفقة ممتازة».
لطالما لعب الأطفال دورًا رمزيًا في نقاش دار بعيدًا عنهم. فمقابل من رأى فيهم تأكيدًا مطلقًا على الحياة نفسها، كان هناك من رأى في معاملتنا لهم سببًا لليأس. لكن يبدو أننا الآن بصدد تحويل صراع فلسفي قديم لا حل له إلى تجربة إمبريقية ذات مخاطر حقيقية. وقد لا يكون هذا نتيجةً لانخفاض معدل الخصوبة فحسب، بل قد يزيد من حدة هذا الانخفاض. الأطفال جزء من حياتنا، لكنهم أيضًا بشر غريبون لهم وجودهم الخاص. قد نثق بهم في أن يكتشفوا معنى وجودهم بأنفسهم، وقد نرى فيهم نماذج تدفعنا للتواضع والتناقض الوجداني، لكن ليس من العدل لنا أن نتوقع منهم أن يتحملوا عبء يقيننا. فهم، في النهاية، أطفال فحسب.
يمكنك قراءة باقي مواد هذا العدد من نشرة شباك مشكلة السكان، أو السكان كمشكلة، وباقي نشرات شباك، من خلال الانضمام لعضوية نقطة حبر.






