نحاس أبو خشيبة : بين إغراء الثروة وامتحان السيادة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في لحظات الضيق الاقتصادي ، تميل الدول إلى التقاط أي خيط قد يقودها إلى الخلاص ، ولو كان ذلك الخيط مدفونًا في باطن الأرض منذ قرون ، وهكذا يكون الحال في بلد كالاردن لم يبقى في جعبته الا التعدين ليعقد امله عليه للخلاص من براثن الفقر و البطالة و ترسخ التنمية الاقتصادية و توطين الاستثمارات الاجنبية او العربية بعين الحرص على ثرواتنا الطبيعية من التبديد بين اطماع الشركات العابرة للقارات و المتاجرين بقوت الشعوب و مقدراتها ، و اليوم يعود ملف النحاس في أبو خشيبة إلى الواجهة ، لا بوصفه مجرد مشروع تعدين ، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة ثرواتها في زمن التحولات الكبرى.
النحاس اليوم ليس معدنًا عاديًا ؛ إنه معدن المستقبل ، وقلب التحول نحو الطاقة النظيفة والصناعات الحديثة ، ومن هنا ، فإن السؤال لم يعد: هل نملك النحاس ؟ بل أصبح: كيف نملكه ؟ ولمن ستكون الكلمة العليا في استثماره ؟
المشكلة لا تكمن في مبدأ الاستثمار، فالأردن ليس جزيرة معزولة عن العالم ، ولا يملك ترف الانغلاق الاقتصادي. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الاستثمار إلى بديل عن السيادة ، أو عندما تُدار الموارد الوطنية بعقلية "التسهيل” بدل عقلية "الشراكة الندية”.
في حالة أبو خشيبة ، يتسلل القلق من أكثر من باب ، أولها باب البيئة ، حيث تقف محمية ضانا شاهدًا صامتًا على معادلة قاسية : هل يمكن التضحية بإرث طبيعي فريد مقابل وعود اقتصادية لم تثبت بعد ؟ إن العبث بالتوازن البيئي ليس خطأً عابرًا ، بل دينٌ مؤجل تدفعه الأجيال القادمة مضاعفًا.
وثانيها باب الشفافية ، فالدولة التي تطلب من مواطنيها الثقة ، مطالبة بأن تضع أوراقها كاملة على الطاولة ، أي اتفاقية لا تُقرأ علنًا ، ولا تُفكك بنودها أمام الرأي العام ، ستظل محاطة بالشك ، مهما حسنت النوايا ، و الثروات الوطنية لا تُدار في الغرف المغلقة ، بل في فضاء المساءلة.
أما الباب الأهم ، فهو باب العائد والسياد ، . فالتاريخ الحديث مليء بدول امتلكت الموارد ، لكنها لم تمتلك قرارها ، والسؤال الجوهري هنا : هل سيكون الأردن شريكًا حقيقيًا في القيمة المضافة ، أم مجرد مُورّد خام في سلسلة إنتاج عالمية لا يتحكم بها ؟ الفرق بين الحالتين هو الفرق بين دولة تبني مستقبلها ، وأخرى تبيع جزءًا منه.
من زاوية الفكر المحافظ الأردني ، لا يُرفض الاستثمار، بل يُعاد تعريفه ، فالحفاظ على قوت الناس واستقرارهم لا ينفصل عن الحفاظ على موارد الدولة وكرامتها الاقتصادية. التنمية ليست سباقًا نحو الأرباح السريعة ، بل بناءٌ تراكمي يحفظ الأرض والإنسان معًا. وأي مشروع لا يحقق هذه المعادلة ، مهما بدا مغريًا ، هو مشروع ناقص في جوهره.
إن اختبار أبو خشيبة ليس اقتصاديًا فحسب ، بل هو اختبار في الحكمة السياسية: هل تستطيع الدولة أن توازن بين الحاجة والحق ، بين الاستثمار والحماية ، بين الحاضر والمستقبل ؟ وفي النهاية ، قد يكون النحاس فرصة… وقد يكون فخًا. والفرق بينهما لا يُحدده وجود المعدن في الأرض ، بل طريقة استخراجه ، وشروط بيعه ، ومن يملك قراره ، فالأمم لا تُقاس بما تملك من ثروات ، بل بما تحسن حمايته منها.
حمى الله الاردن من كل كريهة





