نعيبهم… والعيب فينا
المهندس : عبدالكريم أبو زنيمة
تكثر هذه الأيام المطالب الشعبية بحل مجلس النواب والحكومة ، وتتضمن هذه المطالب الكثير من الأوصاف الشنيعة لأعضاء المجلس وخاصة الذين صوتوا لصالح تمرير قانون الملكية العقارية وكذلك لأعضاء الحكومة ولبقية المسؤولين ، مثل هذه الهبّات الشعبية والتفاعل شهدناها في الكثير من المراحل الحرجة التي هددت وتهدد أمن الوطن وشكلت خطورة مباشرة على الوجود الأردني برمته ، لكنها للأسف بقيت مجرد ردود فعل آنية عديمة الجدوى والتأثير على مجريات الأمور ، او كما يقال مجرد زوبعة في فنجان لا أكثر .
والسؤال المنطقي لكل هؤلاء وأنا أحترم نبل ووطنية مواقفهم ومطالبهم وأضم صوتي لصوتهم ماذا جنينا من كل هذه المطالب الورقية أو الإعلامية ؟! ما هو حجم توقعاتنا من أؤلئك الذين أنفقوا الملايين للفوز بالمقعد النيابي ؟ هل سيتذكروننا بعد الفوز أم سيبحثون عن مصالحهم ؟ للأسف : وادي عربه مُرّرت وأصبحت واقعاً ! مشاريع الخصخصة وكل مشاريع السرسرة واللصوصية مُرّرت ! كل الاتفاقيات والمعاهدات مع الكيان الصه..يوني مُرّرت ! العبث بالتشريعات والدستور أُقرَّت ! تبرئة الفاسدين .. الجرائم الإلكترونية .. الكازينو…إلخ ، كله مُرّر بإمضاء وبصمة من انتخبناهم نحن – وغداً سننتخب من هم أسوأ منهم !!! صحيح أنّ هناك عبث وتزوير وتعيين وتخصيص لكل المجالس النيابة ، لكننا نحن شركاء ومساهمون وفاعلون في هذا العبث اللاوطني ، نحن من نلهث خلف هذه الانتخابات التي كلنا نعرف مسبقا بأنها مُهندسة أمنيا ومكفولة النتائج لصالح مؤسسة الفساد والأجندة اللاوطنية ومع هذا نصبغ عليها الشرعية الدستورية ، وخاصة الأحزاب السياسية التي كانت تنخرط في هذا العبث ولا تحصد إلّا النتائج المخزية .
الحقيقة الجليّة أن هناك سلطة حاكمة لا يهمها من هذا الوطن إلا كيانها ومصالحها وهي لن تفرط بها ، أصواتنا ومطالبنا الناعمة الخجولة لن تزيدهم إلا استهتارا بنا ، لا مبالاتنا بكل المخاطر التي تحيكها هذه السلطة لهذا الوطن وشعبه تضعنا في فوهة البركان الذي بات انفجاره ليس ببعيد ، وأيضا فإنّ الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن الوطن ليس برلماناً ولا حكومة وإنما شعباً يفرض إرادته عندما يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية ، وهذا ما نحن بحاجة إليه – الإرادة والوعي الشعبي ، لقد فشلنا أحزاباً ومؤسسات في توجيه الوعي الجمعي نحو الخطر الذي تشكله مؤسسة الفساد التي تعبث بالوطن ، وما دمنا نلعب في ملعب مؤسسة الفساد ونشاركها في إفراز من يمثلنا على مقاسهم وحسب متطلباتهم فلن نصل يوماً إلى بيئة سياسية أخلاقية ناضجة ولن ننتج أية حكومة وطنية دستورية ولن نحقق اقتصاداً منتجاً ، وباختصار فإن سلطة الحكم التي نص عليها الدستور لن تخرج يوما من رحم هذا الشعب .
ما نعيبه وننكره من فساد سياسي وأخلاقي ومالي وإداري ليس صنيعة السلطات الحاكمة وحدها ، وإنما نحن شركاء فيه ، نحن من نتعامل مع المحسوبية والوصولية والواسطة والرشى ، ونخلط بين الولاء للأشخاص والولاء للوطن ونهلّي ونرحب بالفاسدين ، أي أن هذا الفساد برمته هو الامتداد الطبيعي والمولود الشرعي للفساد المجتمعي عبر عقود من الزمن ، لذلك لن يتغير أي شيء حتى لو استجيب لمطالبنا وحُلّ مجلس النواب والحكومة فستأتي حكومة أخرى ومجلس نيابي أسوأ كثيراً من سابقيهم ، لن يتغير شيئأ إن لم يتغير العقل السياسي والأخلاقي والوطني للسلطة الحاكمة ، وهذا لن يحدث أيضاً ما دام الشعب حبيس جدران الخوف والرعب ، وما دامت الاحزاب الناشئة المهندسة والمدعومة أمنيا هي من تتصدر المشهد الحزبي والسياسي .
هناك فرصة واحدة لتغيير المشهد السياسي برمته وقلب الأمور بما يخدم المصالح الوطنية وإنقاذ الوطن ، بأن تتوحد كافة القوى السياسية المؤمنة بالأردن أرضاً وهوية وتاريخ (أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني وشخصيات وطنية مستقلة ) من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار على برنامج وطني أو جزء منه او خطوة اولى منه ، وكخطوة أولى مثلاً ” لن ننتخب إلّا بموجب قانون انتخابي ديمقراطي عصري نخطه ونقره بإرادتنا ” ، أو ( نطالب بتشكيل حكومة وطنية تتولى إجراء إصلاحات دستورية ) ، وبخلاف ذلك سنبقى ندور في دوائر المتاهة التي وضعتنا فيها مؤسسة الفساد ، لنعيد إنتاج نفس الوجوه الأكثر فساداً.
وأخيراً : فإنّ الدول لن تنهض بقبضات أجهزة أمنها ولا بعدد سجونها ولا بقوة سلاحها وثرواتها ومواردها ، وإنّما ببيئتها السياسية الديمقراطية المتحضرة وقيمها الأخلاقية والإنسانية وعدالتها الاجتماعية التي تجعل من قيمة وكرامة وحصانة الإنسان فيها الهدف الرئيس الذي لا يعلو فوقه هدف.
هذا المحتوى نعيبهم… والعيب فينا ظهر أولاً في سواليف.



