نعمة الألم قد تبدو عبارة غريبة للوهلة الأولى، فنحن عادة لا نرى في الألم سوى الجانب القاسي منه. عندما نخسر شخصاً، أو تنتهي علاقة، أو نفشل في أمر كنا نريده بشدة، يكون أول ما نفكر فيه هو كيف نتخلص من هذا الشعور ونعود إلى حياتنا السابقة. لكن علم النفس يتحدث عن جانب آخر للتجارب المؤلمة، وهو أن الإنسان قد يخرج منها أحياناً أكثر وعياً بنفسه وبالحياة.
وهذه الفكرة نجدها أيضاً في كتاب «نعمة الألم» للكاتبة نشوى صلاح، الذي يتعامل مع الألم من زاوية مختلفة، فلا يقدمه باعتباره شيئاً نبحث عنه أو نتمنى حدوثه، وإنما كتجربة يمكن أن تكشف للإنسان أشياء عن نفسه لم يكن ليراها في ظروف الراحة.
وفي هذا السياق، يمكن أن نتوقف عند فكرة أساسية يطرحها الكتاب، وهي أن الإنسان كثيراً ما يكتشف قوته الحقيقية عندما يمر بظرف يجبره على مواجهة نفسه، بعيداً عن الأشخاص والظروف التي كان يعتمد عليها.
وهذه الفكرة تلتقي مع ما يعرفه علماء النفس بـ«النمو ما بعد الصدمة»، وهو تغير إيجابي يمكن أن يحدث بعد المرور بأزمة أو تجربة شديدة الصعوبة. وقد طور عالما النفس ريتشارد تيديسكي ولورنس كالهون هذا المفهوم، وخلصت أبحاثهما إلى أن بعض الأشخاص قد يخرجون من التجارب القاسية بنظرة مختلفة للحياة، وبإحساس أكبر بقوتهم وقدرتهم على مواجهة الصعوبات.
هذا النمو قد يظهر في أشياء بسيطة لكنها مهمة: تقدير أكبر للحياة، اكتشاف قوة شخصية لم نكن نعرفها، إعادة ترتيب الأولويات، أو بناء علاقات أكثر عمقاً.
لكن هذا لا يعني أن الألم جيد في حد ذاته، أو أن كل من يمر بتجربة مؤلمة سيخرج منها أقوى. فالألم يمكن أن يكون ثقيلاً، وقد يحتاج الإنسان إلى وقت طويل حتى يستعيد توازنه. كما أن تجاوز التجربة لا يعني نسيانها، وإنما الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش معها دون أن تظل تتحكم في حياته.
وقد يكون هذا أحد أهم المعاني التي تجعل الألم تجربة مختلفة من شخص إلى آخر. ما يكسر شخصاً قد يصبح بالنسبة إلى شخص آخر نقطة بداية، وما يبدو في لحظته نهاية كل شيء قد يتحول بعد سنوات إلى السبب الذي دفع صاحبه إلى تغيير حياته.
قد تؤلمنا الخيبة، لكنها تجعلنا أكثر قدرة على معرفة ما نريده. وقد يؤلمنا الرحيل، لكنه يعلمنا ألا نتشبث بمن اختار الرحيل. وقد تنتهي علاقة كنا نظن أنها كل حياتنا، لنكتشف بعدها أن حياتنا أكبر من تلك العلاقة.
والأهم ألا نستعجل البحث عن «الحكمة» ونحن في منتصف الألم. هناك أوجاع تحتاج إلى أن نعيشها أولاً، وأن نعترف بها، وأن نمنح أنفسنا الوقت الكافي قبل أن نفهم ماذا تركت فينا.
فربما لا تكون نعمة الألم في أنه لم يؤذنا، وإنما في أنه، بعد أن يمر، يجعلنا نرى أنفسنا والحياة بطريقة لم نكن نعرفها من قبل.
وفي النهاية، قد لا نستطيع أن نشكر الألم عندما نكون في منتصفه، لكننا قد ننظر إليه يوماً ونفهم أنه لم يأخذ منا فقط، بل كشف لنا أيضاً ما كنا نملكه ولم نكن نعرف قيمته.


