كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
لم يكن إقرار نظام مستشفى الأمير حمزة عام 2008 مجرد استثناء إداري عابر، بل كان يحمل فكرة إصلاحية واضحة: منح مستشفى حكومي كبير استقلالية مالية وإدارية تمكنه من اتخاذ القرار بسرعة، واستقطاب الكفاءات، وتطوير الخدمات والتعليم والتدريب والبحث العلمي. وبعد 18 عاماً، تقرر إلغاء النظام وإعادة المستشفى إلى الإطار الإداري والمالي الموحد لوزارة الصحة.
المفارقة ليست في إلغاء هذا النظام بحد ذاته، وإنما في السؤال الذي يسبقه: هل كان المفروض إلغاء تجربة الاستقلالية، أم تقييمها وتطويرها وتوسيعها؟
من تجربة رائدة إلى خطوة إلى الوراء
كان من المفترض، إذا أثبتت تجربة الأمير حمزة جدوى الاستقلال الإداري والمالي، أن تكون الخطوة التالية هي تعزيزها وتطويرها، وربما تعميمها تدريجياً على المستشفيات الحكومية الكبرى، بدلاً من إلغائها.
وهذا يتقاطع مع فلسفة رؤية التحديث الاقتصادي التي تقوم على تحديث الإدارة العامة، وتعزيز الكفاءة واللامركزية، وإعادة النظر في أدوار المؤسسات الحكومية. بل ان تقرير البرنامج التنفيذي الحكومي 2023-2025 لرؤية التحديث الإقتصادي صفحة 69 نص على:"مراجعة التشريعات الناظمة لمستشفى الأمير حمزة (الإستقلالية) لتعميمها على مستشفيات القطاع العام".
لكن ما يحدث أقرب إلى الاتجاه المعاكس: بدلاً من نقل مزيد من الصلاحيات إلى المستشفيات وربطها بالمساءلة والنتائج، يجري استعادة المركزية وتوحيد الإدارة وإلغاء الإستقلالية!
وهنا تبرز مفارقة أكبر: رؤية التحديث الاقتصادي مشروع دولة عابر للحكومات، يفترض أن تستمر الحكومات المتعاقبة في البناء عليه، لا أن تتراجع عنه في بعض الملفات دون تقييم معلن يبرر هذا التحول.
ماذا تفعل الدول الناجحة؟
التجارب الدولية لا تقول إن المستشفى الحكومي يجب أن يتحول إلى مؤسسة منفصلة عن الدولة، وإنما تقول إن الاستقلالية التشغيلية يمكن أن تترافق مع الملكية الحكومية والرقابة والمساءلة.
في بريطانيا، منحت تجربة NHS Foundation Trusts المستشفيات مساحة أكبر في الإدارة والموارد واتخاذ القرار، مقابل أطر واضحة للأداء والمساءلة.
وفي سنغافورة، تحتفظ الدولة بدور قوي في التمويل والسياسات والتنظيم، بينما تعمل المؤسسات الصحية ضمن هياكل تمنحها مرونة تشغيلية وإدارية، مع توجه واضح نحو التكامل بين المستشفى والرعاية الأولية والمجتمع.
وتوجد نماذج مشابهة بدرجات مختلفة في دول مثل أستراليا ونيوزيلندا وهولندا ودول الشمال الأوروبي، حيث تتجه الإدارة الصحية الحديثة إلى تفويض القرار إلى المستوى الأقرب إلى تقديم الخدمة، مع تشديد الرقابة على النتائج والجودة والكلفة.
إذن الاتجاه العالمي ليس "خصخصة" المستشفيات الحكومية، ولا التخلي عن مسؤولية الدولة، بل الانتقال من الإدارة المباشرة إلى الحوكمة والمساءلة.
وماذا عن المجلس الصحي العالي؟
هنا تبرز علامة استفهام جوهرية. قبل أشهر أعلنت رئاسة الوزراء الإبقاء على المجلس الصحي العالي وإعادة تفعيله باعتباره خطوة لتعزيز الحوكمة الصحية وتوحيد المرجعيات، وأكدت أن المجلس سيعمل على وضع السياسات والاستراتيجيات الصحية، وأن المرحلة المقبلة ستعتمد على الأدلة والبيانات العلمية.
وهذا يضعنا أمام سؤال منطقي:
إذا كانت القرارات الصحية ستُبنى على الأدلة والبيانات، فأين هو التقييم المؤسسي المستقل لتجربة مستشفى الأمير حمزة قبل اتخاذ قرار إلغاء نظامه؟
هل أُجريت مقارنة علمية بين أداء المستشفى خلال فترة الاستقلال الإداري وأداء المستشفيات التي تعمل بالنظام المركزي؟
هل قورنت الكفاءة المالية والإنتاجية واستقطاب الكفاءات وجودة الخدمات والبحث والتعليم؟
وإذا كانت التجربة ناجحة جزئياً، فلماذا لا يجري إصلاح جوانب الضعف فيها بدلاً من إلغائها؟
هل نعالج مشكلة تشغيلية بقرار استراتيجي؟
يبدو أن أحد مبررات الإلغاء،كما أُعلنت، يرتبط بالحاجة إلى تحقيق التكامل الفاعل بين مستشفى الأمير حمزة ومستشفى عمّان الميداني الموجود في حرمه.
لكن هنا تظهر مشكلة كان يمكن توقعها منذ البداية. فالمستشفى الميداني يتبع إداريا وماليا وزارة الصحة، بينما كان مستشفى الأمير حمزة يعمل وفق نظام مستقل. وبالتالي فإن المريض الذي يصل إلى طوارئ المستشفى الميداني ويحتاج إلى الإدخال في الأمير حمزة قد يدخل في تعقيدات إدارية تتعلق بالإحالة والمرجعية والقبول، فضلاً عن مسائل أخرى تتعلق بالموارد والتشغيل.
لكن هل نعالج هذه المشكلة التشغيلية بإلغاء الاستقلال الإداري للمستشفى؟
هل يجوز لإجراء تشغيلي شكلي أن يفسد أو يلغي توجهاً استراتيجياً؟
كان يمكن معالجة المشكلة باتفاقية تشغيل وتكامل واضحة، وبروتوكولات إحالة موحدة، ونظام معلومات مشترك، وتفويض الصلاحيات اللازمة، وربما إنشاء إدارة تشغيلية مشتركة للمرافق المتجاورة.
أما تحويل مشكلة التنسيق بين مؤسستين إلى مبرر لإلغاء فلسفة الاستقلال الإداري، فيحتاج إلى حجة مقنعة أكبر.
لقد تغير دور وزارة الصحة
في منظومات الصحة الحديثة، لم تعد الوزارة مطالبة بأن تدير كل مستشفى وتفاصيله التشغيلية، بل أن تقود المنظومة من خلال السياسات والتشريع والتنظيم والرقابة وضمان الجودة. أما إدارة المؤسسات الصحية فتحتاج إلى مساحة من الاستقلال تمكنها من الاستجابة السريعة لاحتياجات المرضى والموارد والكفاءات. ومن هنا، فإن تحديث القطاع الصحي لا يقاس بعدد الصلاحيات التي تحتفظ بها الوزارة، بل بقدرتها على الحوكمة من دون أن تتحول إلى إدارة مركزية لكل التفاصيل.
الإشكالية ليست في إلغاء النظام… بل في فلسفة القرار
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بشأن مستشفى الأمير حمزة ليس ما إذا كان نظامه الخاص صالحاً أو غير صالح، وإنما هل اتخذ قرار إلغائه وفق تقييم موضوعي لتجربة امتدت 18 عاماً، أم استجابة لحاجة تشغيلية آنية؟
إذا كان الأردن يتجه نحو إدارة صحية قائمة على الأدلة والحوكمة، فإن إلغاء تجربة استقلالية مستشفى حكومي، كان الأولى أن تخضع للتقييم ثم التطوير والتوسع، تحتاج إلى تفسير يستند إلى البيانات لا إلى مقتضيات التنسيق الإداري.
فالإصلاح لا يعني العودة إلى المركزية، بل إعادة توزيع الصلاحيات بذكاء: وزارة تقود وتنظم وتراقب، ومستشفى يدير ويبتكر ويُحاسب على النتائج.