... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
137777 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6559 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

مستقبل حركات الإسلام السياسي الفلسطينية في ضوء التحولات الإقليمية والدولية وتداعيات الصراع العربي– الإسرائيلي

سياسة
وكالة قدس نت للأنباء
2026/04/08 - 23:59 502 مشاهدة
.st0{fill:#2C65A3;} nabd .img-responsive{max-width: 100%;height: auto;} الرئيسية أقلام وآراء تفاصيل الخبر مستقبل حركات الإسلام السياسي الفلسطينية في ضوء التحولات الإقليمية والدولية وتداعيات الصراع العربي– الإسرائيلي الخميس 09 ابريل 2026, 02:59 ص بقلم: عمر رحال جزء من هذه الدراسة نُشر في مجلة دراسات شرق أوسطية وهي مجلة محكّمة السنة 30 العدد (115)  ربيع  2026 الملخص باللغتين العربية والانجليزية الفصل الثاني : حركات الإسلام السياسي في فلسطين المبحث الأول:عوامل ظهور حركات الإسلام السياسي في فلسطين وتبلور فكرة المشروع الإسلامي المقاوم المبحث الثاني : التحولات الإقليمية وإعادة رسم بيئة حركات الإسلام السياسي الفصل الثالث : مستقبل حركات الإسلام السياسي : حدود التنبؤ السياسي والسيناريوهات المتوقعة المبحث الأول :حركات الإسلام السياسي وإشكاليات علاقتها ببعض الدول العربية المبحث الثاني:تحول حركات الإسلام السياسي في فلسطين:منطق الخيارات الصعبة وسيناريوهات المآلات هدفت هذه الدراسة إلى تحليل مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل التحولات العميقة التي تشهدها البيئة السياسية الإقليمية والدولية، مع التركيز على خصوصية الحالة الفلسطينية بوصفها سياقاً سياسياً غير مكتمل السيادة، يتداخل فيه الصراع التحرري مع أزمات التمثيل والانقسام الداخلي. وتناولت الدراسة حركات الإسلام السياسي باعتبارها فاعلاً سياسياً متحولاً، يتأثر ببنية النظام السياسي، وبسياسات الإقصاء والاحتواء، وبإعادة تعريف المجال العام، أكثر من تأثره بخياراته التنظيمية الذاتية فقط. واعتمدت الدراسة مقاربة تحليلية قائمة على استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذه الحركات، من خلال تفكيك المسارات الممكنة، وحدود كل مسار، والكلفة السياسية والمجتمعية المترتبة عليه. وخلصت الدراسة إلى أن حركات الإسلام السياسي لا تتجه نحو اختفاء نهائي، لكنها تواجه تضييقاً بنيوياً يعيد تشكيل أدوارها وأشكال حضورها، ويدفعها إلى خيارات قسرية في بيئة سياسية تتسم بانسداد الأفق وتراجع منطق الإدماج السياسي. كما خلصت إلى أن مأزق الإسلام السياسي في فلسطين يعكس، في جوهره، أزمة أوسع تتعلق بمستقبل  المشروع الوطني ، وليس أزمة تيار بعينه. This study aimed to analyze the future of political Islam movements amid the profound transformations reshaping the regional and international political environment, with particular attention to the specificity of the Palestinian case as a context of incomplete sovereignty, where the struggle for liberation intersects with crises of political representation and internal fragmentation. The study approaches political Islam movements as a dynamic and evolving political actor, influenced primarily by the structure of the political system, policies of exclusion and containment, and the redefinition of the public sphere, rather than being driven solely by their internal organizational choices. The study adopted an analytical approach grounded in scenario forecasting to explore the potential trajectories of these movements, through deconstructing possible pathways, identifying the limits of each trajectory, and assessing the political and societal costs associated with them. The findings conclude that political Islam movements are not heading toward definitive disappearance; however, they are facing structural constraints that reshape their roles and forms of presence, compelling them toward forced choices within a political environment characterized by blocked horizons and a decline in political inclusion. The study further concludes that the predicament of political Islam in Palestine fundamentally reflects a broader crisis related to the future of the national project, rather than a crisis confined to a particular political current. الكلمات المفتاحية:فلسطين،الإسلام السياسي، حركات الإسلام السياسي، مستقبل الإسلام السياسي، التحولات الإقليمية، التحولات الدولية، الحركات الإسلامية، السيناريوهات المستقبلية، الصراع العربي– الإسرائيلي، الإقصاء والاحتواء السياسي.  لم يعد ممكناً تناول حركات الإسلام السياسي بوصفها ظاهرة مستقرة أو مساراً يمكن فهمه من خلال منطق الصعود والهبوط التقليدي. فما تشهده المنطقة العربية اليوم يتجاوز فكرة التحول المرحلي، ليطال البنية العميقة للسياسة ذاتها، وحدود الفعل العام، وأشكال الشرعية الممكنة في ظل أنظمة سياسية مأزومة، وصراعات مفتوحة، وتدخلات إقليمية ودولية كثيفة. في هذا السياق، تغدو حركات الإسلام السياسي جزءاً من أزمة أوسع، لا مجرد فاعل داخلها، إذ تتقاطع مساراتها مع إعادة تشكيل الدولة، وانكماش المجال العام، وتغير وظيفة السياسة من أداة إدارة الخلاف إلى أداة ضبط وإقصاء. تنبع أهمية مقاربة مستقبل حركات الإسلام السياسي من كون هذه الحركات لم تنشأ في فراغ أيديولوجي، بل تشكلت تاريخياً كاستجابة لأزمات متراكمة في الشرعية، والتمثيل، والعدالة، والاستقلال الوطني. غير أن البيئة التي سمحت بصعودها في مراحل سابقة لم تعد قائمة بالشكل نفسه. فقد أعادت التحولات الإقليمية والدولية، وتبدل أولويات النظام العالمي، إنتاج شروط جديدة للفعل السياسي، تقلص فيها هامش المناورة، وتراجع فيها منطق الإدماج لصالح منطق الاحتواء أو الإقصاء أو التفكيك. في ظل هذه الشروط، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت حركات الإسلام السياسي ستستمر، بل كيف ستستمر، وبأي صورة، وعلى حساب أي دور سياسي أو اجتماعي. في الحالة الفلسطينية، تزداد هذه الإشكالية تعقيداً، لأن حركات الإسلام السياسي لم تكن مجرد تيار سياسي ينافس داخل دولة قائمة، بل فاعلاً نشأ في سياق تحرري استثنائي، حيث تداخلت المقاومة بالسياسة، والهوية الدينية بالهوية الوطنية، والتنظيم الحركي بالفراغ المؤسسي. هذا التداخل منح حركات الإسلام السياسي قدرة كبيرة على التعبئة والصمود، لكنه في الوقت ذاته حمّلها أدواراً متناقضة يصعب الاستمرار في إدارتها في ظل انسداد الأفق السياسي، واستمرار الاحتلال، وتعثر المشروع الوطني، وانقسام البنية التمثيلية الفلسطينية. من هنا، لا تنطلق هذه الدراسة من فرضية الحتميات الجاهزة، ولا من سرديات الأفول أو الانتصار، بل من محاولة تفكيك لحظة تاريخية يتراجع فيها اليقين السياسي، وتتداخل فيها الخيارات القسرية مع الخيارات الطوعية. فمستقبل حركات الإسلام السياسي لا يختزل في قرار تنظيمي، ولا يحسم بإرادة داخلية فقط، بل يتشكل عند تقاطع ضغوط السلطة، وموازين الإقليم، وحسابات المجتمع الدولي، وتحولات المزاج الشعبي، وحدود القدرة على الاستمرار في الجمع بين المقاومة والسياسة في آن واحد. تتبنى الدراسة مقاربة نقدية غير أيديولوجية، تتعامل مع حركات الإسلام السياسي بوصفها فاعلاً سياسياً يتحرك ضمن بنية قوة مركبة، تحكمها اعتبارات السلطة والشرعية والمصلحة، لا بوصفها مجرد حامل لخطاب ديني أو مشروع أخلاقي. وتسعى هذه المقاربة إلى تجاوز الثنائيات السائدة في تحليل الظاهرة، مثل الاعتدال والتطرف أو الشرعية والتهديد. وإلى جانب ذلك، تعد هذه الدراسة من الدراسات المستقبلية "الاستشرافية"، إذ لا تتناول مستقبل الإسلام السياسي بوصفه سؤالاً يُحسم عبر التنبؤ بمصير تيار بعينه أو قياس احتمالات بقائه أو تراجعه، بل تقاربه كسؤال مفتوح حول شكل السياسة الممكنة في فلسطين والمنطقة. وفي هذا السياق، تسعى الدراسة إلى فهم كيفية إعادة صياغة الأدوار داخل الحقل السياسي، وكيفية تضييق البدائل أمام الفاعلين، وكيف تتحول الخيارات من مشاريع تغيير إلى مسارات بقاء وإدارة أزمة. ومن ثم، لا تبحث الدراسة عن إجابات نهائية بقدر ما تهدف إلى تقديم إطار تحليلي يساعد على قراءة التحولات الجارية وفهم كلفة كل مسار محتمل، في واقع لم يعد يسمح بالحلول السهلة ولا بالعودة إلى صيغ تجاوزها الزمن. تنبع مشكلة هذه الدراسة من غياب رؤية تحليلية متكاملة تفسر مستقبل حركات الإسلام السياسي في سياق دولي وإقليمي يشهد تحولات عميقة ومتشابكة، وفي ظل عودة الصراع العربي-الإسرائيلي إلى مركز المشهد السياسي بوصفه عاملاً بنيوياً يعيد تشكيل أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين. فرغم كثافة الأدبيات التي تناولت الإسلام السياسي خلال العقود الماضية، إلا أن معظمها عالج الظاهرة من زوايا جزئية، إما أيديولوجية أو أمنية أو توصيفية، دون الربط المنهجي بين التحولات البنيوية المحيطة بها ومساراتها المستقبلية المحتملة. وتتجلى إشكالية الدراسة بشكل خاص في التناقض القائم بين استمرار الحضور الشعبي لبعض حركات الإسلام السياسي، لا سيما في ظل تصاعد الأزمات والصراعات، وبين التراجع الواضح في قدرتها على ممارسة فعل سياسي مؤسسي فاعل داخل الدولة الحديثة. هذا التناقض يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الحضور، هل يعكس قدرة حقيقية على التحول إلى قوة سياسية قابلة للحكم والتأثير، أم أنه حضور تعبوي مؤقت تحكمه السياقات الاستثنائية؟ كما تتعمق مشكلة الدراسة في استمرار المقاربات السائدة التي تختزل حركات الإسلام السياسي إما في كونه تهديداً أمنياً يجب احتواؤه أو إقصاؤه، أو بديلاً سياسياً جاهزاً يعول عليه في لحظات الفراغ والاضطراب، دون تفكيك بنيته التنظيمية والفكرية، ودون تحليل تحولاته الداخلية واستجاباته للضغوط الإقليمية والدولية. هذا الاختزال يعيق فهماً موضوعياً لمسارات الإسلام السياسي، ويحول دون تقييم حقيقي لقدراته وحدوده. وفي هذا الإطار، تحاول الدراسة معالجة سؤال مركزي يتمحور حول طبيعة الأزمة التي تواجهها حركات الإسلام السياسي في المرحلة الراهنة، هل هي أزمة سياق فرضتها تحولات البيئة الإقليمية والدولية؟ أم أزمة بنية تعكس اختلالات داخلية في التنظيم والخطاب؟ أم أزمة مشروع سياسي لم يعد قادراً على تقديم إجابات مقنعة لمجتمعات تعيش تحولات عميقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تشكل المدخل الرئيس لاستشراف مستقبل هذه الحركات في المرحلة القادمة. اعتمدت هذه الدراسة المنهج التحليلي - السياسي بوصفه المدخل الرئيس لفهم سلوك حركات الإسلام السياسي في بيئات سياسية متغيرة ومعقدة. وينطلق هذا المنهج من تحليل السياقات التي تتحرك فيها هذه الحركات، والعوامل المؤثرة في قراراتها وخطابها، وعلاقاتها مع الدولة والمجتمع والفاعلين الإقليميين والدوليين، بما يسمح بفهم الظاهرة في إطارها السياسي الواقعي لا بوصفها مجرد تعبير أيديولوجي. كما توظف الدراسة المنهج التاريخي المقارن لتتبع تطور حركات الإسلام السياسي عبر مراحل زمنية مختلفة، ولا سيما المقارنة بين ما قبل التحولات الإقليمية الكبرى التي شهدها العالم العربي منذ عام 2011 وما بعدها. ويتيح هذا المنهج الكشف عن أنماط الاستمرارية والتغير في بنية هذه الحركات وخياراتها السياسية، وفهم كيفية تفاعلها مع التحولات المفصلية التي أعادت تشكيل المجال السياسي في المنطقة. وفي إطار استشراف المستقبل، تستخدم الدراسة منهج تحليل السيناريوهات، انطلاقاً من قراءة الاتجاهات الواقعية القائمة والمعطيات السياسية الراهنة، دون الانزلاق إلى التنبؤات المجردة. ويهدف هذا المنهج إلى رسم مسارات محتملة لمستقبل حركات الإسلام السياسي، مع تحديد الشروط والسياقات التي قد تدفع باتجاه كل سيناريو، سواء تعلق الأمر بالأفول أو التحول أو إعادة التشكل. وأخيراً، استندت الدراسة إلى مصادر أولية وثانوية متنوعة، تشمل أدبيات سياسية وفكرية، ودراسات تحليلية معمقة، ووثائق وتقارير ذات صلة. تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن حركات الإسلام السياسي لا تتجه نحو الزوال الكامل في المدى المنظور، لكنها تواجه تحولاً قسرياً وعميقاً في أشكالها التنظيمية، وأدوارها السياسية، وخطابها العام، وذلك بفعل التغيرات البنيوية التي فرضتها التحولات الإقليمية والدولية، إلى جانب إعادة تموضع الصراع العربي- الإسرائيلي بوصفه عاملاً مركزياً في إعادة تشكيل المجال السياسي في المنطقة. الفصل الثاني : حركات الإسلام السياسي في فلسطين المبحث الأول:عوامل ظهور حركات الإسلام السياسي في فلسطين وتبلور فكرة المشروع الإسلامي المقاوم لم يكن بروز الحركة الإسلامية في فلسطين بمعزل عن محيطها العربي والإقليمي، بل جاء ضمن سياق عام شهدته المنطقة منذ أربعينيات القرن الماضي، حيث برزت تحولات سياسية وفكرية متلاحقة أثّرت في إعادة تشكيل المجال العام. ففي الستينيات هيمنت التيارات القومية والناصرية واليسارية، ثم ساهمت هزيمة عام 1967 في إضعاف مشروعها وفتح المجال تدريجياً لصعود الخطاب الديني[1]. وفي السبعينيات، ومع وصول أنور السادات إلى الحكم في مصر، شهدت الجماعات الإسلامية نمواً ملحوظاً بعد الإفراج عن مئات المعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين وجماعات أخرى، بل وتشجيع وجودها داخل الجامعات لتكون قوة اجتماعية قادرة على محاصرة التيار الناصري واليساري ، الأمر الذي خلق مناخاً عربياً عاماً ساعد لاحقاً في تهيئة بيئة فكرية وتنظيمية لظهور وتبلور الحركة الإسلامية في فلسطين. في هذا السياق، استخدم السادات الحركات الإسلامية كرأس حربة في مواجهة خصومه السياسيين[2]، معتمداً على قدرتها على التعبئة الشعبية وعلى خطابها الديني الذي وجد صدى لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل تراجع الخطاب القومي بعد هزيمة عام 1967. غير أن هذا التوظيف السياسي للإسلام لم يكن خالياً من التناقضات، إذ سرعان ما ارتد جزء من هذه الحركات على السلطة نفسها، لا سيما بعد التحولات الكبرى التي أقدم عليها السادات في السياسة الخارجية. فقد شكلت زيارته إلى القدس المحتلة، وإلقاؤه خطاباً أمام الكنيست الإسرائيلي، ثم توقيعه معاهدة كامب ديفيد، لحظة مفصلية أعادت رسم العلاقة بين الدولة والحركات الإسلامية، وأظهرت حدود التحالف القائم على المصالح الظرفية. هذا المناخ الإقليمي ترك أثره غير المباشر على فلسطين، حيث أسهم في تهيئة بيئة فكرية وتنظيمية سمحت بتبلور الحركة الإسلامية الفلسطينية لاحقاً، سواء من حيث البنية التنظيمية أو من حيث الخطاب الذي جمع بين المرجعية الدينية ومفهوم المقاومة. فصعود الإسلام السياسي في مصر وغيرها من الدول العربية وفر نموذجاً قابلاً للاستلهام، حتى وإن اختلفت السياقات الوطنية، وأسهم في نقل فكرة أن الإسلام يمكن أن يكون إطاراً للعمل السياسي والاجتماعي في مواجهة الاحتلال أو الاستبداد. من هنا، يمكن القول إن نشأة الحركة الإسلامية في فلسطين لم تكن حدثاً معزولاً أو استثنائياً، بل جاءت ضمن موجة إقليمية أوسع، تشكلت بفعل تداخل حسابات الأنظمة، وصراعاتها مع خصومها الداخليين، والتحولات الكبرى في الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي. كما أن من عوامل ظهور الحركات الإسلامية، والتي يرجع سبب ظهورها إلى واقع اجتماعي وسياسي وثقافي، ومجموعة أزمات حدثت في الوطن العربي وهي، أزمة الشرعية، أزمة العدالة الاجتماعية، وأزمة الهزائم العسكرية[3]. وقد تأثرت فلسطين كغيرها من الأقطار العربية بالصحوة الإسلامية، فقد شهدت تطوراً واضحاً وملحوظاً في نمو وانتشار حركات الإسلام السياسي،التي انتهجت مبدأ الوعي والإصلاح لاستقطاب الجماهير،الأمر الذي جعل الحركة الإسلامية تنمو وتتطور فكرةً وتنظيماً، في فلسطين المحتلة، وأصبح التيار الإسلامي في فلسطين يدرك أنه يواجه تحدياً عظيماً مرده أمران اثنان،الأول، تراجع القضية الفلسطينية إلى أدنى سلم أولويات الدول العربية. والثاني، تراجع مشروع الثورة الفلسطينية من مواجهة المشروع الصهيوني وإفرازاته إلى موقع التعايش معه وحصر الخلاف في شروط هذا التعايش. وفي ظل هذه التراجعات وتراكم الآثار السلبية لسياسات الاحتلال القمعية ضد الشعب الفلسطيني، ونضوج فكرة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها، كان لا بد من مشروع فلسطيني إسلامي جهادي. حسب أصحابه ، بدأت ملامحه في أسرة الجهاد عام 1981 ومجموعة الشيخ أحمد ياسين عام 1983 وغيرها[4]. وفي أوائل الثمانينات وبعد عودة الدكتور فتحي الشقاقي إلى قطاع غزة تم بناء القاعدة التنظيمية لحركة الجهاد الإسلامي، وبدأ التنظيم خوض غمار التعبئة الشعبية والسياسية في الشارع الفلسطيني بجانب الجهاد المسلح ضد العدو "إسرائيل"، كحل وحيد لتحرير فلسطين، متأثراً  بالثورة الإيرانية[5]، حيث يرى الدكتور الشقاقي في الثورة الإيرانية أنها قدمت نموذجاً للإسلام المقاوم والثوري أكد قدرة الإسلام على الفعل السياسي المؤثر وقيادة الجماهير، كما أعطى الإمام الخميني لحياة الإيرانيين وبقية المسلمين معنى جديداً في عالم تسيطر عليه قيم المادة والإفساد[6]. حيث كان هناك تأثير واضح للثورة الإسلامية في إيران على الإقليم ، لا سيما على فلسطين ،حيث رأى بعض الفلسطينيين أن الجهاد ضد "إسرائيل"  بكل أشكاله واجب ديني لكل مسلم[7]. ومع نهايات عام 1987 كانت الظروف قد نضجت لبروز مشروع جديد يواجه المشروع الصهيوني وامتداداته ويقوم على أسس جديدة تتناسب مع التحولات الداخلية والخارجية، فكانت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"[8] التعبير العملي عن تفاعل هذه العوامل[9]. فقد نشأت في سياق تراكمي فرضته التحولات السياسية العميقة التي مرت بها القضية الفلسطينية، وما آلت إليه مسارات العمل الوطني. فظهور حركة "حماس" لم يكن حدثاً مفاجئاً أو معزولاً، بل جاء نتيجة تفاعل بين عاملين رئيسيين، الأول يتمثل في التطورات السياسية التي أصابت المشروع الوطني الفلسطيني، والثاني يرتبط بتنامي الصحوة الإسلامية داخل المجتمع الفلسطيني،حيث شرعت جماعة الأخوان المسلمين بتأسيس أنوية عمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة والخارج لتأسيس الحركة[10] . على المستوى السياسي، شهدت القضية الفلسطينية خلال تلك المرحلة حالة من الإرباك والتراجع في برنامج الثورة الفلسطينية الذي تبلور داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية، خاصة مع انتقال مركز الثقل السياسي من خطاب التحرر الشامل إلى مسارات أكثر براغماتية. فقد تعرض هذا البرنامج إلى سلسلة من الانتكاسات الداخلية والخارجية، تمثلت في الخلافات الفصائلية، وتراجع الفعل الثوري داخل الأراضي المحتلة، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية التي سعت إلى احتواء المنظمة وإعادة توجيهها نحو مسارات تفاوضية. هذه التحولات أسهمت في إضعاف الرؤية الجامعة للثورة الفلسطينية، وأحدثت فجوة بين الخطاب السياسي السائد آنذاك وبين المزاج الشعبي الفلسطيني، الذي كان يرزح تحت وطأة الاحتلال المباشر وسياساته القمعية. تزامن ذلك مع صعود واضح للصحوة الإسلامية في فلسطين، التي كانت قد راكمت حضوراً اجتماعياً واسعاً من خلال العمل الدعوي والخيري والمؤسسات التعليمية، وشكلت شبكة تنظيمية قادرة على التفاعل مع الشارع الفلسطيني. هذا الحضور لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي في بداياته، لكنه وفر قاعدة اجتماعية صلبة سرعان ما تحولت، مع اندلاع الانتفاضة الأولى، إلى رافعة سياسية ومقاومة. وفي 18آب عام 1988 أصدرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ميثاقاً وضعت فيه فلسفتها ومبرر وجودها ومواقفها من القضايا المختلفة. ويستمد هذا الميثاق معظم مبادئه من فكر جماعة الإخوان المسلمين، ووزعت حركة "حماس"بيانها التأسيسي في15 كانون الأول1987[11]. وقد عبرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في أحد نداءاتها عن هذا التوجه الجديد لدى الحركة الإسلامية، حيث قالت "إن ما يحدث اليوم على هذه الأرض المباركة إنما هو صياغة جديدة للأمة الإسلامية وللجيل المسلم الذي يحمل راية الإسلام"[12] . كما أن التنافس بين الحركة الوطنية والإسلامية في الأراضي المحتلة ، بل والمنافس لمنظمة التحرير الفلسطينية بشكل واضح كان من خلال انتخابات مجالس الطلبة[13]، والنقابات المهنية في الثمانينات. وقد كانت الشهور الأولى للانتفاضة، الفترة التي أصدرت فيها "حماس" تعليمات مستقلة عن تعليمات القيادة الموحدة للانتفاضة التي تشكلت من ممثلين عن المجموعات الرئيسة في منظمة التحرير الفلسطينية، حيث بدأت باستخدام البيانات التي تحمل مضامين دينية ، مقتبسة من القرآن الكريم[14]. وقد كان التحدي الذي واجهته منظمة التحرير الفلسطينية في دخول "حماس" في النظام السياسي الفلسطيني تتويجاً لعملية تاريخية طويلة ومعقدة. ففي حين فضلت الحركة العمل من خارج المنظمة والتنافس معها على جبهة التمثيل الفلسطيني، رفضت الاعتراف بالسلطة، واتبعت إستراتيجية جمعت بين المواجهة العسكرية مع الاحتلال والمواجهة السياسية مع قيادتها. بيد أن الانتفاضة الثانية خلقت مناخاً مغايراً عزز التفاهم المبدئي ومن ثم التعاون التنافسي، والذي وصل في بعض الأحيان إلى التصادم، ولم تستطع حركة "فتح" بخبرتها وتجربتها الكبيرة استخدام أي من أشكال المساومة مع حركة "حماس" كما كانت تفعل مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية[15]. هذا التفاهم لم يكن قائماً على اندماج أو وحدة برنامجية، بل على تقاطع ظرفي في مواجهة الاحتلال ،ما أفضى إلى نمط من التعاون التنافسي، اتسم أحياناً بالتنسيق وأحياناً أخرى بالتصادم ، بحسب توازنات القوة وتحولات المزاج الشعبي[16] وبهذا، لم يكن الخلاف بين الطرفين خلافاً على الحصص أو المواقع، بل على طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ذاته، وحدود العلاقة بين المقاومة والسلطة، ومصدر الشرعية في سياق تحرري لم يكتمل بعد. اختيار "حماس" العمل من خارج منظمة التحرير لم يكن تعبيراً عن قطيعة مطلقة بقدر ما كان خياراً سياسياً محسوباً[17]، أتاح لها الحفاظ على استقلالية خطابها وممارستها، وتجنب الالتزامات السياسية والقانونية التي ارتبطت بالمنظمة بعد انخراطها في مسارات التسوية. هذا التموضع الخارجي سمح للحركة بمنافسة المنظمة على جبهة التمثيل، وهو ما جعل الاعتراف بالسلطة الفلسطينية، بوصفها نتاجاً لمسار سياسي مرفوض من وجهة نظر الحركة، أمراً يتعارض مع منطقها السياسي وخطابها التعبوي[18]. خلاصة القول فإن صعود حركات الإسلام السياسي المقاوم في فلسطين لم يكن حدثاً طارئاً أو نتاج ظرف عابر، بل كان تحولاً بنيوياً تشكل تدريجياً. في ظل سياق فلسطيني تراكمت فيه سياسات الاحتلال القمعية، وتراجعت فيها مركزية القضية فلسطينياً وعربياً، وبرزت فجوة متزايدة بين المزاج الشعبي المقاوم وبين مسارات العمل الوطني الرسمية التي اتجهت إلى البراغماتية . لذلك فإن فهم حركات الإسلام السياسي لا يمكن اختزاله في بعدها الديني أو الدعوي، بل يجب قراءته بوصفه إعادة تشكيل لمعادلة الشرعية والتمثيل داخل النظام السياسي الفلسطيني، الأمر الذي جعل من حركات الإسلام السياسي فاعلاً في إعادة ترتيب المجال السياسي الفلسطيني وصناعة بدائل قادرة على المنافسة، لا كمجرد ردة فعل بل كجزء من إعادة إنتاج السياسة نفسها تحت الاحتلال. المبحث الثاني : التحولات الإقليمية وإعادة رسم بيئة حركات الإسلام السياسي تشير التحولات الإقليمية التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى أن بيئة حركات الإسلام السياسي لم تعد بيئة ثابتة أو قابلة للفهم من خلال نماذج تفسيرية تقليدية، بل أصبحت فضاءً متغيراً تحكمه تفاعلات معقدة بين الدولة والمجتمع والإقليم والنظام الدولي[19].  فحركات الإسلام السياسي، بوصفها ظاهرة سياسية واجتماعية، لم تنشأ في فراغ، ولم يتطور بمعزل عن السياقات التي أنتجته، بل ظل على الدوام مرتبطاً بأزمات الشرعية، وباختلال العلاقة بين السلطة والمجتمع،وللفراغ السياسي الذي تسبب الاستبداد السياسي في إنتاجه[20]، وبفشل مشاريع الدولة الوطنية في تحقيق العدالة والتمثيل والاستقلال. غير أن هذه العوامل البنيوية، على أهميتها، لم تعد كافية وحدها لفهم موقع حركات الإسلام السياسي اليوم، بعد أن أعادت التحولات الإقليمية رسم شروط الفعل السياسي وحدود الممكن. في مرحلة ما قبل عام 2011، كانت حركات الإسلام السياسي تتحرك ضمن معادلة شبه مستقرة قوامها التعايش القسري مع الدولة السلطوية. فقد سمحت بعض الأنظمة بهوامش محدودة لعمل الحركات الإسلامية،سواء عبر المشاركة المقيدة في الانتخابات أو عبر النشاط الاجتماعي والدعوي، في مقابل التزام هذه الحركات بعدم تجاوز خطوط حمراء تتعلق بطبيعة النظام أو علاقاته الإقليمية.هذا النمط،كما يوضح ألفرد ستيبان،أن الصراع بين الدولة والحركات الإسلامية لم يكن صراعاً صفرياً، بل عملية إدارة توتر مستمرة[21].إلا أن هذا التوازن كان هشاً بطبيعته، وقابلاً للانهيار عند أول اختبار بنيوي كبير. جاءت الانتفاضات العربية لتشكل هذا الاختبار. فقد كشفت هذه اللحظة التاريخية عن قدرة حركات الإسلام السياسي على التحول من فاعل اجتماعي هامشي أو معارض مراقب إلى فاعل سياسي مركزي قادر على ملء الفراغ الذي خلفه انهيار أو تراجع شرعية النخب الحاكمة. غير أن هذا الصعود السريع لم يكن نتاج قوة ذاتية خالصة، بقدر ما كان انعكاساً لأزمة الدولة الوطنية العربية نفسها. وكما يشير جيلبرت الأشقر، فإن الإسلام السياسي لم يقُد الثورات، لكنه كان الأكثر جاهزية للاستفادة من نتائجها المؤقتة[22] . غير أن المرحلة اللاحقة للعام 2013 كشفت عن مسار معاكس، تمثّل في إعادة إنتاج السلطوية بصيغ أكثر تشدداً، مدعومة بتوافقات إقليمية ودولية رأت في صعود حركات الإسلام السياسي تهديداً للاستقرار الإقليمي. في هذا السياق، لم تعد حركات الإسلام السياسي ينظر إليها بوصفها تيارات سياسية يمكن احتواؤها أو التفاوض معها، بل أعيد تعريفها في كثير من الحالات كخطر أمني أو تهديد وجودي للدولة. هذا التحول لم يكن معزولاً عن إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، حيث أصبح الموقف من حركات الإسلام السياسي جزءًا من معادلات الصراع والنفوذ بين الدول، لا مجرد خيار داخلي لكل دولة على حدة.[23] وعلى الصعيد الإقليمي فقد أدى ارتباط بعض هذه الحركات بمحاور إقليمية معينة إلى إدراجها ضمن صراعات لا ترتبط مباشرة بالقضية الفلسطينية، وهو ما أسهم في تعقيد موقعها السياسي، إقليميا[24].أما على المستوى الدولي، فقد أسهم تغيّر أولويات القوى الكبرى في إعادة رسم البيئة المحيطة بحركات الإسلام السياسي. فبعد أن كان خطاب دعم الديمقراطية يشكل أحد مكونات السياسة الغربية تجاه المنطقة، أصبح الاهتمام منصباً على إدارة الأزمات، ومكافحة "الإرهاب"، ومنع تفكك الدول، حتى وإن جاء ذلك على حساب التعددية السياسية. وقد أتاح هذا التحول لبعض الأنظمة مساحة أوسع لإقصاء تلك الحركات دون أن تواجه كلفة دولية تذكر، كما قلص قدرة هذه الحركات على الاتكاء على شرعية خارجية أو الحصول على مظلة حماية سياسية.[25] في ضوء هذه المعطيات، يصبح من الصعب التعامل مع واقع حركات الإسلام السياسي بمنطق الصعود والانحدار التقليديين، أو اختزاله في ثنائية النجاح والفشل. فالمشهد الراهن لا يعكس نهاية الظاهرة بقدر ما يكشف عن انتقالها من حالة الفعل العلني والمنظم إلى حالة أكثر تعقيداً، تتوزع بين الحضور الاجتماعي والانكفاء السياسي.لذلك تلك الحركات لم تخرج من المجال العام، ولم تتلاش من وعي المجتمعات، لكنها فقدت الكثير من قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى نفوذ سياسي،سواء بسبب القمع أو بسبب إعادة ضبط قواعد اللعبة السياسية نفسها. هذا التحجيم السياسي لا يعني أن الأسباب التي أفرزت حركات الإسلام السياسي قد تراجعت أو اختفت. على العكس، فإن كثيراً من هذه الأسباب ما زال قائماً، بل ربما ازداد حدة في بعض السياقات. أزمات الشرعية، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتراجع العدالة الاجتماعية، واستمرار أنماط الحكم المغلقة، كلها عوامل ما زالت تنتج شعوراً عاماً بالاغتراب السياسي. غير أن الفرق اليوم هو أن هذه العوامل لم تعد تجد منفذاً تنظيمياً واضحاً كما في السابق، بعد تفكيك البنى الحركية الكبرى أو شلها. وهنا تكمن المفارقة،تم تأجيل الانفجار لا معالجته،ما يخلق حالة من الاستقرار الظاهري الذي يقوم على الضبط الأمني أكثر مما يقوم على التوافق الاجتماعي. هذا النوع من الاستقرار يحمل في داخله توترات بنيوية، لا تعبر عن نفسها عبر تنظيمات كبيرة أو شعارات جامعة، بل عبر أنماط متفرقة من الاحتجاج، أو عبر تحولات في السلوك الفردي والجماعي. ومع تراجع قدرة التنظيمات التقليدية على التعبئة، يبرز احتمال أن تعود هذه التوترات في أشكال أقل قابلية للضبط، وأكثر فردانية، حيث يصبح الفعل السياسي مشتتاً، وغير مرتبط بمرجعيات واضحة، وأحياناً أكثر راديكالية أو أكثر انسحاباً من المجال العام. هذا التحول لا يعكس بالضرورة قوة أو ضعفاً، بل يعكس تغيراً في شكل التعبير السياسي نفسه. في هذا السياق، تبدو التحولات الإقليمية وكأنها لم تطوِ صفحة حركات الإسلام السياسي، بل أعادت كتابتها بقواعد جديدة. لم يعد المجال مفتوحاً أمام الحركات الإسلامية لتقديم نفسها كمشاريع تغيير شاملة قادرة على ملء الفراغ الذي تتركه الدولة،وفي الوقت نفسه، لم تنجح الأنظمة في إقصائها نهائياً أو محو أثرها الاجتماعي والثقافي.هذا الوضع الوسيط خلق حالة من التعليق السياسي، حيث لا الحركات قادرة على الحسم،ولا الدولة قادرة على الإغلاق الكامل. المرحلة الراهنة تبدو بذلك مرحلة انتقالية طويلة، لا تتسم بالوضوح أو الاستقرار الحقيقي، بل بالتداخل المستمر بين القمع والتكيف. فبعض الفاعلين داخل حركات الإسلام السياسي يحاولون إعادة صياغة خطابهم وأدواتهم، والبحث عن صيغ أقل صدامية وأكثر مرونة، في حين يختار آخرون الانكفاء إلى العمل الاجتماعي أو الفردي، أو الانسحاب من المجال العام تماماً. وفي المقابل، تمارس الدولة أشكالاً مختلفة من الضبط، تجمع بين الاحتواء الانتقائي والإقصاء الحاسم، دون أن تمتلك رؤية شاملة لمعالجة جذور الأزمة. هذا التداخل بين الانكفاء وإعادة التشكل يجعل من حركات الإسلام السياسي ظاهرة غير ‏منتهية، لكنها أيضاً غير مكتملة التحول. هو حاضر بغيابه، ومؤثر حتى حين يبدو هامشياً، ‏لأن الأسئلة التي تطرح حول الهوية والعدالة والشرعية لم تجد إجابات بعد. ومن هنا، فإن تلك الحركات لا ينبغي أن تنطلق من السؤال عما إذا كان قد انتهىت أو فشلت، ‏بل من محاولة فهم الكيفية التي يعاد بها إنتاج السياسة ذاتها في المنطقة، ومن خلالها يعاد ‏تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، وحدود الفعل الجماعي، وأشكال التعبير الممكنة في زمن ما بعد ‏اليقينيات الكبرى‎ ، ‎بهذا المعنى، لا تمثل تلك الحركات مجرد فصل في تاريخ سياسي آخذ في الانغلاق، بل يشكل مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع في المنطقة. فطالما بقيت شروط التوتر قائمة، سيظل السؤال مفتوحاً، حتى وإن تغيرت الأسماء والأشكال والوسائط التي يعبر من خلالها. الفصل الثالث : مستقبل حركات الإسلام السياسي : حدود التنبؤ السياسي والسيناريوهات المتوقعة لا يمكن الحديث عن مستقبل حركات الإسلام السياسي بوصفه تمريناً تنبؤياً بسيطاً، ولا باعتباره مساراً خطياً يمكن رسمه مسبقاً بثقة. نحن أمام ظاهرة سياسية تشكلت في سياق صراعي طويل، وتعرضت لتحولات حادة، وتقاطعت مع الدولة والمجتمع والهوية والمقاومة في آن واحد. في الحالة الفلسطينية، تزداد هذه التعقيدات عمقاً، لأن حركات الإسلام السياسي لم تكن مجرد فاعل سياسي، بل كان جزءًا من البنية الوطنية، ومن سردية الصراع. تنطلق هذه المقاربات من قناعة أساسية مفادها أن مستقبل حركات الإسلام السياسي لا يحدد فقط من داخلها، ولا يحسمه قرار تنظيمي أو أيديولوجي، بل يتشكل عند تقاطع عوامل متعددة، بنية النظام السياسي الفلسطيني، طبيعة الاحتلال المستمرة، مواقف الإقليم، حسابات المجتمع الدولي، وتحولات المزاج الاجتماعي الداخلي. لذلك لا يفترض هذا النص سيناريو واحداً حتمياً، بل يتعامل مع مجموعة من السيناريوهات المتوازية والمحتملة، بوصفها أدوات تحليل تساعد على فهم الاتجاهات الممكنة، لا على التنبؤ القاطع بما سيحدث. ما يميز المقاربة المعتمدة هنا أنها لا تنطلق من سؤال هل تنجح حركات الإسلام السياسي أو تفشل، بل من سؤال أعمق،كيف تعيد هذه الحركات تعريف ذاتها في بيئة سياسية تضيق باستمرار، وكيف يعاد تعريفها من قبل السلطة، ومن قبل الإقليم، ومن قبل المجتمع الدولي. فالتحول إلى حزب سياسي، أو التعرض للحظر، أو الاجتثاث، أو محاولة إنتاج اتجاه إسلامي جديد، أو الاندماج في منظمة التحرير، أو العودة إلى المقاومة المسلحة، ليست اختيارات معزولة، بل ردود فعل محتملة على انسداد سياسي طويل، وعلى غياب أفق وطني جامع. في السياق الفلسطيني، لا يمكن فصل هذه السيناريوهات عن أزمة التمثيل، وعن الانقسام الداخلي، وعن التوتر الدائم بين السياسة والمقاومة. كل سيناريو يعكس رؤية مختلفة لمكانة حركات الإسلام السياسي في المشروع الوطني، ولمدى قدرته على التكيف أو الصدام، وعلى البقاء داخل السياسة أو الخروج منها قسراً أو اختياراً. لذلك لا يتعامل هذا النص مع السيناريوهات بوصفها بدائل تقنية، بل بوصفها مسارات تحمل كلفة سياسية واجتماعية متفاوتة، ليس فقط على الحركات المعنية، بل على المجتمع الفلسطيني ككل. هنا لا أدافع عن سيناريو بعينه، ولا أُصدر أحكاماً نهائية، بل أسعى إلى تفكيك المنطق الذي يقف خلف كل مسار محتمل، وإلى كشف ما يخفيه كل خيار من تناقضات ومخاطر وفرص. الهدف ليس تقديم إجابات جاهزة، بل المساهمة في نقاش أكثر هدوءًا وواقعية حول مستقبل الفعل السياسي الفلسطيني، في لحظة تاريخية تتراجع فيها السياسة لصالح الأمن، وتضيق فيها المساحات الرمادية، ويصبح ثمن الخطأ أعلى من أي وقت مضى. من هذا المنطلق، تشكل السيناريوهات أدناه محاولة لفهم ما هو ممكن، وما هو مكلف، وما هو خطير، وما قد يبدو أقل سوءًا في واقع لا يقدم خيارات سهلة. فهي قراءة في حدود الحركة، وحدود القمع، وحدود الاحتواء، وحدود المقاومة، وحدود التوافق الوطني. وفي جوهرها، هي دعوة للتفكير في السياسة بوصفها مسؤولية جماعية، لا مجرد صراع على البقاء التنظيمي، وفي المستقبل بوصفه نتيجة لاختيارات اليوم، لا قدراً معلقاً خارج إرادتنا. وعليه يمكن أن تكون سيناريوهات مستقبل حركات الإسلام السياسي كما سنتناوله لاحقاً. المبحث الأول :حركات الإسلام السياسي وإشكاليات علاقتها ببعض الدول العربية العلاقة بين حركات الإسلام السياسي من جهة، وبين عدد من الدول العربية من جهة أخرى، ليست علاقة سوء تفاهم عابر، بل هي نتاج تراكم تاريخي من الاختلافات الأيديولوجية والحسابات السياسية والأمنية المتشابكة، إقليمياً ودولياً. هذه العلاقة لا يمكن فهمها خارج سياق إعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي بعد الحرب الباردة، ثم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الربيع العربي وما رافقها من صعود ثم تراجع حاد لحركات الإسلام السياسي. منذ نشوء حركات المقاومة الفلسطينية ذات التوجه الإسلامي، وعلى رأسها حركة "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي"، لم تكن فلسطين وحدها ساحة الاشتباك، بل تحولت القضية الفلسطينية إلى نقطة تقاطع بين مشاريع إقليمية متنافسة.في هذا السياق، تشكلت علاقة سياسية وعسكرية واضحة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإيران، ليس فقط بوصفها دولة داعمة مادياً، بل باعتبارها فاعلاً إقليمياً يتبنى خطاباً أيديولوجياً معادياً لـ"إسرائيل" وللهيمنة الأمريكية. هذه العلاقة، كما يشير أوغسطس ريتشارد نورتون في كتابه عن حزب الله، لا تقوم على تطابق مذهبي، بل على التقاء مصالح سياسية وإستراتيجية في مواجهة عدو مشترك[26] الأمر نفسه ينطبق على المقاومة الفلسطينية، حيث لم يكن البعد المذهبي هو الحاكم، بل منطق الدعم والتحالف في ظل عزلة عربية متزايدة. حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية تحديداً تقدم مثالاً أوضح على هذا التقاطع، فهي منذ تأسيسها تأثرت بالفكر الثوري الإسلامي الإيراني، لا من زاوية التشيع، بل من زاوية مركزية فكرة المقاومة ورفض التسويات السياسية مع "إسرائيل". الدكتور فتحي الشقاقي، مؤسس الحركة، عبر بوضوح عن هذا الإعجاب بالتجربة الإيرانية في كتابه المعروف عن الخميني والحل الإسلامي للقضية الفلسطينية، حيث اعتبر أن الثورة الإيرانية كسرت احتكار الدولة القومية العربية لفكرة الصراع مع "إسرائيل"[27] . هذا التبني الفكري لمواقف إيران جعل حركة الجهاد الإسلامي أكثر قرباً سياسياً وحتى أيدلوجياً من طهران، وهو ما أثار حساسية لدى عدد من الدول العربية. في المقابل، تنتمي غالبية الدول العربية إلى الفضاء السني، ليس فقط مذهبياً، بل سياسياً أيضاً، حيث تشكلت أنظمتها الحديثة في ظل تحالفات إقليمية ودولية ترى في إيران منافساً أو خصماً استراتيجياً. هذا البعد الطائفي لا يعمل بشكل مباشر في كل الحالات، لكنه يستخدم أداة تعبئة سياسية وأمنية. كما يوضح فواز جرجس في دراسته عن الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة، فإن الصراع الإقليمي غالباً ما يعاد تأطيره بلغة الهوية والمذهب عندما تخدم هذه اللغة مصالح الأنظمة.[28] من هنا، أصبح أي تحالف مع إيران موضع شك، حتى لو كان هذا التحالف مرتبطاً بالمقاومة ضد "إسرائيل". عدد من الدول العربية ترى أن إيران، بوصفها حليفاً رئيسياً للمقاومة الفلسطينية، تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي. هذا التصور لا ينبع فقط من دعم إيران لفصائل فلسطينية، بل من مجمل دورها في العراق وسورية ولبنان واليمن. في هذا السياق، تصبح المقاومة الفلسطينية جزءًا من صورة أكبر، حيث ينظر إليها كامتداد أو حليف لمحور إقليمي منافس[29]. هذه الرؤية عَبّر عنها بوضوح عدد من المسؤولين العرب في تصريحات علنية أو وثائق سياسية. الإشكالية الأكثر حساسية هنا هي أن انتصار المقاومة الفلسطينية،أو حتى صمودها واستمرارها، لا ينظر إليه فقط كانتصار على "إسرائيل"، بل كرسالة سياسية داخلية في العالم العربي. بعض الأنظمة العربية ترى أن نجاح نموذج مقاوم إسلامي مستقل عن الدولة، وقادر على فرض معادلات ردع، قد يشكل تهديداً رمزياً وعملياً لشرعيتها. حيث أن بعض الأنظمة السلطوية تخشى النماذج الملهمة أكثر مما تخشى الهزائم العسكرية. من هذا المنظور، تتحول المقاومة الفلسطينية إلى مرآة تعكس عجز هذه الأنظمة، وهو أمر غير مريح سياسياً. هذا الخوف يتضاعف عندما تكون المقاومة ذات مرجعية إسلامية. فالمقاومة الإسلامية الفلسطينية يمكن أن تشكل حاضنة رمزية للمعارضين في بعض الدول العربية، ليس عبر الدعم المباشر، بل عبر تقديم نموذج بديل عن الإسلام الرسمي الخاضع للدولة. من هنا، يصبح العداء للمقاومة جزءًا من صراع داخلي غير معلن داخل المجتمعات العربية. هذا ما يفسر أيضاً لماذا تجاهر بعض الأنظمة العربية بعدائها ليس فقط لحركات إسلامية فلسطينية، بل أيضا لقوى إسلامية إقليمية مثل حزب الله في لبنان، وأنصار الله الحوثيين في اليمن، وبعض الفصائل الإسلامية العراقية، وتعتبرها تنظيمات "إرهابية"[30]، هذا العداء لا يمكن فهمه فقط من زاوية الطائفية، بل من زاوية الخوف من تشكل فضاء إسلامي سياسي عابر للحدود، يمتلك خطاباً معارضاً ، أو له شعبية في الشارع[31]. في النهاية، يمكن القول إن العلاقة المتوترة بين المقاومة الفلسطينية ذات التوجه الإسلامي وبعض الدول العربية لا يمكن تفسيرها بوصفها انعكاساً لموقف سياسي عابر أو نتيجة حادثة محددة، بل هي تعبير عن بنية إقليمية مركبة تشكلت عبر عقود من التحولات في موازين القوة، وتغير أولويات الأمن، وتبدل مفهوم الشرعية السياسية في العالم العربي. فإيران، في هذا السياق، لا تمثل مجرد داعم عسكري أو مالي للمقاومة الفلسطينية، بل فاعلاً إقليمياً يسعى إلى إعادة صياغة معادلات النفوذ، مستفيداً من الفراغات التي خلفها تراجع الدور العربي الرسمي، ومن هشاشة النظام الإقليمي العربي ذاته. هذا الدور الإيراني، بما يحمله من أبعاد سياسية وأيديولوجية، أسهم في تعميق الشكوك العربية تجاه أي فصيل مقاوم يرتبط به، حتى لو كان هذا الارتباط محكوماً بمنطق الضرورة أكثر منه منطق الانتماء الأيديولوجي[32]. في المقابل، لا تشكل الدول العربية كتلة متجانسة في مواقفها من حركات الإسلام السياسي والمقاومة الفلسطينية، إلا أنها تلتقي، بدرجات متفاوتة، عند القلق من أي نموذج مقاوم إسلامي مستقل عن الدولة، وقادر على فرض حضوره خارج الأطر الرسمية. هذا القلق لا ينبع فقط من اعتبارات الصراع مع إيران، بل من الخوف الأعمق المرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الدين والسياسة، وهو ما يجعل المقاومة الفلسطينية، بما تحمله من رمزية وقدرة على التعبئة، موضع ريبة سياسية حتى حين تحظى بتعاطف شعبي واسع. أمام هذا المشهد، تجد حركات الإسلام السياسي والمقاومة الفلسطينية نفسها محاصرة بمعادلات إقليمية متناقضة، فهي من جهة مطالبة بالحفاظ على استقلاليتها وخطابها التحرري، ومن جهة أخرى مضطرة للبحث عن تحالفات خارج الفضاء العربي التقليدي في ظل تراجع الدعم الرسمي العربي أو تحوله إلى عبء سياسي. هذه التحالفات، رغم كلفتها السياسية والإعلامية، تبدو في نظر المقاومة خياراً اضطرارياً لا ترفاً سياسياً، خاصة في ظل اختلال ميزان القوى مع "إسرائيل" واستمرار الانسداد في الأفق السياسي. وهذا يتطلب من "الدول العربية إلى نبذ الحل الأمني في التعامل مع حركات الإسلام السياسي والاعتراف بدورها ووجودها، والسعي لإدماجها في العملية السياسية في الدولة"[33]. من هنا، تصبح الخلافات بين حركات الإسلام السياسي والمقاومة الفلسطينية ذات المرجعية الإسلامية وبعض الدول العربية انعكاساً لأزمة أعمق في النظام الإقليمي العربي، أكثر من كونها خلافاً مذهبياً أو أيديولوجياً صرفاً. إنها أزمة تتعلق بتعريف العدو، وحدود الشرعية، ومكانة الفاعلين في الإقليم. ولهذا، يصعب اختزال هذه العلاقة في بعد واحد، كما يصعب تصور تجاوزها دون معالجة البنية السياسية والأمنية التي أنتجتها، ودون إعادة النظر في موقع القضية الفلسطينية نفسها داخل الحسابات العربية الرسمية. المبحث الثاني:تحول حركات الإسلام السياسي في فلسطين:منطق الخيارات الصعبة وسيناريوهات المآلات حين ننقل سيناريو التحول إلى حزب سياسي إلى الحالة الفلسطينية، فإننا لا نتعامل مع سياق سياسي عادي، بل مع واقع مركب يتداخل فيه الاحتلال مع الانقسام، والمقاومة مع السلطة، والهوية الوطنية مع الهويات التنظيمية. لذلك فإن هذا السيناريو، رغم كونه الأكثر واقعية من حيث المبدأ، يصبح في فلسطين أكثر تعقيداً، وأكثر كلفة، لكنه في الوقت ذاته قد يكون المخرج الوحيد من حالة الاستعصاء الطويلة التي وصلت إليها حركات الإسلام السياسي، بل والحياة السياسية الفلسطينية عموماً. في فلسطين، لم تنشأ حركات الإسلام السياسي فقط كحركات دعوية أو احتجاجية، بل تشكلت في قلب الصراع الوطني، هذا ما جعل حركات الإسلام السياسي ، في لحظة ما، تتحول إلى بديل عن الحزب، وعن الدولة، وعن المؤسسة، في آن واحد. غير أن هذا الدور المركب، الذي بدا في بداياته مصدر قوة، تحول مع الوقت إلى عبء ثقيل. فحركات الإسلام السياسي التي تتمسك بالمقاومة، وتدير الشأن الاجتماعي، وتنافس على الحكم، تجد نفسها في النهاية أمام تضارب أدوار لا يمكن إدارته إلى ما لا نهاية. التحول إلى حزب سياسي في فلسطين يعني أولاً الاعتراف بأن السياسة الفلسطينية لم تعد تحتمل هذا التداخل المستمر بين الدعوي والعسكري والسياسي. التجربة الفلسطينية أثبتت أن الجمع بين هذه المستويات داخل كيان واحد يؤدي إما إلى عسكرة السياسة، أو إلى "تديين" الفشل السياسي. وفي الحالتين، تكون الخسارة مضاعفة. الحزب السياسي، في هذا السيناريو، لا يلغي المقاومة بوصفها حقاً، لكنه يعيد تعريفها خارج البنية الحزبية، ويعيد السياسة إلى وظيفتها الأساسية، إدارة الشأن العام، وبناء التوافقات، والتنافس على البرامج لا على الشرعيات المطلقة. في الحالة الفلسطينية، التحول إلى حزب سياسي ليس مجرد خطوة تنظيمية، بل موقف سياسي من فكرة السلطة نفسها. السلطة هنا ليست دولة مكتملة، بل كيان ناقص السيادة، محكوم بالاحتلال وبالقيود، ومثقل بتجربة طويلة من الفشل والفساد وفقدان الثقة. الدخول إلى هذا الحيز بوصفك حزباً يعني قبول قواعد لعبة غير عادلة، والاعتراف بأن الإنجاز سيكون محدوداً، وأن الفشل محتمل، بل مرجح أحياناً. حركات الإسلام السياسي ، في المقابل، كانت قادرة على تعليق إخفاقاتها على شماعة الخارج. الحزب لا يملك هذا الترف. الحزب يحاسب، حتى حين تكون الظروف قاهرة. التحول إلى حزب سياسي في فلسطين يعني أيضاً إعادة تعريف العلاقة مع الجمهور. في منطق حركات الإسلام السياسي ، الجمهور قاعدة تعبئة، وفي منطق الحزب، الجمهور ناخب حر. هذا الفارق جوهري. الناخب يسأل، ويحاسب، ويغير موقفه، ولا يمنح ولاء مفتوحاً. كثير من حركات الإسلام السياسي الفلسطينية ما زالت تتعامل مع جمهورها بوصفه جمهور قضية، لا جمهور سياسة. لكن القضية وحدها لم تعد كافية لإدارة الخلافات اليومية حول الاقتصاد، والوظائف، والتعليم، والحريات، والعلاقات الداخلية. الحزب السياسي يضطر للحديث عن هذه التفاصيل، حتى لو كانت تحت الاحتلال، لأنه لا يستطيع الاحتماء الدائم بخطاب المعركة الكبرى. في السياق الفلسطيني، التحول إلى حزب سياسي يفرض فصلاً أكثر حساسية بين الدين والسياسة. فالدين هنا ليس مجرد مرجعية قيمية، بل عنصر مركزي في الهوية الوطنية والاجتماعية. استخدامه في السياسة، حين ينجح، يمنح زخماً كبيراً، لكنه حين يفشل، يترك أثراً عميقاً من الإحباط والتشكيك. الحزب السياسي، إذا أراد البقاء، يحتاج إلى تخفيف هذا الحمل عن الدين، وإعادة السياسة إلى كونها فعلاً بشرياً قابلاً للخطأ. هذا لا يعني "علمنة" الصراع، بل "عقلنته"، بحيث لا يتحول كل خلاف سياسي إلى صراع أخلاقي أو ديني مغلق. أحد أصعب جوانب هذا السيناريو في فلسطين هو التعامل مع الانقسام. حركات الإسلام السياسي ، بحكم بنيتها المغلقة نسبياً، استطاعت أن تعيش داخل الانقسام، بل وأن تتكيف معه. الحزب السياسي لا يستطيع. الحزب، بطبيعته، كيان وحدوي يسعى إلى توسيع قاعدته، وبناء تحالفات، والعمل داخل نظام سياسي واحد. التحول إلى حزب سياسي يفترض موقفاً واضحاً من الانقسام، ليس بوصفه خلافاً إدارياً، بل بوصفه مأزقاً وطنياً يعطل السياسة ويشوهها. هذا يضع الحزب أمام خيارات صعبة، لأن تجاوز الانقسام يتطلب تنازلات مؤلمة، لا شعارات عالية. في البعد التنظيمي، التحول إلى حزب سياسي في فلسطين يعني إعادة بناء الداخل على أسس مختلفة. كثير من الحركات الإسلامية الفلسطينية بنيت على منطق السرية والانضباط، لأسباب مفهومة تاريخياً. لكن الحزب السياسي يعمل في فضاء علني، ويتطلب شفافية، وانتخابات داخلية، وتداول قيادة، ومحاسبة علنية. هذا الانتقال ليس سهلاً، لأنه يصطدم بثقافة تنظيمية تشكلت في ظروف استثنائية. غير أن الاستمرار دون هذا التحول يعني البقاء في حالة استنزاف دائم، حيث تتآكل الكوادر، وتضيق الخيارات، ويتراجع التأثير الحقيقي. سياسياً، التحول إلى حزب سياسي يعيد تعريف العلاقة مع النظام السياسي الفلسطيني نفسه، بكل تناقضاته. الحزب لا يستطيع أن يكون داخل النظام وخارجه في الوقت ذاته. إما أن يقبل العمل ضمن مؤسساته، مع كل ما في ذلك من قيود، أو يختار المعارضة الواضحة. المنطقة الرمادية، التي عاشت فيها حركات الإسلام السياسي طويلاً، باتت تضيق. في فلسطين، هذه المنطقة أكثر خطورة، لأنها تنتج ازدواجية سلطة، وازدواجية خطاب، وازدواجية مساءلة، وهو ما ساهم في إضعاف المشروع الوطني ككل. اجتماعياً، قد يكون لهذا السيناريو أثر إيجابي بعيد المدى. حين تتحول حركات الإسلام السياسي إلى أحزاب، تتراجع لغة التخوين، ويصبح الخلاف سياسياً لا وجودياً. هذا مهم لمجتمع أنهكته الاستقطابات الحادة، ليس فقط بين إسلاميين وغير إسلاميين، بل داخل كل معسكر على حدة. الحزب السياسي، بحكم حاجته للتحالف والتوسع، يميل إلى تخفيف الحدة، والبحث عن المشترك، حتى لو كان ذلك على حساب الخطاب التعبوي. لكن من الضروري الاعتراف بأن هذا السيناريو مكلف. التحول إلى حزب سياسي في فلسطين يعني خسارة جزء من الشرعية الثورية، وتراجع القدرة على المناورة الخطابية، والدخول في منافسة غير متكافئة مع قوى تملك المال والسلطة والإعلام. كثيرون داخل حركات الإسلام السياسي يرون في هذا التحول نوعاً من الانتحار البطيء. لكن السؤال الحقيقي ليس هل التحول مؤلم، بل هل البقاء على الحال أقل ألماً. التجربة تشير إلى أن الجمود، في السياق الفلسطيني، أكثر كلفة من التغيير. في جوهره، التحول إلى حزب سياسي في فلسطين هو تحول في فهم السياسة نفسها. هو انتقال من منطق التعبئة الدائمة إلى منطق الإدارة، ومن فكرة الطليعة إلى فكرة الشراكة، ومن تصور الجمهور ككتلة صلبة إلى التعامل معه كمجتمع متنوع. هذا التحول لا يلغي الصراع مع الاحتلال، لكنه يمنع تحويل كل فشل داخلي إلى جزء من هذا الصراع. السياسة هنا تصبح أداة تنظيم للحياة اليومية، لا مجرد امتداد للمعركة الكبرى. في النهاية، إذا كان لحركات الإسلام السياسي في فلسطين مستقبل سياسي مستقر، فهو يمر عبر هذا التحول الصعب. ليس لأنه الخيار المثالي، بل لأنه الخيار الوحيد الذي يسمح لها بالبقاء فاعلاً سياسياً، لا مجرد رمز. التحول إلى حزب سياسي لا ينهي التاريخ، لكنه ينهي وهماً طويلاً بأن حركات الإسلام السياسي تستطيع أن تبقى كل شيء في آن واحد. في فلسطين، حيث الثمن دائماً مرتفع، قد يكون هذا التحول هو الثمن الأقل كلفة على المدى الطويل. حين نفكر في مستقبل حركات الإسلام السياسي، فإن سيناريو الحظر الشامل والمنع من العمل السياسي يبدو مهماً، مهما حاولنا تجميله أو تجاهله، فهو واحداً من أكثر السيناريوهات حضوراً في الحسابات. هذا السيناريو لا يقوم على نقاش فكري حول الأفكار أو البرامج، بل على قرار أمني يرى في هذه الحركات خطراً بنيوياً يجب إقصاؤه نهائياً من المجال العام. في فلسطين، يصبح هذا السيناريو أكثر تعقيداً، لأنه لا يتصل فقط بعلاقة السلطة بحركات سياسية، بل يتقاطع مع واقع الاحتلال، والانقسام، وهشاشة النظام السياسي، وتداخل المقاومة مع السياسة، بحيث لا يمكن فصل المنع الداخلي عن الضغوط الخارجية ولا عن حسابات السيطرة اليومية. الحظر الشامل يعني، ببساطة، إخراج حركة كاملة من السياسة. لا مشاركة في انتخابات، لا نشاط علني، لا تمثيل نقابي، لا جمعيات واجهة، ولا حتى هامش رمادي يسمح بالتنفس. في هذا السيناريو، لا ينظر إلى حركات الإسلام السياسي بوصفها خصماً سياسياً، بل بوصفها تهديداً وجودياً. وهذا الفارق مهم، لأن الخصم السياسي يمكن احتواؤه أو التفاوض معه، أما التهديد الوجودي فيجب تحييده. هنا تتغير اللغة، وتتغير الأدوات، ويتحول الصراع من صراع برامج إلى صراع أمن. في الحالة الفلسطينية، فكرة الحظر الشامل لا تأتي من فراغ. التجربة السياسية منذ سنوات طويلة قامت على إدارة المجال العام لا فتحه، وعلى ضبط الفاعلين لا دمجهم. السلطة الفلسطينية، بحكم نشأتها في سياق انتقالي طويل لم يكتمل، وبحكم خضوعها لشبكة معقدة من الالتزامات والقيود، طورت حساسية مفرطة تجاه أي فاعل سياسي خارج بنيتها. ومع الانقسام، أصبحت هذه الحساسية مضاعفة. لم يعد السؤال من يمثل برنامجاً أفضل، بل من يهدد السيطرة، ومن يخلخل توازنات الحكم الهشة. في هذا المناخ، يصبح الحظر خياراً مغرياً، لأنه يبدو حلاً سريعاً لمشكلة معقدة. لكن الحظر الشامل لا يحدث دفعة واحدة. هو مسار تراكمي يبدأ بتجفيف الموارد، ثم بتقييد النشاط، ثم بتجريم الخطاب، وصولاً إلى المنع الكامل. في فلسطين، نعرف هذا المسار جيداً. يبدأ بتقييد الجمعيات، ثم بالتدخل في النقابات، ثم بإغلاق المنابر، ثم باعتقالات وقائية، ثم بتجريم أي نشاط يحمل رائحة السياسة. في هذه اللحظة، لا يعود الانتماء مسألة رأي، بل شبهة. ولا يعود العمل السياسي حقاً، بل مخاطرة شخصية. المنطق الذي يحكم هذا السيناريو يقوم على فرضية بسيطة، وهي إقصاء حركات الإسلام السياسي من السياسة سيؤدي إلى تحييدها. لكن التجربة، في فلسطين كما في غيرها، تشير إلى أن الإقصاء لا يلغي الفكرة، بل يدفعها إلى التحول. حين تغلق السياسة، تفتح مسارات أخرى، بعضها اجتماعي، وبعضها سري، وبعضها عنيف. في الحالة الفلسطينية، حيث الاحتلال قائم، وحيث أدوات العنف ليست حكراً على الدولة، يصبح هذا التحول أكثر خطورة. الحظر هنا لا ينهي الصراع، بل يغير شكله. من زاوية أخرى، الحظر الشامل يعيد تعريف العلاقة بين حركات الإسلام السياسي وجمهورها. حين كانت حركات الإسلام السياسي تعمل في المجال السياسي، كانت مضطرة لتقديم إجابات، وتبرير مواقف، وتحمل مسؤولية قراراتها. حين تمنع، تتحرر من هذا العبء. تصبح ضحية في الخطاب، ورمزاً في الوعي الجمعي، حتى لو كانت ممارساتها السابقة محل نقد. في فلسطين، حيث الذاكرة السياسية مثقلة بالقمع والاحتلال، يتحول المنع بسهولة إلى شهادة براءة، ويتحول الإقصاء إلى مصدر شرعية بديلة. وهنا تكمن مفارقة هذا السيناريو، المنع الذي يهدف إلى إنهاء التأثير، قد يعيد إنتاجه بصيغة مختلفة. سياسياً، الحظر الشامل يفرغ المجال العام من التعدد. في فلسطين، هذا يعني تكريس حالة الحزب الواحد أو الخطاب الواحد، حتى لو تعددت الأسماء. غياب المنافسة لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى الركود. حين تغيب المعارضة المنظمة، تنتقل المعارضة إلى الشارع، أو إلى الفضاء غير المنظم، أو إلى الانسحاب الصامت. وكل هذه الأشكال أكثر صعوبة في الإدارة، وأكثر قابلية للانفجار. السلطة، في هذا السيناريو، قد تشعر بالسيطرة، لكنها سيطرة على فراغ، لا على حيوية سياسية. في البعد الاجتماعي، الحظر الشامل يخلق انقساماً صامتاً داخل المجتمع. ليس انقساماً معلناً، بل شروخاً غير مرئية بين من يشعرون أنهم مستهدفون، ومن يشعرون أنهم محميون. هذا النوع من الانقسام لا يظهر في الخطاب الرسمي، لكنه يتراكم في الحياة اليومية، في الجامعات، وفي المساجد، وفي العائلات. أما على مستوى حركات الإسلام السياسي نفسها، فإن الحظر الشامل يفرض تحولات داخلية عميقة. القيادة تفقد قدرتها على التواصل العلني، والكوادر تدخل في حالة إنهاك دائم، والاختلافات الداخلية تصبح أكثر حدة، لأن النقاش لا يجد فضاءً آمناً. في هذه الظروف، تميل الحركات إما إلى التشدد والانغلاق، أو إلى التفكك البطيء. في فلسطين، كلا المسارين مكلف. التشدد يزيد الصدام، والتفكك يترك فراغاً تملؤه أشكال أكثر فوضوية من الفعل. من المهم أيضاً ربط هذا السيناريو بالاحتلال. الحظر الشامل على حركات الإسلام السياسي في فلسطين لا يحدث في فراغ سيادي كامل. هناك دائما طرف خارجي يراقب، ويضغط، ويستفيد. حين تضعف السياسة الفلسطينية من الداخل، يزداد هامش التحكم الخارجي. المنع هنا لا يصبح فقط أداة ضبط داخلي، بل جزءًا من منظومة أوسع لإدارة الصراع، حيث يفضل وجود سلطة ضعيفة بلا معارضة، على وجود حياة سياسية نشطة حتى لو كانت مزعجة. بهذا المعنى، الحظر الشامل يخدم استقراراً شكلياً، لكنه يضعف القدرة الوطنية على الصمود السياسي طويل الأمد. الأخطر في هذا السيناريو أنه يعيد تعريف السياسة بوصفها امتيازاً لا حقاً. حين يمنع تيار كامل من العمل السياسي، يصبح السؤال ليس ماذا يفعل هذا التيار، بل من التالي. في فلسطين، حيث لا توجد ضمانات دستورية راسخة، ولا تداول حقيقي للسلطة، يصبح الحظر سابقة قابلة للتعميم. اليوم حركة إسلامية، غداً حركة شبابية، وبعده نقابة، ثم صوت مستقل. المجال العام حين يبدأ بالانكماش، لا يتوقف عند حد. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذا السيناريو يجد من يدافع عنه، حتى داخل المجتمع. هناك من يرى في الحظر حلاً للفوضى، أو حماية للاستقرار، أو ضرورة في ظرف استثنائي. هذه الحجج مفهومة في سياق الخوف والإنهاك. لكن السؤال الذي يجب طرحه بهدوء هو، استقرار مَنْ، وعلى حساب ماذا. الاستقرار الذي يقوم على الإقصاء الكامل قد يكون أقل كلفة اليوم، لكنه أكثر كلفة غداً، حين لا تعود السياسة قادرة على امتصاص الغضب أو تنظيم الخلاف. في النهاية، سيناريو الحظر الشامل والمنع من العمل السياسي في فلسطين لا يعني نهاية حركات الإسلام السياسي، بل نهاية مرحلة من علاقتها العلنية بالمجال العام. الفكرة لا تختفي، لكنها تتغير. والسؤال الحقيقي ليس هل سينجح المنع، بل أي شكل من السياسة سينشأ بعده. في مجتمع يعيش تحت احتلال، ويعاني من انقسام، ويبحث عن أفق، فإن إغلاق السياسة بالكامل لا يلغي الصراع، بل يؤجله ويعيد ترتيبه بطرق أقل قابلية للضبط. قد يبدو هذا السيناريو جذاباً لمن يريد حلاً سريعاً، لكنه في العمق اعتراف بالعجز عن إدارة التعدد. في فلسطين، حيث الحاجة إلى سياسة حقيقية أكبر من أي وقت مضى، قد يكون الحظر الشامل هو الخيار الأسهل، لكنه بالتأكيد ليس الخيار الأكثر حكمة. السياسة حين تمنع، لا تموت، بل تعود في أشكال أكثر قسوة، وأقل قابلية للعقلنة. وهذا، في واقع فلسطيني مثقل أصلاً، هو آخر ما نحتاجه. حين نضع سيناريو الاجتثاث على الطاولة بوصفه مستقبلاً محتملاً لحركات الإسلام السياسي، فنحن لا نتحدث عن منع مؤقت، ولا عن تضييق قانوني، ولا عن إقصاء سياسي يمكن التراجع عنه، بل عن قرار جذري يرى أن المشكلة ليست في الممارسة، بل في الوجود ذاته. الاجتثاث هنا يعني السعي إلى محو حركات الإسلام السياسي من المجال العام، ومن الذاكرة السياسية، ومن إمكان العودة بوصفها فاعلاً منظماً. هو تصور يقوم على فكرة أن هذه الحركات لا يمكن إصلاحها، ولا دمجها، ولا تحييدها، بل يجب اقتلاعها من الجذور. في الحالة الفلسطينية، يصبح سيناريو الاجتثاث أكثر تعقيداً وخطورة، لأن السياسة هنا لا تجري داخل دولة مكتملة السيادة، بل داخل واقع استعماري، وانقسام داخلي، وبنية سياسية هشة. الاجتثاث في هذا السياق لا يعني فقط صراعاً بين سلطة وحركة، بل يتقاطع مع الاحتلال، ويستفيد منه، وأحياناً يخدم منطقه. حين يجري التعامل مع حركة سياسية بوصفهاً خطراً وجودياً يجب محوه، فإن المجال السياسي كله يعاد تعريفه باعتباره مجالاً أمنياً، لا مجالا للتعدد أو الخلاف المشروع. الاجتثاث يبدأ دائماً من اللغة. تتحول حركات الإسلام السياسي من خصم سياسي إلى كيان "شيطاني"، ومن فاعل اجتماعي إلى تهديد شامل. في هذه المرحلة، لا يعود النقاش حول البرامج أو الأخطاء أو المسؤوليات، بل حول الشرعية من حيث المبدأ. في فلسطين، هذه اللغة تجد تربة خصبة، لأن المجتمع يعيش أصلاً تحت خطاب أمني دائم، فرضه الاحتلال، ثم أعيد إنتاجه داخلياً. حين تصبح السياسة لغة أمن، يصبح الاجتثاث خطوة منطقية في هذا المسار، لا استثناء. لكن الاجتثاث لا يبقى في حدود الخطاب. هو يتحول إلى سياسات متراكمة، تفكيك البنية التنظيمية، تجفيف الموارد، ضرب الامتدادات الاجتماعية، تشويه الذاكرة الرمزية، وإعادة كتابة التاريخ القريب بطريقة انتقائية. في فلسطين، حيث كثير من الحركات الإسلامية شاركت في العمل الاجتماعي، والنقابي، والخيري، يصبح الاجتثاث عملية تمس نسيج المجتمع نفسه. ليس من السهل اقتلاع تنظيم متجذر اجتماعياً دون أن تترك العملية ندوباً عميقة في الثقة والعلاقات اليومية. المنطق الذي يحكم سيناريو الاجتثاث يقوم على فرضية أن القوة قادرة على إنهاء الفكرة. هذه فرضية مغرية للسلطات، لكنها تاريخياً ضعيفة. الفكرة التي تولد في سياق صراع، وتعيش على الإقصاء، غالباً ما تتحول تحت الضغط إلى سردية مقاومة، حتى لو كانت ممارساتها محل نقد. في فلسطين، حيث الإقصاء جزء من التجربة الجماعية، يتحول الاجتثاث بسهولة إلى قصة ظلم جديدة، تضاف إلى سجل طويل. وهنا المفارقة، الاجتثاث الذي يهدف إلى إنهاء التأثير، قد يمنحه عمراً أطول في الوعي الجمعي. سياسياً، الاجتثاث يعني نهاية التعدد، لا نهاية الخلاف. حين يجري محو فاعل كامل من السياسة، لا تختفي الأسئلة التي كان يمثلها، بل تبحث عن قنوات أخرى. في فلسطين، هذه القنوات قد تكون أكثر راديكالية، أو أكثر فوضوية، أو أقل قابلية للضبط. السياسة، حين تمنع بالكامل، لا تتحول إلى طاعة، بل إلى توترات صامتة تتراكم ببطء. الاجتثاث يخلق فراغاً، والفراغ في المجتمعات المأزومة لا يبقى فارغاً طويلاً. من زاوية اجتماعية، الاجتثاث لا يطال القيادات فقط، بل يطال القواعد، والعائلات، والبيئات المحلية. حين يشعر جزء من المجتمع أنه مستهدف في هويته السياسية أو الدينية، يتراجع إحساسه بالانتماء العام. في فلسطين، حيث الهوية الوطنية تحتاج إلى أكبر قدر من التماسك، يصبح هذا التفتيت خطراً مضاعفاً. الاجتثاث هنا لا يقسم المجتمع إلى مؤيدين ومعارضين، بل إلى ناجين ومشتبه فيهم. هذا النوع من التقسيم لا يبنى عليه استقرار، بل خوف متبادل. على مستوى حركات الإسلام السياسي نفسها، الاجتثاث يغير طبيعة التنظيم جذرياً. العمل العلني يختفي، والنقاش الداخلي يضيق، والقيادة تفقد قدرتها على المراجعة العلنية. في هذه الظروف، تميل الحركات إما إلى الانغلاق والتشدد، أو إلى التفكك التدريجي. كلا الخيارين مكلف. التشدد يعمق الصدام، والتفكك يترك فراغاً تملؤه شبكات أقل انضباطاً وأكثر ميلاً للمغامرة. في فلسطين، حيث السلاح متاح نوعاً ما، والحدود مفتوحة على احتمالات متعددة، يصبح هذا التحول شديد الخطورة. الاجتثاث في السياق الفلسطيني لا يمكن فصله عن الاحتلال. حين تنشغل القوى الفلسطينية بصراعات اجتثاث داخلية، يربح الطرف الخارجي وقتاً ومساحة. السياسة الداخلية تضعف، والقدرة على بناء موقف وطني جامع تتآكل. الاجتثاث هنا لا يكون فقط خياراً داخلياً، بل جزءًا من بيئة عامة تشجع على تفتيت الفاعلين، لا على دمجهم في إطار وطني أوسع. بهذا المعنى، يصبح الاجتثاث خدمة غير مباشرة لمنطق السيطرة الخارجية، حتى لو روج له بوصفه حماية للاستقرار. قد يقول قائل إن الاجتثاث ضروري في ظروف استثنائية، وإن بعض الحركات لا يمكن التعامل معها سياسياً. هذه حجة معروفة، ولها أنصار. لكن السؤال الأعمق هو، ماذا بعد الاجتثاث. من يدير المجتمع، ومن يمثل الغضب، ومن يتحمل مسؤولية الفشل. حين تختفي السياسة، لا تختفي الأزمات. الاجتثاث لا يبني بديلاً، بل يكتفي بالهدم. وفي السياسة، الهدم بلا بناء وصفة للفوضى المؤجلة. في النهاية، سيناريو الاجتثاث لا يعني نهاية حركات الإسلام السياسي، بل نهاية السياسة بوصفها فضاء لإدارة الاختلاف. هو اعتراف صريح بالعجز عن التعامل مع التعدد، وعن تحويل الصراع إلى منافسة قابلة للإدارة. في الحالة الفلسطينية، حيث الحاجة إلى سياسة حقيقية أكبر من أي وقت مضى، يبدو الاجتثاث خياراً سهلاً على الورق، لكنه في الواقع طريق طويل نحو مزيد من الانقسام والهشاشة. السياسة قد تكون مرهقة، لكن غيابها أكثر إنهاكاً. والاجتثاث، مهما بدا حاسماً، لا يلغي الأسئلة، بل يؤجلها، ويجعل الإجابات المقبلة أكثر كلفة على الجميع. حين نضع سيناريو خلق اتجاه سياسي إسلامي جديد بوصفه مستقبلاً محتملاً لحركات الإسلام السياسي، فنحن لا نتحدث عن إصلاح داخلي محدود، ولا عن تغيير أسماء أو إعادة تدوير قيادات، بل عن محاولة واعية لإنتاج صيغة مختلفة جذرياً، تتجاوز إرث الحركة الكلاسيكية. هذا السيناريو يفترض أن مرحلة كاملة وصلت إلى نهايتها، ليس لأن الفكرة الإسلامية فقدت حضورها، بل لأن أدواتها السياسية لم تعد قادرة على العمل في بيئة إقليمية ودولية تغيرت شروط اللعبة، وضيقت هوامش الحركة، وأعادت تعريف المقبول والممنوع. في الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا السيناريو معنى خاصاً. فلسطين ليست ساحة سياسية طبيعية، بل فضاء تتداخل فيه السلطة المحدودة بالاحتلال، والانقسام الداخلي، والضغط الدولي، والحاجة المستمرة إلى شرعية وطنية جامعة. في مثل هذا السياق، يصبح خلق اتجاه سياسي إسلامي جديد محاولة للهروب من مأزق مزدوج، مأزق حركات الإسلام السياسي التقليدية التي استنزفتها المواجهة والحظر والانقسام، ومأزق النظام السياسي القائم الذي لم يعد قادراً على استيعاب فاعلين جدد دون تهديد توازنه الهش. الفكرة هنا ليست القضاء على حركات الإسلام السياسي ، بل إعادة صياغتها في قالب مختلف، أقل "صدامية"، وأكثر قابلية للاندماج في النظام السياسي المحلي والدولي. هذا الاتجاه الجديد لا يقدم نفسه بوصفه حركة إسلامية بالمعنى الكلاسيكي، ولا بوصفه امتداداً تنظيمياً لأي تجربة سابقة، بل بوصفه تياراً سياسياً ذا مرجعية قيمية إسلامية عامة، يركز على قضايا الحكم الرشيد، والعدالة الاجتماعية ،وبناء المؤسسات،ويتجنب اللغة الأيديولوجية .ويمكن أن يكون ذلك من خلال تشكيل أحزب سياسية ذات توجهات إسلامية ، إذا تم إقرار قانون الأحزاب الفلسطيني، من بعض النخب الشابة أو حتى من قبل رجال الأعمال ذوي التوجه الإسلامي . في فلسطين، هذا السيناريو يجد دعماً ضمنياً من أطراف عربية ودولية تبحث عن بديل قابل للتسويق. هذه الأطراف لا تريد فراغاً سياسياً، ولا تريد أيضاً عودة حركات إسلامية قوية تحمل ذاكرة صدامية مع النظام الدولي. لذلك تميل إلى تشجيع نماذج هجينة، إسلامية في المرجعية الأخلاقية، مدنية في الخطاب، براغماتية في السياسة، ومنزوعة الدسم الأيديولوجي الذي يثير القلق. الدعم هنا لا يكون بالضرورة مباشراً أو معلناً، بل عبر فتح مساحات، وتسهيل التمويل، ومنح الاعتراف، وتوفير المنابر، مقابل التزام واضح بقواعد اللعبة الجديدة. الاتجاه السياسي الإسلامي الجديد، في هذا السيناريو،يولد غالباً خارج الأطر التنظيمية التقليدية. لا يأتي من رحم حركات الإسلامي السياسي، ربما من أطرافها وهوامشها، أو من انشقاق ناعم عنها، أو من نخب شابة ، وتبحث عن طريق أقل كلفة وأكثر واقعية. في فلسطين، هذه النخب موجودة في الجامعات، وفي المجتمع المدني، وفي البلديات، وفي أوساط رجال الأعمال، والأكاديميين، وحتى داخل مؤسسات السلطة نفسها.هم ليسوا بالضرورة معادين لحركات الإسلام السياسي، لكنهم يرون أن الزمن تجاوزها، وأن الإصرار على أدوات قديمة في سياق جديد هو وصفة للفشل المتكرر. هذا الاتجاه الجديد يعيد تعريف العلاقة مع الدين. الدين هنا ليس برنامجاً سياسياً جاهزاً، ولا مصدراً للتشريع التفصيلي، بل مرجعية قيمية عامة تضبط السلوك السياسي ولا تحدده تفصيلياً. في السياق الفلسطيني، هذا التحول مهم، لأنه يخفف من توتر العلاقة بين الدين والسياسة، ويمنع تحميل الدين كلفة الفشل السياسي. السياسة تصبح فعلاً بشرياً، والدين إطاراً أخلاقياً عاماً، لا أداة تعبئة ولا معيار تخوين. من زاوية أخرى، خلق اتجاه سياسي إسلامي جديد يعني أيضاً إعادة تعريف العلاقة مع المقاومة. الاتجاه الجديد لا ينفي حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، لكنه يرفض اختزال السياسة في المقاومة، أو تحويل المقاومة إلى هوية حزبية. في هذا الإطار، تصبح المقاومة قضية وطنية عامة، لا ملكاً لتنظيم بعينه. هذا الطرح قد يبدو نظرياً، لكنه يحمل جاذبية في مجتمع أنهكته عسكرة السياسة، ويريد مساحة لالتقاط الأنفاس دون التخلي عن الثوابت. سياسياً، هذا الاتجاه الجديد يسعى إلى العمل داخل النظام القائم، لا على هامشه. يقبل الانتخابات، والتحالفات، والعمل البلدي، والنقابي، والبرلماني حين يتاح، ويبتعد عن منطق الصدام المفتوح مع السلطة. هذا ما يجعله مقبولاً لدى أطراف عربية ودولية ترى فيه شريكاً يمكن التعامل معه. في فلسطين، حيث النظام السياسي ضعيف لكنه عنيد في حماية توازناته، يصبح هذا القبول شرطاً أساسياً للبقاء. لكن هذا السيناريو ليس بريئاً ولا بلا إشكاليات. خلق اتجاه سياسي إسلامي جديد بدعم خارجي عربي أو حتى أجنبي يثير دائماً سؤال الاستقلالية. من يرسم السقف، ومن يحدد الخطوط الحمراء، ومن يقرر متى يصبح هذا الاتجاه مزعجاً. في فلسطين، حيث الحساسية تجاه التدخل الخارجي عالية، قد ينظر إلى هذا الاتجاه بوصفه صناعة سياسية، لا تعبيراً عضوياً عن المجتمع. هذا الاتهام، حتى لو كان مبالغاً فيه، قد يضعف شرعية التيار الجديد ويحد من قدرته على التوسع. على المستوى الاجتماعي، الاتجاه الجديد يراهن على تعب الناس من الاستقطاب. بعد سنوات طويلة من الانقسام، والحظر ، قد نجد أن هناك بعض من الفلسطينيين يبحث عن خطاب أقل حدة، وأكثر واقعية. هذا التيار يقدم نفسه بوصفه بديلاً هادئاً، لا يطالب الناس بالاصطفاف الوجودي، ولا يحملهم أعباء الصراع الأيديولوجي. هذا قد يمنحه مساحة نمو، لكنه في الوقت ذاته قد يجعله متهماً بالبرود أو الانتهازية، خاصة في لحظات التصعيد. تنظيمياً، الاتجاه السياسي الإسلامي الجديد يتجنب البنى الهرمية الصارمة. يعتمد شبكات مرنة، وقيادات متعددة، وخطاباً قابلاً للتكيف. هذا يمنحه قدرة على المناورة، لكنه يجعله أيضاً عرضة للتفكك، أو للاختراق، أو للذوبان في النظام القائم.في فلسطين، حيث الضغوط الأمنية والسياسية عالية، يصبح الحفاظ على التوازن بين المرونة والصلابة تحدياً يومياً. الأخطر في هذا السيناريو أنه قد يتحول إلى أداة لإفراغ السياسة من مضمونها الصراعي. حين يصبح الهدف هو القبول الدولي، والاندماج السلس، وتجنب الإزعاج، قد يفقد الاتجاه الجديد قدرته على تمثيل الغضب الشعبي الحقيقي. في هذه الحالة، لا يكون بديلاً عن الحركات الإسلامية فقط، بل بديلاً ضعيفاً عنها، لا يملك الجرأة ولا القدرة على التغيير. هذا الخطر حقيقي، خاصة إذا كان الدعم الخارجي مشروطاً بإبقاء السقف منخفضاً. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا السيناريو يعكس تحولاً عميقاً في المزاج العام. فداخل فلسطين، وحتى داخل القاعدة الاجتماعية لحركات الإسلام السياسي ، بات البعض مقتنع بأن الصدام المفتوح لم يعد مجدياً، وأن السياسة تحتاج إلى نفس طويل، وبراغماتية، وقدرة على التعايش مع واقع غير مثالي. الاتجاه السياسي الإسلامي الجديد يخاطب هذا المزاج، ويحاول ترجمته إلى مشروع سياسي قابل للحياة. في النهاية، خلق اتجاه سياسي إسلامي جديد في فلسطين ليس حلاً سحرياً، ولا نهاية للصراع، بل محاولة لإعادة ترتيب الأوراق في لحظة انسداد. هو تعبير عن إرهاق جماعي، وعن بحث عن طريق ثالث بين الحظر والاجتثاث من جهة، وبين الصدام والاستنزاف من جهة أخرى. نجاح هذا السيناريو مرهون بقدرته على الحفاظ على استقلاليته، وعلى ربط القيم بالسياسة دون تحويلها إلى عبء، وعلى تمثيل الناس لا إدارة صورتهم. إذا تحول إلى مجرد بديل مروض، سيفشل بسرعة. وإذا استطاع أن يكون جسراً بين الهوية والواقع، قد يمنح السياسة الفلسطينية فرصة نادرة للتنفس من جديد. حين نفكر في مستقبل حركات الإسلام السياسي في فلسطين، يبرز سيناريو الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية بوصفه واحداً من أكثر السيناريوهات تعقيداً، لكنه في الوقت ذاته الأكثر تماسكاً من حيث المنطق الوطني. هذا السيناريو لا يتحدث عن صفقة سريعة، ولا عن احتواء شكلي، ولا عن تنازل مجاني من أي طرف، بل عن انتقال عميق في طريقة فهم السياسة الفلسطينية نفسها. فكرة أن تصبح حركات الإسلام السياسي جزءًا من منظمة التحرير الفلسطينية تعني أولاً الاعتراف بأن الإطار الوطني الجامع لا يمكن أن يبقى ناقصاً. منظمة التحرير الفلسطينية، رغم تاريخها ودورها التمثيلي، لم تعد تعكس كل التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفها المجتمع الفلسطيني خلال العقود الأخيرة. وفي المقابل، حركات الإسلام السياسي، رغم حضورها الشعبي وقدرتها على التعبئة، بقيت خارج هذا الإطار، ما خلق ازدواجية تمثيل أضعفت الجميع. هذا السيناريو يحاول معالجة هذه الازدواجية لا عبر الإقصاء، بل عبر الإدماج المشروط بقواعد واضحة. في السياق الفلسطيني، الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية ليس مجرد خطوة تنظيمية، بل موقف من فكرة الوطنية ذاتها. منظمة التحرير ليست حزباً، ولا حكومة، بل إطار تمثيلي جبهوي يفترض أن يستوعب التعدد السياسي والفكري تحت سقف برنامج وطني مشترك. حين تقبل حركة إسلامية الانضمام إلى هذا الإطار، فهي تعلن ضمناً أن هويتها السياسية جزء من الهوية الوطنية الأوسع، لا بديلاً عنها ولا منافساً لها. هذا الإعلان بحد ذاته يشكل تحولاً مهماً في الخطاب، لأنه ينقل الحركة من موقع المشروع الخاص إلى موقع الشريك في مشروع عام. لكن هذا الانتقال ليس سهلاً. فالدخول إلى منظمة التحرير يعني قبول منطق التوافق، لا منطق الغلبة. يعني الاعتراف بأن القرار الوطني يصاغ عبر التفاوض الداخلي، لا عبر فرض الأمر الواقع. بالنسبة لحركات الإسلام السياسي التي نشأت في سياق مقاومة وصدام، قد يبدو هذا المنطق بطيئاً ومحبطاً. لكنه في الواقع المنطق الوحيد القابل للاستمرار في نظام سياسي معقد ومحاصر. السياسة الفلسطينية لا تحتاج مزيداً من مراكز القرار المتنافسة، بل تحتاج مركزاً تمثيلياً واحداً يتسع للجميع. في هذا السيناريو، يعاد تعريف العلاقة بين حركات الإسلام السياسي والمشروع الوطني. لم تعد حركات الإسلام السياسي مطالبة بإثبات وطنيتها عبر الشعارات أو عبر احتكار المقاومة، بل عبر مساهمتها في صياغة برنامج وطني قابل للتطبيق. المقاومة هنا لا تلغى، لكنها تعاد إلى سياقها الوطني، وتخرج من كونها ملكاً تنظيمياً. هذا التحول قد يكون من أكثر النقاط حساسية، لأن المقاومة كانت دائماً جزءًا من هوية الحركات الإسلامية الفلسطينية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ، هل تبقى المقاومة أكثر فعالية حين تكون جزءًا من إطار وطني جامع، أم حين تبقى أداة تنافس داخلي. هذا السيناريو يراهن على الخيار الأول. أن تصبح جزءًا من منظمة التحرير يعني أيضاً الدخول في فضاء سياسي مختلف، فضاء يفرض عليك الحديث بلغة البرامج لا بلغة التعبئة فقط. داخل المنظمة، لا يكفي أن تقول ماذا ترفض، بل عليك أن تقول ماذا تقترح، وكيف، وبأي أدوات، وفي أي زمن. هذا يضع حركات الإسلام السياسي أمام اختبار جديد. فهي لم تعد حركة معارضة من الخارج، بل شريكة في صياغة القرار، حتى حين يكون هذا القرار ناقصاً أو مؤلماً. الشراكة هنا تعني تحمل المسؤولية، لا الاكتفاء بالنقد. من زاوية أخرى، هذا السيناريو يعيد تعريف العلاقة مع السلطة الفلسطينية. حين تصبح حركات الإسلام السياسي جزءًا من منظمة التحرير، فإن علاقتها بالسلطة لم تعد علاقة صدام أو تنافس صفري، بل علاقة معقدة بين تمثيل وطني وسلطة إدارية. هذا قد يخفف من حدة الانقسام، لكنه لا يلغيه تلقائياً. غير أن وجود مرجعية تمثيلية واحدة يفتح الباب أمام إدارة الخلاف بدل انفجاره. في فلسطين، هذا بحد ذاته مكسب سياسي، لأن الانقسام لم يكن فقط خلافاً على السلطة، بل نتيجة غياب إطار جامع يدير الخلاف. اجتماعياً، الانضمام إلى منظمة التحرير قد يسهم في تخفيف الاستقطاب الحاد. حين ترى القواعد الشعبية أن القوى المختلفة تجلس تحت سقف واحد، وتختلف دون تخوين، يتغير المزاج العام تدريجياً. لا يعني ذلك اختفاء الانقسامات، لكنها تصبح أقل وجودية. هذا مهم لمجتمع أنهكته لغة الاصطفاف، وأصبح يبحث عن أي مساحة عقلانية لإدارة الخلاف. منظمة التحرير، بوصفها إطاراً تاريخياً، تملك رمزية تسمح بهذا التحول، إذا أعيد إحياؤها فعلياً لا شكلياً. لكن علينا أن نكون صريحين أيضاً بشأن المخاوف. كثيرون داخل حركات الإسلام السياسي يخشون أن يكون الانضمام إلى منظمة التحرير مجرد عملية تدجين. يخشون أن تبتلعهم البيروقراطية، وأن تفرغ أفكارهم من مضمونها، وأن يتحولوا إلى رقم في معادلة قديمة. هذه المخاوف مفهومة، خاصة في ظل تجارب سابقة من الاحتواء غير المتكافئ. لكن السؤال هنا ليس هل الخطر موجود، بل هل البديل أقل خطراً. البقاء خارج الإطار الوطني لم يمنح هذه الحركات حرية كاملة، بل تركها عرضة للحظر والاجتثاث والصدام الدائم. في المقابل، هناك مخاوف لدى أطراف أخرى داخل المنظمة من أن يؤدي انضمام الحركات الإسلامية إلى تغيير طبيعة المنظمة نفسها. يخشى البعض من تديين الخطاب الوطني، أو من إعادة فتح صراعات فكرية قديمة. هذه المخاوف أيضاً مشروعة، لكنها تفترض أن المنظمة كيان جامد لا يحتمل التعدد. الحقيقة أن المنظمة، إذا أرادت استعادة دورها، لا بد أن تعكس التنوع الحقيقي في المجتمع، لا أن تحافظ على توازنات تجاوزها الزمن. سياسياً، هذا السيناريو يفتح الباب أمام إعادة بناء منظمة التحرير نفسها. الانضمام لا يمكن أن يكون خطوة من طرف واحد. هو عملية متبادلة تفرض إصلاحات داخلية، وتحديثاً للآليات، وتوسيع دائرة المشاركة. هنا تكمن فرصة نادرة، بدل أن تكون المنظمة إطاراً شكلياً، يمكن أن تتحول إلى ساحة سياسية حقيقية، تدير الخلاف وتنتج سياسات. حركات الإسلام السياسي، بحكم تنظيمها وقدرتها على التعبئة، قد تسهم في إعادة الحيوية إلى هذا الإطار، إذا قبلت بقواعده، وإذا قبل هو بتجديد نفسه. في البعد الدولي، هذا السيناريو يمنح القضية الفلسطينية خطاباً أكثر تماسكاً. وجود إطار تمثيلي واحد، يضم كل القوى الأساسية، يضعف الذرائع التي تستخدم لتهميش الفلسطينيين أو تجاهلهم. لا يعني ذلك أن الضغوط الخارجية ستختفي، لكنها تصبح أقل فاعلية حين يكون البيت الداخلي متماسكاً. بالنسبة لحركات الإسلام السياسي، الانضمام إلى منظمة التحرير قد يخفف من عزلتها، ويعيد تقديمها بوصفها جزءًا من حركة وطنية جامعة، لا كاستثناء. في النهاية، أن تصبح حركات الإسلام السياسي جزءًا من منظمة التحرير الفلسطينية ليس تنازلاً عن الهوية، ولا تخلياً عن القيم، بل إعادة ترتيب لأولويات السياسة في لحظة تاريخية صعبة. هذا السيناريو لا يعد بحلول سحرية، ولا ينهي الصراع، لكنه يضعه في مساره الصحيح ، صراع وطني يدار بأدوات سياسية مشتركة، لا صراعات داخلية تستهلك الجميع. في فلسطين، حيث كل الخيارات مكلفة، قد يكون هذا الخيار هو الأقل كلفة على المدى الطويل، لأنه يعيد السياسة إلى معناها الأساسي، إدارة الاختلاف داخل إطار واحد، بدل تحويل الاختلاف إلى سبب دائم للانقسام. حين يصل الفعل السياسي إلى طريق مسدود، لا يعود السؤال ماذا نريد، بل ماذا بقي متاحاً. هذا السيناريو لا يبدأ بقرار أيديولوجي، ولا بخطاب تعبوي، بل بحالة تراكمية من الإحباط، حين تفشل السياسة في إنتاج معنى، وتفشل المؤسسات في تمثيل الناس، وتتحول المشاركة إلى طقس بلا أثر. عند هذه النقطة، تعود حركات الإسلام السياسي، كما غيرها من الفاعلين، إلى أدوات تعرفها جيداً، لا لأنها الخيار الأفضل، بل لأنها الخيار الوحيد الذي يبدو قادراً على كسر الجمود. في الحالة الفلسطينية، انسداد الأفق السياسي ليس مفهوماً نظرياً، بل تجربة يومية. العملية السياسية متوقفة، المفاوضات غائبة، الدولة المؤجلة أصبحت فكرة باهتة، والمؤسسات القائمة تعاني من أزمة شرعية وتمثيل. في هذا السياق، تجد حركات الإسلام السياسي نفسها أمام معادلة قاسية، المشاركة السياسية لم تعد تنتج شيئاً ملموساً، والاندماج في النظام القائم لا يغير موازين القوة، بل يستهلك الطاقة والوقت. حين تصبح السياسة إدارة للعجز، تتحول المقاومة، بكل كلفتها، إلى لغة مفهومة لدى جمهور يشعر أن صوته لا يسمع إلا حين يرتبط بالفعل الخشن. العودة إلى المقاومة المسلحة في هذا السيناريو ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي تعبير عن حاضر مغلق. حين تغلق أبواب السياسة، لا يبقى سوى الشارع، وحين يضيق الشارع، لا يبقى سوى السلاح. هذا منطق قاس، لكنه واقعي في بيئة استعمارية لا تسمح بتراكم سياسي طبيعي. في فلسطين، حيث الاحتلال حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، يصبح السلاح لغة يفهمها الجميع، حتى من يعارضونها أخلاقياً أو سياسياً. هذا لا يعني أن المقاومة المسلحة تحل كل شيء، بل يعني أنها تصبح أداة كسر الجمود حين تعجز الأدوات الأخرى. بالنسبة لحركات الإسلام السياسي، هذا السيناريو يعيدها إلى منطقة تعرفها جيداً، منطقة الوضوح الحاد. في السياسة، كل شيء رمادي، وكل قرار قابل للتأويل والنقد. في المقاومة، الصورة أبسط ، عدو واضح، فعل مباشر، وثمن معروف. كثير من القواعد التنظيمية تشعر بالراحة في هذا الوضوح، خاصة بعد سنوات من التنازلات، والمساومات، والانتظار بلا نتائج. العودة إلى العمليات العسكرية تعيد للحركة إحساساً بالفاعلية، حتى لو كانت هذه الفاعلية مكلفة وخطيرة. لكن هذا المسار لا يحدث في فراغ. انسداد الأفق السياسي في فلسطين ليس فقط نتيجة الاحتلال، بل أيضاً نتيجة الانقسام الداخلي. حين تفشل القوى الفلسطينية في بناء إطار وطني جامع، وحين يتحول الخلاف السياسي إلى صراع سلطوي، تتآكل الثقة بأي مسار سياسي. في هذا المناخ، تبدو المقاومة المسلحة وكأنها الطريق الوحيد الذي يتجاوز الانقسام، لأنها تخاطب الشعور الجمعي بالظلم،لا الحسابات الفصائلية.هذا ما يمنح هذا السيناريو جاذبيته، رغم مخاطره. العودة إلى العمليات العسكرية تعني أيضاً تحولاً في خطاب حركات الإسلام السياسي. السياسة تتطلب لغة جامعة، المقاومة تتطلب لغة تعبئة. في فلسطين، هذا التحول يحدث بسرعة حين تتصاعد المواجهة. الخطاب يصبح أكثر حدية، وأقل استعداداً للتسويات، وأكثر ميلاً إلى تقسيم العالم إلى معسكرين. هذا الخطاب يجد صدى لدى جمهور يشعر أن حياته اليومية محاصرة، وأن الخيارات المعتدلة لم تحمه ولم تحسن ظروفه. في لحظات كهذه، لا يكون السؤال عن الجدوى البعيدة، بل عن القدرة على الرد الآن. لكن هذا السيناريو يحمل في داخله تناقضاته الخاصة. العودة إلى المقاومة المسلحة قد توحد الجمهور على المدى القصير، لكنها تضع حركات الإسلام السياسي أمام تحديات هائلة على المدى الطويل. العمل العسكري يستنزف الكوادر، ويغلق المساحات السياسية، ويجعل تلك الحركات هدفاً دائماً، لا فاعلاً سياسياً يمكنه المناورة. في فلسطين، حيث ميزان القوة مختل بشدة، تصبح العمليات العسكرية فعلاً رمزياً أكثر منها أداة تغيير استراتيجي، رغم أثرها المعنوي الكبير. من زاوية أخرى، انسداد الأفق السياسي لا يعني غياب السياسة بالكامل، بل يعني انتقالها إلى مستوى آخر. حين تعود المقاومة المسلحة، تعود السياسة من بوابة الأمن، لا من بوابة البرامج. هذا يعيد تعريف العلاقة بين حركات الإسلام السياسي والمجتمع. المجتمع يصبح حاضنة أو عبئاً أو درعاً، لا شريكاً في نقاش سياسي مفتوح. هذا التحول يغير طبيعة العلاقة الاجتماعية، ويجعلها أكثر توتراً، خاصة حين تطول المواجهة وتتراكم الخسائر. في السياق الفلسطيني، هذا السيناريو يتغذى أيضاً على فشل المجتمع الدولي. حين يرى الفلسطيني أن القانون الدولي لا يطبق إلا انتقائياً، وأن الخطاب الحقوقي لا يحميه، وأن القرارات الأممية لا تغير واقعه، يتراجع الإيمان بالحلول السياسية. حركات الإسلام السياسي، التي طالما قدمت نفسها بوصفها صوتاً مختلفاً عن المسار الرسمي، تجد في هذا الفشل دليلاً إضافياً على صحة خيارها. العودة إلى المقاومة هنا ليست فقط رداً على الداخل، بل رسالة إلى الخارج بأن تجاهل السياسة يولد المقاومة. لكن هذا المسار ليس اختياراً حراً تماماً. هو خيار تحت الضغط . كثير من القيادات تدرك أن العودة إلى العمليات العسكرية تعني إغلاق أبواب كثيرة، لكنها ترى أيضاً أن الأبواب مفتوحة أصلاً على فراغ. في فلسطين، حيث لا أفق سياسي حقيقي، يصبح السؤال أقل أخلاقية وأكثر وجودية، كيف تبقى الحركة ذات معنى. حين تفقد السياسة معناها، تصبح المقاومة طريقة للحفاظ على الهوية التنظيمية، لا فقط أداة نضال. الخطورة الكبرى في هذا السيناريو أنه قد يتحول من وسيلة إلى غاية. حين تصبح العمليات العسكرية هي مركز الفعل، تتراجع القدرة على التفكير في اليوم التالي. السياسة تحتاج إلى خيال، المقاومة تحتاج إلى صمود. الجمع بينهما صعب، لكنه ضروري. في غياب هذا الجمع، قد تجد حركات الإسلام السياسي نفسها عالقة في دورة مفتوحة من الفعل والرد، دون أفق سياسي حقيقي، ودون قدرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية ملموسة. في المجتمع الفلسطيني، هذا السيناريو يعيد إنتاج حالة الاستنزاف الجماعي. الناس يتعاطفون، ويصمدون، لكنهم في الوقت ذاته يدفعون ثمناً يومياً. حين تطول المواجهة دون أفق، يتحول الصمود إلى إرهاق، ويتحول التأييد إلى صمت ثقيل. حركات الإسلام السياسي تعرف هذا جيداً من تجارب سابقة، لكنها تجد نفسها أمام معضلة بلا حل سهل، إما سياسة بلا نتائج، أو مقاومة بلا نهاية واضحة. في النهاية، سيناريو انسداد الأفق السياسي والعودة إلى المقاومة والعمليات العسكرية ليس تعبيراً عن حنين للماضي، بل عن فشل الحاضر. هو نتيجة مباشرة لانهيار المسارات السياسية، لا سبباً له فقط. حيث السياسة محاصرة، والانقسام مستمر، والاحتلال حاضر، تصبح العودة إلى المقاومة خياراً مفهوماً، حتى لمن لا يرغب فيه. لكنه خيار ثقيل، يراكم الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات. هذا السيناريو لا ينهي حركات الإسلام السياسي، بل يعيد تشكيلها في صورة أخرى. قد يمنحها حضوراً وتأثيراً في لحظة معينة، لكنه يضعها في مواجهة مستقبل مفتوح على احتمالات قاسية. في غياب أفق سياسي حقيقي، تظل المقاومة لغة ضرورية، لكنها ليست بديلاً عن السياسة. المشكلة أن السياسة حين تغيب طويلاً، تجعل العودة إليها أصعب، وتجعل السلاح يبدو وكأنه اللغة الوحيدة المتبقية. وهذه، في الواقع الفلسطيني، هي المعضلة التي لا يمكن تجاهلها ولا تبسيطها. في ضوء ما سبق، تخلص هذه الدراسة إلى أن مستقبل حركات الإسلام السياسي لا يمكن فهمه بوصفه مسألة تنظيمية داخلية أو نتيجة مباشرة لاختيارات قيادية معزولة، بل باعتباره نتاجاً لتفاعل معقد بين بنى سياسية مأزومة، وتحولات إقليمية عميقة، ونظام دولي يعيد ترتيب أولوياته على حساب قضايا التعدد والديمقراطية، إضافة إلى خصوصية السياق الفلسطيني بوصفه سياقاً استعمارياً مفتوحاً لم ينجز بعد مشروعه الوطني. إن ما يواجه هذه الحركات اليوم ليس فقط تضييقاً في المجال السياسي، بل إعادة تعريف شاملة لمعنى السياسة نفسها، وحدود الفعل العام، وأشكال الشرعية الممكنة في زمن تتقدم فيه اعتبارات الأمن والاستقرار على حساب المشاركة والتمثيل. تظهر الدراسة أن حركات الإسلام السياسي تقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث لم يعد ممكناً الاستمرار في الصيغ القديمة التي جمعت بين الدعوي والسياسي والعسكري دون كلفة متزايدة، ولم يعد الانسحاب من المجال العام أو الاكتفاء بالحضور الرمزي كافياً لضمان الاستمرار أو التأثير. فالتحولات الإقليمية أعادت إنتاج السلطوية بأدوات أكثر حداثة، والتحولات الدولية وفرت غطاءً سياسياً لهذا المسار، في حين أن الصراع العربي الإسرائيلي، بدل أن يفتح أفقاً سياسياً جديداً، أعاد إنتاج حالة استثنائية مزمنة تجعل السياسة الفلسطينية رهينة موازين قوة غير متكافئة. في الحالة الفلسطينية تحديداً، يتضح أن مأزق حركات الإسلام السياسي هو في جوهره مأزق وطني بقدر ما هو مأزق حركي. فغياب إطار تمثيلي جامع، واستمرار الانقسام، وتداخل المقاومة بالسلطة، كلها عوامل جعلت خيارات هذه الحركات محصورة بين مسارات مكلفة جميعها، من التحول الحزبي بشروط غير عادلة، إلى الحظر والاجتثاث، أو العودة إلى المقاومة المسلحة في ظل انسداد سياسي طويل. هذه المسارات لا تعكس فقط أزمات داخلية، بل تكشف عن حدود النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وعن عجزه عن استيعاب التعدد وإدارة الخلاف بوصفه عنصراً صحياً في أي مشروع وطني. وتبين الدراسة أن حركات الإسلام السياسي، رغم كل ما تتعرض له من تضييق وإقصاء، لم تخرج من المجال الاجتماعي ولا من الوعي الجمعي، لكنها فقدت الكثير من قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى نفوذ سياسي مؤسسي. هذا الوضع الوسيط ، حيث لا اندماج كامل ولا إقصاء نهائي، يخلق حالة من التعليق السياسي طويلة الأمد، تقوم على استقرار شكلي يخفي تحته توترات بنيوية قابلة للانفجار بأشكال جديدة ، ربما أقل تنظيماً وأكثر فردانية. وعليه، فإن الحديث عن أفول حركات الإسلام السياسي أو انتصارها يبدو تبسيطاً مخلاً، لأن ما يجري هو إعادة تشكل قسرية في بيئة تضيق فيها الخيارات وتزداد فيها كلفة الخطأ. إن القيمة الأساسية لهذه الدراسة تكمن في انتقالها من سؤال المصير إلى سؤال الكلفة. فالمسألة لم تعد هل ستبقى حركات الإسلام السياسي أم لا، بل بأي ثمن، وبأي دور، وعلى حساب أي وظيفة سياسية أو اجتماعية. كما تبرز الدراسة أن مستقبل هذه الحركات سيظل مرتبطاً بقدرتها على إجراء مراجعات عميقة، لا تقتصر على الخطاب أو الأدوات، بل تطال فهمها للعلاقة بين الدين والسياسة، وبين المقاومة وإدارة الشأن العام، وبين التنظيم والمجتمع. دون هذه المراجعات، ستبقى الخيارات محكومة بردود الفعل لا بالمبادرة، وبإدارة الأزمات لا بصناعة المسارات. وفي المحصلة، تؤكد هذه الدراسة أن مستقبل حركات الإسلام السياسي لا ينفصل عن مستقبل السياسة في المنطقة ككل، ولا عن السؤال الأوسع المتعلق بإمكانية بناء أنظمة سياسية قادرة على استيعاب التعدد دون اللجوء الدائم إلى الإقصاء أو العنف. في فلسطين، حيث تتقاطع كل الأزمات في نقطة واحدة، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً، لأن غياب السياسة أو إفراغها من معناها لا يفضي إلى الاستقرار، بل إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر كلفة وأقل قابلية للعقلنة. ومن هنا، فإن إعادة التفكير في موقع حركات الإسلام السياسي ليس شأناً فئوياً، بل مدخلاً ضرورياً لإعادة التفكير في المشروع الوطني ذاته، وفي شروط بقائه وقدرته على الصمود في مواجهة واقع يزداد تعقيداً وانغلاقاً يوماً بعد يوم. وعلى الرغم من كثرة التحليلات والدراسات التي تحاول استشراف مستقبل حركات الإسلام السياسي في فلسطين،إلا أن الخيارات غير محسومة حتى اللحظة،وأن الساحة الفلسطينية عصيّة على التنبؤ، ومفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها ضمن منطق السياسة التقليدية أو أدوات التحليل الأكاديمي. فالوضع الفلسطيني يشبه رمال الصحراء المتحركة، لا يستقر فيها شيء على حاله ، تتبدّل فيها التحالفات، وتتداخل فيها المسارات، وتتسارع فيها الأحداث على نحو يجعل الفهم الكامل للمشهد مهمة شبه مستحيلة. هذه الديناميكية الفائقة لا تعكس فقط هشاشة البنية السياسية الفلسطينية، بل أيضاً حجم التدخلات الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية التي تشكّل محركات خفية تؤثر في اتجاهات التطور السياسي والاجتماعي. [3].الدكتور،سيد أحمد، الحركات الإسلامية في مصر وإيران، (القاهرة: سيناء للنشر، 1989) ، ص24 . [4].للتفصيل أكثر،أنظر/ي،الدكتور، زياد أبو عمرو،الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة،(عكا:دار الأسوار، ط1،  1989 ). [5].الدكتور ،موسى البديري، الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة ، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد رقم (5)، العدد (20) خريف 1994 . ص 171 . [6].صحيفة اللواء اللبنانية بتاريخ 3/10/1990. مقابلة مع فتحي الشقاقي. [7]. الدكتور،يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، الحركة الوطنية الفلسطينية، 1949 – 1993، (بيروت : مؤسسة الدراسات الفلسطينية،1997 )، ص627. [8].للتفصيل أكثر ،أنظر/ي،الدكتور،عبد الله أبو عيد،وآخرون،دراسة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية(حماس)، 1987-1996،(جواد الحمد،وإياد البرغوثي،محرران)،(عمان: مركز الشرق الأوسط،ط1 ، 1997). [10]. خالد مشعل "مقابلة" مع ، مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد (76)، خريف 2008. ص 67. [11].زياد أبو غنيمة، "فلسطين الإسلامية، هي فلسطين المحررة"، لواء الإسلام 19/1/1989، العدد (10)، ص 25. [12].حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، نداء رقم (36)، 25/2/1989. [13].الدكتور،علي الجرباوي،"حماس": مدخل الإخوان المسلمين إلى الشرعية السياسية ،مجلة الدراسات الفلسطينية،المجلد رقم (3)، العدد (13) شتاء 1993 .ص 2-3. [14].الدكتور، أحمد سعيد نوفل، وآخرون،حركة المقاومة الإسلامية "حماس"دراسات في الفكر والممارسة،(تحرير الدكتور محسن صالح)،(بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،الطبعة الثانية ،2015)، ص33-34 . [15].الدكتور،محمد خالد الأزعر،معنى فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية،شؤون عربية،ربيع 2006،العدد125.ص49. وأيضاً، Kepel, Gilles. (2002). Jihad: The Trail of Political Islam. Cambridge, MA: Harvard University Press, p. 161. [16] . Gerges, Fawaz A. (2013). The Rise and Fall of Al-Qaeda. Oxford: Oxford University Press, p. 224. [17].الدكتور، أسامة الأشقر،التغيرات التي طرأت على أوضاع الحركات والاتجاهات الإسلامية المشاركة  في السلطة السياسية،وأثرها على حركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية،(بيروت:مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،أيلول ،2021). ص 5. [18] .Roy, Olivier.(2004).The Failure of Political Islam. Cambridge, MA: Harvard University Press, p. 98. [19]للتفصيل أكثر أنظر/ي . Fuller, Graham E. (2003). The Future of Political Islam. New York: Palgrave Macmillan. [20].عنترة بن مرزوق ،مستقبل حركات الإسلام السياسي بعد فشل ثورات الربيع العربي، مجلة آفاق علمية ، المجلد (11)، العدد (3)،2019، ص 47. [21]. Stepan, Alfred. (2011). The Arab Spring and the Future of Democratic Politics. Journal of Democracy, 23(2), p. 34. [22] .Achcar, Gilbert. (2013). The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising. Berkeley: University of California Press, p. 102. [23] . Brown, Nathan J. (2017). Arguing Islam after the Revival of Arab Politics. Oxford: Oxford University Press, p. 61. [24] .Milton-Edwards, Beverley. (2015). Islamic Politics in Palestine. London: I.B. Tauris, p. 214. [25] .Carothers, Thomas. (2016). “The Closing Space Challenge: How Are Funders Responding?” Carnegie Endowment for International Peace, p. 19. [26] .Augustus Richard Norton, Hezbollah: A Short History, Princeton University Press, Princeton, 2007, pp. 33–61. [27].الدكتور،فتحي الشقاقي،الخميني والحل الإسلامي للقضية الفلسطينية،(بيروت:دار المختار الإسلامي،1986)،ص 45. [28].للتفصيل أكثر ، أنظر/ي الدكتور ، فواز جرجس،(وآخرون) الشرق الأوسط الجديد:الاحتجاج والثورة والفوضى في الوطن العربي،(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ،2016). [29].الدكتور، عبد الله يوسف سهر،صعود التيارات الإسلامية في ضوء معادلات الهيمنة وتوازن القوى الإقليمي،تحرير (الدكتور جمال السويدي، والدكتور أحمد الصفتي)،(أبو ظبي:مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية،ط 3، 2015).ص 47-48 . [30].الدكتور،وليد عبد الحي،مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة العربية:بين الاتجاه الفرعي والاتجاه الأعظم،(رام الله :جامعة القدس المفتوحة،2015)، ص 18-19 . [31].هشام جعفر ، بعد طوفان الأقصى هل للإسلام السياسي من مستقبل في المنطقة https://www.aljazeera.net [33] .البيان الختامي لمؤتمر "واقع ومستقبل حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي"، والذي عقده مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنية عمان  في الفترة الواقعة بين 17-18/11/2013 . جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت عاجل وكالة قدس نت للأنباء © 2026
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤