"موسيقى خارج الطمأنينة" .. أحمد الصياد يعيد بناء العلاقة مع السماع
الاستماع لأوبرا أحمد الصياد تجربة غير يسيرة، أقرب إلى تمرينٍ للجوارح منها إلى ترويح بالطرّب. هي موسيقى معاصرة يكتبها أحد أبرز المؤلفين الموسيقيين في العالم، المغربي الذي اختار إنصاف “النشاز” والدفاع عنه، بوصفه ضرورة، في التجديد، وخطوة مركزية للوصول، بعد حين، إلى “الانسجام” الذي تنبغي مجابهته باستمرار حتى لا يتحول إلى “اجترار”.

موسيقى أحمد الصياد دعوة إلى اكتشاف مناطق قصية في العالم، ورفض للتكرار أو الانصياع للموسيقا “الأكثر استهلاكا”. يقرّ بآثار السماع الأمازيغي العربي الأندلسي الإسلامي، الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، وموسيقى الطبيعة، وموسيقات أخرى مثل مسرح “نو” الياباني؛ لكنه لا يكرّر أيا منها.
في أوبرا الصياد، تحضر الكلمة، مثل شعر الحلاج أو محمود درويش الذي سبق أن تربصت به الرقابة في فرنسا، في أحد أبرز مهرجانات الموسيقى الحديثة، حيث اشترط عليه ترك درويش في أصله العربي، وعدم ترجمته إلى الفرنسية لـ”عدم إثارة الجدل” بشأن فلسطين والاحتلال الإسرائيلي لها.
صاحب “الأصوات الممنوعة” و”دورة الماء” و”مريريدة” درس الموسيقى الكلاسيكية بالرباط ثم بباريس، وطبع الساحة الفنية المعاصرة من بابها الواسع، ويعرفه “قاموس الموسيقى – لاروس” بأنه “وريث ثقافتين”؛ عمل من أجل تركيب “الموسيقى العربية – الأمازيغية ذات الحامل الشفهي والموسيقى الأوروبية ذات التقليد المكتوب”.

هذا التعريف يمثُل قاصرا أمام مسار ومنجز الصياد، الذي رغم حديثه عن عدم إمكان الانفلات من الأصل واحتفائه بأنه “طائر يعود إلى حيث ولد” بعدما غُذي ببلد ثان احتضنه واستكمل جزءا من تعليمه فيه، فإنه وريث ثقافات لا ثقافة ووريث الشفاهة التي لا يمكن ربطها بموروثات ونزعها عن أخرى، فضلا عن تنبيهه إلى أن التدوين الموسيقي قد يكون وعدا قاصرا عما يعد به.
وقال الصياد في حوارات سابقة: “الموسيقى تتجاوز الأبجدية الموسيقية، والفن يتجاوز المعرفة التقنية التي تحاول تدوينه، والثقافة المنتمي إليها، وتاريخه”، مردفا: “الفن التزام بحب الناس والحياة. الناس أساسا (…) وأؤمن بالحب الذي هو ما يُلزم بأن تعامل الآخر كما تريد أن تعامَل”.
الباحث عن “النشيد الخفي في اللغات” والمولع بـ”الشفاهة”، صرح لهسبريس، على هامش أحدث حفلاته الموسيقية بأكاديمية المملكة المغربية بالرباط، بأن كل الفنون “تستحق التفكير والتنقيب”، وفي ذلك الكل سواء: موسيقى أحواش المغربية، ومسرح “نو” الياباني، وكوزي فان توتي لـ موزارت.

أحمد الصياد، ابن مزارع بسلا، عاش بين مسقط رأسه ومكناس في الرباط قبل أن ينتقل إلى ضفة أخرى من المتوسط للدراسة والعمل، يربط “وعيه الوطني ووعيه بالحرية” بدراسته في “مدرسة النهضة” بسلا، التي أسسها السياسي والمربي أبوبكر القادري والمعروفة بأنها من المدارس الخاصة أيام الاحتلال الأجنبي بالمغرب التي أسسها وطنيون مغاربة مطالبون بالاستقلال، وجددوا فيها مناهج التعليم ومضامينه.
ومع مسار وضعته عليه “مدرسة النهضة” و”مدارس محمد الخامس”، اكتشف الصياد الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، ودرسها بالمعهد الموسيقي بالرباط، مع عمله مصححا باللغة العربية في جريدة “العلم” لتمويل دراسته، قبل أن تبدأ رحلته خارج المغرب.
وبعد عقود من خمسينيات القرن العشرين، ورغم صيت عالمي، قدّر أحمد الصياد في تصريحه لهسبريس بأن “المرات التي تسمع فيها موسيقاي في المغرب قليلة”، وأضاف: “أتمنى أن يكون هذا الحفل مفتاح لقاءات أخرى مع الجمهور المغربي”.

ومع وجود احتفاءات في المغرب خلال العقدين الفارطين خاصة بموسيقى الصياد، إلا أن ندرة الاهتمام قد تجد تفسيرها في الصدى المحدود للموسيقى الكلاسيكية في ظل هيمنة موسيقات أخرى، وخاصة في ظل انتشار أصناف موسيقية سريعة الاستهلاك، فضلا عن طبيعة الموسيقى التي يكتبها هذا المؤلف، والتي قد يجدها البعض عسيرة على “الاستهلاك”.
ويفسر هذا في اعتقاد راسخ لدى أحمد الصياد يدلي به لهسبريس: “الموسيقى كأي عمل فني أو أدبي موقعها الأساسي وهمها الأول هو النشاز، وليس الطرب”.
ثم استرسل شارحا: “الطرب يأتي بعد قبول النشاز؛ ولهذا فالأفق الموسيقي والأفق السمعي لثقافة ما، يتسع ويشمل ثقافات بعيدة. أما إذا اكتفينا بما هو مقبول سمعيا، فمعنى هذا إغلاق أبواب التعرف على ما هو أخطر مما نسمع. ودور الموسيقى غزو النشاز لجعله انسجاما. وهذا ما يمكّن الثقافة من التوسع، وضم واستقبال كل الأصوات الممكنة وغير الممكنة أحيانا”.
The post "موسيقى خارج الطمأنينة" .. أحمد الصياد يعيد بناء العلاقة مع السماع appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





