مو كل شي “تروما”.. بين الوعي الحقيقي وترند السوشال ميديا
في السنوات الأخيرة، تحوّلت مصطلحات نفسية كثيرة إلى جزء من الحديث اليومي، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها مصطلح “التروما” أو الصدمة النفسية. هذا الانتشار الواسع ساهم من جهة في كسر الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية، وفتح باب النقاش حولها، لكنه من جهة أخرى أدّى إلى نوع من التبسيط المفرط، بل أحياناً التشويه، لمفاهيم علمية دقيقة تحتاج إلى فهم أعمق وسياق أوضح.
فلم يعد غريباً أن نسمع هذا المصطلح في وصف مواقف حياتية عادية، أو تجارب عاطفية يومية، ما خلق حالة من الخلط بين الألم الطبيعي الذي يمر به الإنسان، وبين الاضطرابات النفسية التي تتطلب فهماً متخصصاً وتعاملاً مختلفاً.
فـ”التروما” هي حالة نفسية تحدث للإنسان عندما يتعرض لموقف صعب ومؤلم يجعله يعيش حالة من القلق والخوف لفترة قد تمتد لسنين.
وباتت هذه الحالة النفسية منتشرة بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي ولكن الكثير من الناس يسخفون بها رغم خطورتها.
اقرأ أيضاً: الموسيقى في حياتنا.. من الطبول القديمة إلى التأثير النفسي العميق – 963+
ضغوط يومية
وتوضح مدربة الحياة سوسن سلماوي في حديثها لـ”963+” أن “التروما” في معناها العلمي ليست مجرد تجربة مؤلمة أو موقف مزعج، بل هي استجابة نفسية عميقة لحدث قاسٍ أو مهدِّد، كالتعرّض لحادث خطير، أو فقدان مفاجئ لشخص عزيز، أو المرور بتجربة عنف جسدي أو نفسي.
وتشير إلى أن هذه الأحداث لا تمرّ مروراً عابراً، بل قد تترك أثراً طويل الأمد، يظهر في سلوك الفرد، وأفكاره، وحتى في استجاباته الجسدية، مثل التوتر الدائم أو فرط اليقظة أو صعوبة النوم.
وفي المقابل، تشير سلماوي إلى أن الضغوط اليومية، مثل ضغوط العمل أو الدراسة أو الخلافات الشخصية، تُعد جزءاً طبيعياً من حياة الإنسان. ورغم أن هذه الضغوط قد تكون مرهقة ومزعجة، إلا أن معظم الأشخاص قادرون على التكيّف معها بمرور الوقت، من خلال آليات نفسية طبيعية مثل التكيف أو الدعم الاجتماعي أو حتى تغيير نمط التفكير. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين ما هو طبيعي في سياق الحياة، وما يُعد صدمة نفسية تحتاج إلى فهم وتعامل خاص.
وتؤكد المدربة أن ليس كل ألم هو “تروما”، فهناك خلط شائع بين الشعور بالحزن أو الانزعاج، وبين التعرض لصدمة نفسية حقيقية. فالتجربة تُصنّف كـ”تروما” عندما تتسم بالشدة والمفاجأة، أو عندما تنطوي على تهديد حقيقي لأمان الفرد الجسدي أو النفسي، وتترك أثراً مستمراً مثل القلق الحاد، أو الكوابيس المتكررة، أو تجنّب أماكن أو مواقف معيّنة. كما أن تأثيرها يكون واضحاً على الحياة اليومية، سواء في العمل أو العلاقات أو القدرة على ممارسة الأنشطة الطبيعية بشكل متوازن.
ومع تصاعد دور السوشال ميديا، أصبح من السهل تداول هذه المصطلحات خارج سياقها العلمي. فالكثير من المستخدمين باتوا يصفون مواقف عابرة أو تجارب غير مريحة بأنها “تروما”، مثل نهاية علاقة عاطفية، أو موقف محرج، أو حتى تجربة فشل بسيطة. هذا الاستخدام المبالغ فيه، بحسب سلماوي، يُفقد المصطلح معناه الحقيقي، ويجعل من الصعب التمييز بين ما هو تجربة إنسانية طبيعية، وما هو اضطراب نفسي يستدعي الانتباه والعلاج.
وتحذّر سلماوي من أن هذا الخلط لا يمرّ دون آثار سلبية، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يتأثرون بشكل كبير بالمحتوى المتداول على الإنترنت، ويتفاعلون معه بسرعة، أحياناً دون تمحيص أو تدقيق. إذ قد يؤدي ذلك إلى تضخيم مشاعر طبيعية، وتحويلها إلى مصدر قلق أو شعور بالمرض، بدل التعامل معها كجزء من التجربة الإنسانية. كما قد يُسهم في بناء هوية نفسية قائمة على فكرة “أنا متألم” أو “أنا ضحية”، بدلاً من تعزيز فكرة القدرة على التكيّف والتعافي والنمو.
اقرأ أيضاً: المرأة السورية.. شريك في التنمية وركيزة في ترسيخ الاستقرار المجتمعي – 963+
“تشخيص ذاتي”
ومن المخاطر الأخرى أيضاً، انتشار ظاهرة “التشخيص الذاتي”، حيث يلجأ البعض إلى إطلاق أحكام على حالتهم النفسية بناءً على مقاطع قصيرة أو منشورات عامة، دون الرجوع إلى مختصين. هذا السلوك قد يؤدي إلى فهم خاطئ للنفس، وتأخير الحصول على الدعم المناسب، أو حتى اتباع نصائح غير دقيقة قد تزيد من تعقيد المشكلة بدل حلّها. وفي بعض الحالات، قد يقتنع الشخص بأنه يعاني من اضطراب معين لمجرد تطابق بعض الأعراض العامة، دون النظر إلى الصورة الكاملة لحالته.
ولا يتوقف التأثير عند الأفراد فقط، بل يمتد ليشمل نظرة المجتمع ككل إلى الاضطرابات النفسية. فالاستخدام العشوائي لمصطلح “التروما” قد يقلّل من تقدير معاناة الأشخاص الذين يعانون فعلاً من اضطراب ما بعد الصدمة، وهو اضطراب حقيقي ومعقّد يتطلب دعماً وعلاجاً متخصصاً. وعندما يصبح المصطلح شائعاً بشكل مبالغ فيه، قد يفقد ثقله، وبالتالي لا يتم التعامل مع الحالات الجدية بالاهتمام والجدية التي تستحقها.
وفي سياق متصل، ترفض سلماوي الطرح الشائع الذي يربط كل مشكلة نفسية بتجارب الطفولة، مؤكدة أن هذا التفسير مبسّط للغاية ولا يعكس التعقيد الحقيقي للنفس البشرية. فصحيح أن الطفولة تلعب دوراً مهماً في تشكيل الشخصية، إلا أنها ليست العامل الوحيد. فالصحة النفسية تتأثر بمجموعة معقّدة من العوامل، تشمل البيئة الاجتماعية، والتجارب الحياتية اللاحقة، والسمات الشخصية، وأنماط التفكير، وحتى العوامل البيولوجية التي قد يكون لها دور مباشر في بعض الحالات.
هذا التبسيط المفرط، الذي ينتشر غالباً عبر المحتوى السريع على السوشال ميديا، قد يعطي انطباعاً خاطئاً بأن الإنسان “محكوم” بماضيه، وأنه غير قادر على التغيير، في حين أن الحقيقة العلمية تؤكد قدرة الإنسان على التكيّف والتعافي وإعادة بناء نفسه، مهما كانت تجاربه السابقة قاسية أو مؤلمة.
وتفرّق سلماوي بين ما تسميه “الوعي النفسي الحقيقي” و”الترند النفسي”، فالوعي الحقيقي يقوم على الفهم العميق والمتوازن للنفس، دون تهويل أو إنكار، ويشجّع على النمو الشخصي والتعامل الصحي مع المشاعر، كما يفتح الباب أمام التغيير التدريجي والواقعي. أما الترند، فيعتمد غالباً على عناوين جذابة ومحتوى سريع الانتشار، قد يفتقر إلى الدقة، ويركّز على الإثارة أكثر من الفائدة، ما يجعله أحياناً مضللاً رغم نيّته الظاهرة في التوعية.
وفي هذا الإطار، تؤكد سلماوي على أهمية تقديم محتوى نفسي مسؤول، يستند إلى مصادر علمية موثوقة، ويتجنّب التعميم أو إطلاق الأحكام الجاهزة. كما تشدد على ضرورة استخدام لغة توضيحية مبسّطة دون أن تكون مُضلّلة، والابتعاد عن التخويف أو تضخيم المشكلات، مع تشجيع الأفراد على طلب المساعدة من مختصين عند الحاجة، بدل الاعتماد على المعلومات العامة فقط.
وتضيف أن من المهم أيضاً تقديم الأمل إلى جانب المشكلة، لأن الهدف من الوعي النفسي ليس فقط تشخيص الألم أو تسليط الضوء عليه، بل المساعدة على تجاوزه، وتقديم أدوات عملية تساعد الأفراد على تحسين حياتهم النفسية بشكل تدريجي ومستدام.
في المحصلة، يبقى التحدي الحقيقي في التمييز بين ما هو شعور طبيعي يمرّ به كل إنسان، وما هو حالة تستدعي الانتباه والدعم. فليس كل ما يؤلمنا هو “تروما”، لكن كل ما نمرّ به يستحق أن نفهمه بوعي، ونتعامل معه بمسؤولية، بعيداً عن المبالغة أو التهوين. فالصحة النفسية ليست مصطلحاً رائجاً أو “ترنداً” عابراً، بل هي رحلة مستمرة نحو فهم الذات، وبناء حياة أكثر توازناً وهدوءاً وقدرة على التكيّف مع تحديات الحياة.
The post مو كل شي “تروما”.. بين الوعي الحقيقي وترند السوشال ميديا appeared first on 963+.





