منطقة عازلة من دون "اليونيفيل"… وخارج جدول التّفاوض
لا تُراهن السلطة في لبنان على تحوّلٍ مفصليّ سيعقب جلسة “المواجهة” الأولى بين لبنان وإسرائيل في واشنطن بقدر ما تطمح أوّلاً إلى كَسر “تابو” التفاوض وجهاً لوجه، من دون أن يُواجَه باستقالة الوزراء الشيعة من الحكومة ولا طرح الثقة بها، وثانياً إلى وضع اللبنة الأولى لتفاهمات لا تزال أسيرة شروط إسرائيليّة قاسية جدّاً، في ظلّ رفض “الحزب” المطلق للتفاوض المباشر.
ألغام أمام المفاوضات
حاصرت ثلاثة ألغام جدّيّة “لقاء السفراء في واشنطن”، المفترض أن يُمهّد لمفاوضات مباشرة لبنانيّة-إسرائيليّة، وهي الأولى من نوعها منذ مفاوضات عام 1983 التي أفضت إلى اتّفاق 17 أيّار، وتلك التي جرت في مرحلة 1992-1993 تحت سقف مسارات تفاوض متعدّدة الأطراف عقب انطلاق مؤتمر مدريد للسلام:
-الأوّل: إعلان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو عشيّة اجتماع واشنطن تجاوز إسرائيل احتلالها للمواقع الحدوديّة الخمسة لإقامة حزام أمنيّ يُقدّر بين 8 و10 كلم لـ”منع تهديدات الصواريخ المضادّة للدروع والتسلّل البرّيّ”، بالتزامن مع تكثيف الحزام الناريّ على بنت جيبل لاحتلالها بالكامل، وتسجيل تقدّم برّيّ على جبهة الخيام، وتكثيف الغارات الجوّيّة جنوباً وبقاعاً.
بالمفهوم العسكريّ والرمزيّ، الخيام وبنت جبيل بمنزلة “قلعة” عسكريّة لـ”الحزب” فشل العدوّ الإسرائيليّ في السيطرة عليها عامَي 2006 و2024، وهما أساس أيّ إعلان إسرائيليّ مقبل لتدشين السيطرة الأمنيّة جنوب الليطاني. أخطر من ذلك، تسعى إسرائيل، وفق تقارير أمنيّة موثّقة لدى الجانب اللبنانيّ، إلى “تطفيش” اليونيفيل قبل أن يحين أوان مغادرتها نهاية العام.
للمرّة الأولى أصدرت “اليونيفيل” يوم الأحد بياناً مفصّلاً عن الاعتداءات الإسرائيليّة على جنودها، بما في ذلك “تدمير كاميرات المراقبة، صدم آليّات بدبّابات ميركافا، قطع طرق، تقييد حرّيّة الحركة، ورشّ طلاء على نوافذ بوّابات لحجب الرؤية عن المحيط الخارجيّ”. تقول مصادر أمنيّة في هذا السياق: “أحد أهمّ مقوّمات المنطقة العازلة عدم وجود قوّات “اليونيفيل” داخلها”.
-الثاني: إعلان الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم عشيّة اجتماع واشنطن “البقاء في الميدان حتّى آخر نَفَس، ولن نستسلم”، مع الدعوة إلى إلغاء لقاء واشنطن، وتراجع لبنان عن قرار المفاوضات المباشرة “العبثيّة”، مشترطاً التوافق الداخليّ بين مكوّناته على هذا المسار، مع تأكيد إعادة “الحزب” “تنظيم نفسه بصمت وغموض، ومتى سمحت الفرصة سنأسر من جنود العدوّ”.
ما لم يقُله قاسم جاهر به نائب “الحزب” علي فيّاض في تصريح إعلاميّ: “يقول الرئيس جوزف عون إنّ ورقته في المفاوضات هي الوحدة الوطنيّة، ونحن نقول لن تقوم هذه الوحدة إلّا معنا، ولا يمكن لأحد أن يتجاوزنا. يجب الاتّفاق معنا على كلّ المسارات، وإلّا فلا قيمة لأيّ تفاهم، وسيكون غير قابل للتنفيذ”. أكّد فياض أنّ “المفاوضات المباشرة أدخلت البلد بمأزق شديد الخطورة، لن يُلبّي الشروط الإسرائيليّة، وإذا لبّاها فستكون هناك إشكاليّة كبيرة على المستوى الداخليّ”.
– الثالث: وصول العلاقة بين “الحزب” من جهة ورئيسَي الجمهوريّة والحكومة من جهة أخرى إلى أسوأ مراحلها منذ بداية العهد. بلغ الأمر حدّ توجيه رسالة في الشارع يوم السبت الماضي من خلال التظاهرة أمام السراي الحكوميّ. صحيح أنّ حركة “أمل” و”الحزب” سارعا لاحقاً إلى “طلب عدم التظاهر في هذه المرحلة الدقيقة”، لكنّ معلومات “أساس” تؤكّد وجود “قبّة باط” من الثنائيّ الشيعيّ لهذا التحرّك، الذي لم يكن عفويّاً. الدليل أنّ الدعوة إلى عدم التظاهر أعقبت التحرّك في الشارع، ولم تسبقه، وكأنّ المطلوب إرسال رسالة بالقدرة على حشد الشارع بأيّ لحظة.
عون وسلام: نسعى لهدنة يطلبها “الحزب”
ما يَصِفه “الحزب” بـ”إدارة تنازليّة ضعيفة تفتقد القدرة على المناورة والصلابة، وتقدِّم للعدوّ تنازلات بالمجّان”، يُعتبر في ميزان عون وسلام خطوة هائلة “باتّجاه إرساء هدنة مؤقّتة على الأقلّ، أو وقف دائم لإطلاق النار. هذا الإنجاز بحدّ ذاته هو ما يُطالِب به “الحزب” علناً. لكن انطلاقاً منه، نسعى إلى تفاهمات تُخرِج لبنان نهائيّاً من سياسة المحاور، وتضع حدّاً لاستمرار “الحزب” في أخذ لبنان نحو حروب مُدمّرة والارتهان لإيران، مقابل دفع إسرائيل إلى القيام بموجباتها حيال لبنان، المتّفق عليها مسبقاً في اتّفاق 27 تشرين الثاني 2024″.
تقول مصادر رسميّة مؤيّدة للتفاوض المباشر: “قبل أن تنطلق المفاوضات نجح لبنان في فصلها عن مسار التفاوض الأميركيّ-الإيرانيّ، وهذا إنجاز بحدّ ذاته، فيما الرهان الثاني القدرة على تثبيت وقف إطلاق النار واشتراطه لانطلاق المفاوضات، وإلّا فلن يسير فيها لبنان”.
تكشف المصادر أنّ “عدّة دول أبدت رغبتها باستضافة المفاوضات، بينها باريس، قبرص، مصر، والأردن، وهذا الأمر أيضاً سيكون محطّ توافق لبنانيّ-أميركيّ-إسرائيليّ، مع ضرورة الفصل التامّ مع مسار مفاوضات إسلام آباد، إلّا أنّ استئناف هذه الأخيرة مجدّداً سيعطي دفعاً أكبر للمفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة”.
لكنّ أوساطاً عدّة ترى أنّ “لبنان قد يضطرّ إلى الاستمرار في التفاوض، حتّى لو لم يتمّ وقف إطلاق النار واستمرّت إسرائيل في عمليّاتها العسكريّة، لأنّه لا خيارات لديه. من جهة أخرى، وفي حال انطلاق التفاوض الرسميّ فعليّاً، عقب لقاء واشنطن، سيبقى الوفد اللبنانيّ المُفاوِض عاجزاً عن تقديم استراتيجية واضحة للتفاوض ما دام لا يملك ورقة سلاح “الحزب” بيده، ولا الإمرة العسكريّة على الأرض. الأرجح أنّ اللغم الأكبر الذي قد ينفجر بالمفاوضات هو أنّ إسرائيل لا تريدها راهناً، إذ ينصبّ تركيزها على تسجيل مكاسب إضافيّة في أرض المعركة، والتصرّف على أساس أنّ جزءاً من جنوب الليطاني بات تحت السيطرة الإسرائيليّة الكاملة الذي لن يسترجعه لبنان ما دام “الحزب” يحتفظ بسلاحه وترسانته العسكريّة”.
مع ذلك، ثمّة من يدعو إلى رصد خيط الدخول السعودي على خط الأزمة من بوابة عين التينة، بعدما أوفد الرئيس نبيه بري أمس النائب علي حسن خليل إلى الرياض. ولم يعرف حتى الآن إذا هذا المسعى قد ينعكس على موقف الثنائي الشيعي من التفاوض المباشر مع إسرائيل، ونتائج هذا التفاوض.
ملاك عقيل - اساس ميديا
The post منطقة عازلة من دون "اليونيفيل"… وخارج جدول التّفاوض appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





