هلا أخبار – في ضوء زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني المرتقبة إلى جمهورية الصين الشعبية، وما تحمله من أهمية في تعزيز العلاقات الثنائية والارتقاء بالتعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، أصدر منتدى الاستراتيجيات الأردني تقرير “المعرفة قوة” بعنوان “الآفاق الاقتصادية الأردنية – الصينية: ما بين التجارة والاستثمار المباشر”، تناول فيه الدور الاقتصادي المتنامي للصين في منطقة الشرق الأوسط، وواقع التجارة والاستثمار بين الأردن والصين، بالإضافة إلى أولويات الأردن المرتبطة باستقطاب الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الصادرات، لتطوير مكانته كمنصة إقليمية موثوقة للإنتاج.
وأشار المنتدى في ورقته إلى أن التحولات التكنولوجية والمنافسة بين القوى الكبرى تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وتحوّل التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد إلى أدوات مباشرة للأمن الاقتصادي. وفي هذا المشهد، برزت الصين مؤخرًا كقوة صناعية واستثمارية وتكنولوجية كبرى، بينما أصبحت الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة تعطي أولوية متزايدة لمرونة سلاسل التوريد، وضوابط التصدير، واعتبارات الأمن الاقتصادي.
وبالنسبة للأردن، أوضحت الورقة أن المملكة حافظت على علاقات استراتيجية راسخة مع العديد من الشركاء الإقليميين والدوليين بهدف استقطاب الاستثمارات المنتجة، وتعزيز القدرات الصناعية، وتوسيع قاعدة الصادرات وتنويعها سلعيا وجغرافيا. وذلك من أجل رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتوليد فرص عمل مستدامة.
وفي ضوء ذلك، أشارت الورقة الى أن زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني المرتقبة إلى الصين تمثل فرصة لتعميق العلاقات الاقتصادية الثنائية؛ إذ يتسم التبادل التجاري باختلال كبير في الميزان التجاري، في حين تتركز الاستثمارات الصينية في نطاق محدود نسبيًا من الأنشطة الاقتصادية في الأردن.
وعلى مستوى المنطقة، بينت الورقة أن الصين قد رسّخت مكانتها كأحد الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين لدول الشرق الأوسط. فبعد أن كانت علاقاتها بالمنطقة ترتكز على تلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، اتسع نطاق التعاون تدريجيًا ليشمل التجارة والاستثمار والبنية التحتية والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، مستفيدةً من الزخم الذي وفرته مبادرة الحزام والطريق.
فعلى صعيد التجارة، بلغت الصادرات الصينية إلى الاقتصادات العربية في عام 2025 نحو 293.5 مليار دولار، فيما بلغت مستورداتها نحو 201 مليار دولار، ليصل إجمالي حجم التبادل التجاري إلى قرابة 495 مليار دولار.
وبين المنتدى في ورقته الاختلاف في طبيعة العلاقات التجارية بين دول المنطقة والصين؛ إذ تتركز مستوردات الصين في مصادر الطاقة من الدول النفطية، في حين تحقق فوائض تجارية كبيرة مع اقتصادات الدول غير النفطية عمومًا.
كما أشارت الورقة الى أن الاستثمار الصيني الخارجي يمثل بُعدًا مهمًا في علاقاته مع الدول. فعلى المستوى العالمي، ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية من 45.8 مليار دولار في عام 2010، إلى ذروتها البالغة 215.0 مليار دولار في عام 2017، قبل أن تنخفض بصورة ملحوظة خلال الفترة 2018-2023، لتعاود الارتفاع بعد ذلك إلى 88.2 مليار دولار في عام 2025. ويشير هذا المسار إلى أن الاستثمارات الصينية في الخارج لا زالت مهمة، إلا أنها قد تكون أصبحت أكثر انتقائية مقارنةً بالمراحل السابقة التي اتسمت بالتوسع السريع.
وفي هذا السياق، أشارت ورقة المنتدى إلى أن هيكل الاستثمارات الصينية الخارجية يشهد تحولًا ملحوظًا. فقد ركز في مراحله السابقة على البنية التحتية والطاقة في إطار مبادرة الحزام والطريق. في حين أصبحت هذه الاستثمارات تتجه بصورة متزايدة، نحو مشاريع الطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية والبطاريات، والبنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات التحويلية المتقدمة.
ومن المتوقع أن يتعزز هذا التحول في ضوء التشريعات الجديدة التي فرضتها الصين على استثماراتها في الخارج، والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 تموز 2026. فقد أصبحت الصين تولي اهتمامًا أكبر في استثماراتها إلى الامتثال والحوكمة والاستدامة وأمن سلاسل التوريد، مما يتيح الفرصة أمام الأردن لجذب استثمارات إنتاجية مسؤولة ترفع من القيمة المحلية، وتنقل التكنولوجيا، وتوسع قاعدة الصادرات، بما يمكّن الأردن من الاندماج في سلاسل القيمة العالمية الموثوقة.
وفيما يخص العلاقات الأردنية–الصينية، بينت الورقة أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين لا تزال تركّز بالأساس على التجارة، أكثر من الاستثمار والإنتاج والتعاون التكنولوجي. ففي عام 2025، بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليار دولار، مقابل مستوردات صينية من الأردن بلغت 0.43 مليار دولار فقط، ما أسفر عن اختلال في الميزان التجاري الثنائي بنحو 5.86 مليار دولار. كما لا تزال الصادرات الأردنية تتركز في نطاق محدود نسبيًا من السلع، بما في ذلك الفوسفات، والبوتاس، والأسمدة، والمواد الكيماوية، والنحاس.
وعلى صعيد الاستثمار، أوضح المنتدى في ورقته أن القيمة التراكمية للاستثمارات الصينية المباشرة في الأردن بلغت نحو 3.56 مليار دولار خلال الفترة 2010–2025. ورغم أن هذه القيمة هي أدنى من نظيراتها في العراق (12.19 مليار دولار)، والإمارات (9.72 مليار دولار)، ومصر (8.29 مليار دولار)، والسعودية (7.02 مليار دولار)، والمغرب (3.93 مليار دولار)، إلا أنها تعكس حضورًا استثماريًا صينيًا مهمًا في الأردن.
فيما بلغ عدد المشاريع الصينية الاستثمارية المنفذّة في الأردن 71 مشروعًا خلال الفترة 2010–2025، مقارنةً بـ1,227 مشروعًا في الإمارات، و540 مشروعًا في السعودية، و375 مشروعًا في مصر، و177 مشروعًا في المغرب. في حين لم يتجاوز عدد المشاريع الصينية المنفذة في العراق 30 مشروعًا، رغم استقطابه استثمارات بقيمة 12.19 مليار دولار.
هذا، وقد شهدت الاستثمارات الصينية في الأردن تركزًا بدرجة كبيرة في قطاع واحد؛ فمن أصل 3.56 مليار دولار استثمرتها الصين في الأردن خلال الفترة 2010–2025، استحوذ قطاع الطاقة على نحو 3.17 مليار دولار، أي ما يقارب 89% من إجمالي هذه الاستثمارات. فيما جاءت الاستثمارات الصينية الأخرى في قطاعات محدودة؛ حيث بلغت نحو 360 مليون دولار في المنتجات الاستهلاكية، و19.7 مليون دولار في قطاع المركبات، و6.4 مليون دولار في الخدمات المالية وخدمات الأعمال، و4.27 مليون دولار فقط في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وانطلاقاً من ذلك، رأى منتدى الاستراتيجيات الأردني أن التحدي أمام الأردن في علاقته الاستراتيجية مع الصين لا يتمثل بمجرد استقطاب المزيد من الاستثمارات الصينية المباشرة فقط، بل في تنويعها وتوجيهها نحو أنشطة اقتصادية تسهم في بناء القدرات الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا والمعرفة الفنية، وتطوير الموردين المحليين، وخلق فرص عمل تتطلب مهارات متقدمة، وتعزيز قدرة الأردن على الانتقال نحو أنشطة تصديرية أكثر تطورًا.
هذا، وقد قام المنتدى بتحديد خمسة محاور رئيسية لتعظيم نتائج الزيارة، أولها تعزيز مكانة الأردن لدى المستثمرين الصينيين كقاعدة مستقرة ومترابطة دوليًا للإنتاج الموجه للتصدير. حيث يوفر موقعه الاستراتيجي، وقوته العاملة الماهرة، ومناطقه الصناعية، ونفاذه التفضيلي إلى الأسواق الرئيسية، قاعدة قوية للاضطلاع بهذا الدور.
وفي هذا الإطار، دعت الورقة إلى ضرورة تقديم الأردن لمزاياه النسبية ضمن عرض استثماري متكامل، يجمع بين رأس المال والتكنولوجيا والقدرات التصنيعية الصينية من جهة، والإنتاج والمهارات الأردنية والنفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية من جهة أخرى. ومن شأن ذلك أن يعزز مكانة الأردن كمنصة موثوقة للإنتاج المتكامل دوليًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على علاقاته الاقتصادية الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا والشركاء الآخرين.
فيما أشار المنتدى في المحور الثاني، إلى أهمية تنويع الاستثمارات الصينية نحو أنشطة تدعم مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، والتي تشمل: الصناعات التحويلية المتقدمة، وصناعات الطاقة المتجددة، والتعدين، والصناعات الدوائية، والخدمات اللوجستية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات الرقمية، والصناعات الغذائية، والسياحة. وبالأخص في المشاريع التي تؤسس أنشطة إنتاجية في الأردن، وتخلق فرص عمل مجزية، وترفع من قدرات الموردين المحليين، وتنقل التكنولوجيا والمعرفة الفنية، وتسهم في تنويع الصادرات.
وبين المنتدى في المحور الثالث ضرورة أن يتجاوز التعاون الاستثماري مع الصين استقطاب رأس المال المادي ليشمل نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، وتحديدا في مجالات الطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية والبطاريات، والبنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات التحويلية المتقدمة. ما ينبغي للأردن العمل على استقطاب شراكات من الصين في مجال البحث والتطوير، ومراكز الابتكار، وبرامج التدريب المهني والتقني، والتعليم الجامعي، والتسويق التجاري للأفكار والمشاريع الريادية.
وفيما يتعلق بالمحور الرابع، أكد المنتدى في ورقته على أهمية توسيع حجم وقاعدة الصادرات الأردنية إلى الصين؛ خاصة وأن الفرص التصديرية الأردنية غير المستغلة إلى السوق الصيني تقدّر بنحو 400 مليون دولار. وعليه، دعا المنتدى إلى ضرورة تحقيق تقدم عملي في مجال نفاذ الصادرات الأردنية إلى السوق الصيني، من خلال تبسيط المعايير وإجراءات الاعتماد، والخدمات اللوجستية، والتجارة الإلكترونية، والترويج التجاري، وتعزيز العلاقات المباشرة بين الشركات في البلدين.
أما المحور الخامس، فأشار المنتدى إلى أهمية تحويل الاتفاقيات ما بين الحكومات إلى مشاريع منفذة على أرض الواقع. وذلك من خلال الجمع ما بين المستثمرين والفرص الاستثمارية على المستوى القطاعي في الأردن، وتعزيز الروابط الاقتصادية بين غرف الصناعة والتجارة ومؤسسات الأعمال في كلا البلدين، وبناء منظومة للتواصل المشترك والفعّال بين الشركات الصينية ونظيراتها من الشركات الأردنية، بما في ذلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وفي هذا السياق، اقترح منتدى الاستراتيجيات الأردني إنشاء آلية دائمة للتعاون الاقتصادي والتنفيذ بين الأردن والصين، تضم المؤسسات الحكومية المعنية، والجهات المسؤولة عن الاستثمار، ومؤسسات الأعمال، والقطاع الخاص، بهدف متابعة المشاريع المتفق عليها، ومعالجة العقبات التي تواجه تنفيذها، وتحديد فرص جديدة للتعاون. ومن شأن هذه الآلية أن تضمن استمرارية العمل بعد الزيارة، وأن تسهم في تحويل الالتزامات رفيعة المستوى إلى استثمارات قابلة للتنفيذ ومجدية تجاريً وأشار المنتدى إلى أن الزيارة الملكية إلى الصين تمثل فرصة لدفع هذا التحول قدماً، وترجمة الشراكة الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة تتجسد في استقطاب استثمارات أكثر تنوعًا، وتوسيع الصادرات، ونقل التكنولوجيا، واستحداث فرص عمل نوعية، وتعزيز القدرات المحلية، بما يضمن أن تمتد مخرجات هذه الزيارة إلى ما هو أبعد من الاتفاقيات الموقعة نحو أثر اقتصادي ملموس.





