من كل بستان زهرة –132– ماجد دودين
*******************
الحضُّ على العَملِ بمكارمِ الأخلاقِ وأحسنِها
قال صلى الله عليه وسلّم: “إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائمِ.” صحيح أبي داود
في هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنّ المؤمِنَ لَيُدركُ بحُسنِ خُلقِه دَرجةَ الصَّائمِ القائمِ؛ وذلك لأنَّ الذي يُحسِّن خُلَقه مع الناسِ مع اختِلافِ طَبائعِهم يُجاهِدُ نفوسًا كثيرةً، وذلك بكَفِّ الأذَى عنهم، وبَذْلِ العَطاءِ لهم، وطلاقةِ الوَجهِ مع الصَّبرِ على آذاهم، والصائمُ القائمُ يُجاهِدُ نفسَه؛ لذلكَ يُدركُ المؤمنُ بحُسِن خلُقِه دَرجةَ- أي: منزلةَ وثوابَ- الصائمِ، أي: المتطوِّع بالصَّومِ بالنهارِ، القائمِ، أي: المتهجِّد بالليل؛ فالصَّائمُ القائمُ عِندَه من التَّعبِ والمشقَّةِ لقيامِه الليلَ بصَلاةِ التطوُّعِ، بعدَ صِيامِه للنَّهار؛ فكونُ صاحِبِ حُسنِ الخُلقِ يكون في دَرجةِ هؤلاء إنَّما هو لمُجاهدتِه الناسَ بحُسنِ المعاملةِ فيهم وإنْ قَسَوْا عليه؛ فيكون الصبرُ مِفتاحَه فيهم.
******************
“يا موسى”
غضب الخليفة المأمون على وزيره عبد الله بن طاهر، وشاور أصحابه في معاقبته، وكان صديق له حاضرًا ذلك المجلس، فكتب إليه كتابًا قال فيه: “بسم الله الرحمن الرحيم، يا موسى”، فلما قرأ الوزير الكتاب تعجب وأطال النظر فيه ولم يفهم معناه، وكانت له جارية واقفة على رأسه فقالت له: يا سيدي، إني أفهم معنى هذا الكلام. قال: ما هو؟ قالت: إنه أراد قوله تعالى: يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ”
وكان الوزير عازمًا على الحضور إلى المأمون، فثنى عزمه ولم يذهب، ثم اعتذر له في اليوم الثاني، فكان ذلك سبب نجاته.
ويشبه هذا ما ذكره ابن خلّكان أنّ بعض الملوك غضب على بعض عماله، فأمر وزيره بإحضاره، وكان العامل صديقًا للوزير، فكتب إليه كتابًا وختمه بكلمة: “إنّ شاء الله”، ووضع فوق حرف النون شدّة، فلما قرأ العامل الكتاب تعجب كيف وقعت هذه الحركة من الوزير؛ لأن من عادة الكتّاب عدم تشكيل كتبهم، وفكّر في هذا الأمر، ثم ظهر له أن الوزير أراد قوله تعالى: “يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ”.
فقام العامل بمحو الشدّة وجعل مكانها حرف الألف مربوطًا بالنون، وأعاد الكتاب إلى الوزير، فسّر الوزير بذكائه، وفهم أنّ مراده قوله تعالى: “إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا.”
********************
واجبات الأم المثالية:
- أن ترعى بيتها وتقوم بهذه المسؤولية التزاماً بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.”
- أن تحفظ زوجها في ماله وعرضه وشرفه، وأن تحسن معاشرته.
- أن تكون العين الساهرة على رعاية وتربية أبنائها.
- أن تكون الصديق الصدوق لأبنائها حتى لا يقعوا فريسة لأصدقاء السوء نتيجة غياب الصديق المخلص في البيت.
- أن تشرك أبناءها في مسؤوليات الأسرة وأمورها حسب قدراتها وقدراتهم، لتدريبهم وتعويدهم على تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار المبني على الشورى.
- أن تكون القدوة الصالحة أمام أبنائها في تأديتها حقوق دينها كاملة.
- أن تكون الملاذ لبناتها فيما يواجهن من مشكلات واستفهامات، حتى لا تبحث البنت عن بديل خارج الأسرة، مما قد يعرّضها للسوء.
- أن تربّي أبناءها تربية إسلامية سليمة، حين تكون هي القدوة والمثل في تصرفاتها وأفعالها وأقوالها وسلوكياتها وقيمها.
- ألا تميِّز بين أحدٍ من أبنائها حتى ينشأوا في كنف أسرةٍ متحابةٍ مترابطة، تبتعد بأبنائها عن الجنوح والتمرّد.
- أن تجمع أسرتها على الحب والودّ والإيثار والتضحية.
- أن تنمِّي في أبنائها حبَّ الأب واحترامه، ضارِبةٌ لهم المثل في ذلك.
- أن تضرب المثل لأبنائها في رعاية ذوي القربى والأهل لتكوين علاقاتٍ اجتماعيةٍ قوية.
- أن تنمِّي في أبنائها حبَّ الوطن، والولاء والانتماء له.
- أن تنمِّي في أبنائها احترامَ الملكية العامة والنظام، واحترامَ القانون، ضاربةً لهم المثل في ذلك، فهي التي تغرس والمجتمع يجني ثمار غرسها.
*****************
أقوال السلف والعلماء في العدل
- قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: (إنّ الله إنّما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول لتحيا القلوب، فإنّ القلوب ميّتة في صدورها حتّى يحييها الله، من علم شيئا فلينفع به، إنّ للعدل أمارات وتباشير، فأمّا الأمارات فالحياء والسّخاء والهين واللّين. وأمّا التّباشير فالرّحمة. وقد جعل الله لكلّ أمر بابا، ويسّر لكلّ باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزّهد، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال. والزّهد أخذ الحقّ من كلّ أحد قبله حقّ، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء).
- وقال ربعيّ بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس لما سأله ما جاء بكم؟ فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدّنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه حتّى نفيء إلى موعود الله …)
- وقال عمرو بن العاص: (لا سلطان إلا بالرجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل).
- (وخطب سعيد بن سويد بحمص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن للإسلام حائطاً منيعا وبابا وثيقاً، فحائط الإسلام الحق وبابه العدل. ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد السلطان. وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضرباً بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذاً بالعدل).
- وقال ابن حزم رحمه الله: (أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبّه، وعلى الحقّ وإيثاره).
- وقال ابن تيمية رحمه الله: (العدل نظام كلّ شيء فإذا أقيم أمر الدّنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق. ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة).
- وقال أيضا: (وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم: أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام).
- وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى: (ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق وأنه عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها وأن من أحاط علما بمقاصدها ووضعها موضعها وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة.
فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها. وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الشريعة علمها من علمها وجهلها من جهلها).
*****************
وإذا العناية لاحظتك عيونُها لا تخشَ من بأسٍ فأنت تصانُ
وبكلّ أرضٍ قد نزلت قفارها نم فالمخاوف كلّهنَّ أمانُ
واصطد بها العنقاء فهي حبائلٌ واطعن بها الأعداء فهي سنان
وافتح كنوز الأرض فهي غرائمٌ واقتد بها الجوزاء فهي عنان
*****************
من حفظ الله تعالى يحفظه تعالى من جميع الشرور، وفي الحديث النبوي الشريف يقول صلى الله عليه وسلّم لابن عباس رضي الله عنهما: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك…))، أي: راعي حدود الله تعالى في جميع جوانب الحياة ولا تتعداها، فإن ذلك سبب في انتشالك من المصاعب والمتاعب والمهالك.
ومما لا شك فيه أن وقاية الله أقوى وأمتن من كل التحصينات المادية الحسية، فمن شاء الله تعالى له الحفظَ حفظه ولو كان في قلب المهالك، فترى أن الله تعالى يهيأ لمن راعى حدوده الأسباب ويخرجه بسلام وأمان من كل خوف، فكم أناس خرجوا من تحت ركام ما كان لعقل بشري يتصور أن يخرج أحد من تحته بسلام، وكم أناس أعمى الله قلوب أعدائهم أن يصلوا إليهم وهم أمامهم ولم يلحق بهم أذى، ومثل ذلك حصل مع النبي ﷺ وأم جميل.
أم جميل بنت حرب بن أمية زوجة أبي لهب، وأخت أبي سفيان، وصفها الله في القرآن {حمالة الحطب} كانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانها وبفعلها، فمن ايذائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانها ما رواه الحاكم، عن اسماء بنت ابي بكر رضي الله عنها قالت: لما نزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب} اقبلت العوراء ام جميل بنت حرب ولها وَلْوَلَة، وفي يدها فهر أي: -حجر- وهي تقول عن النبي ﷺ: مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا.
والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، ومعه أبوبكر، فلما رآها أبوبكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، قد أقبلت، وأنا أخاف أن تراك فقال رسول اللهﷺ: ((إنها لن تراني)). وقرأﷺ قرآنا، فاعتصم به، وهو قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } فوقفت على أبي بكر رضي الله عنه، ولم ترَ رسول اللهﷺ، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ -وهوﷺأمام أعينها- إني أخبرت أن صاحبك هجاني، والله لو وجدته لضربته بهذا الحجر…فلما انصرفت قال أبوبكر رضي الله عنه: يا رسول الله أما رأتك؟ فقالﷺ: ((ما رأتني لقد أخذ الله بصرها عني))
وفي هذا المعنى قال الإمام البوصيري رحمه الله في البردة:
وقاية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم
ومعناه أن حفظ الله ورعايته للنبي صلى الله عليه وسلم يغنيه عن لبس الدروع الثقيلة المتاحة، وعن التحصن بالحصون العالية لمواجهة الأخطار.
*****************
وصف الكتب
لَنَا جُلَسَاءُ مَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ
أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونُ غَيْبًا وَمَشْهَدَا
يُفِيدُونَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَا مَضَى
وَعَقْلًا وَتَأْدِيبًا وَرَأْيًا مُسَدَّدَا
بِلَا فِتْنَةٍ تُخْشَى وَلَا سُوءِ عِشْرَةٍ
وَلَا يُتَّقَى مِنْهُمْ لِسَانًا وَلَا يَدَا
فَإِنْ قُلْتَ أَمْوَاتٌ فَلَا أَنْتَ كَاذِبٌ
وَإِنْ قُلْتَ أَحْيَاءٌ فَلَسْتَ مُفَنَّدَا
**************
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْعِلْمَ أَرْفَعُ رُتْبَةً
وَأَجَلُّ مُكْتَسَبٍ وَأَسْنَى مَفْخَرِ
فَاسْلُكْ سَبِيلَ الْمُقْتَنِينَ لَهُ تَسُدْ
إِنَّ السِّيَادَةِ تُقْتَنَى بِالدَّفْتَرِ
وَالْعَالِمُ الْمَدْعُوُّ حَبْرًا إِنَّمَا
سَمَّاهُ بِاسْمِ الْحَبْرِ حَمْلُ الْمِحْبَرِ
وَبِضَمْرِ الْأَقْلَامِ يَبْلُغُ أَهْلُهَا
مَا لَيْسَ يُبْلَغُ بِالْجِيَادِ الضُّمَّرِ
***********************
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم … وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا
وَالبَيتُ لا يُبتَنى إِلّا لَهُ عَمَدٌ … وَلا عِمادَ إِذا لَم تُرسَ أَوتادُ
فَإِن تَجَمَّعَ أَوتادٌ وَأَعمِدَةٌ … لِمَعشَرٍ بَلغوا الأَمرَ الَّذي كادوا
هذه الأبيات تدور حول أهمية القيادة والتنظيم ووحدة المجتمع، وتستخدم تشبيهًا بليغًا ببناء البيت.
شرح الأبيات
1. لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم … وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا
المعنى:
لا يستقيم حال الناس إذا عاشوا في فوضى من غير قادة أو أصحاب رأي وحكمة يديرون شؤونهم. كما أن وجود القادة وحده لا يكفي إذا كان الذين يتولون القيادة من الجهال، لأن الجهل يؤدي إلى فساد الأمور.
الفكرة:
صلاح المجتمع يحتاج إلى قيادة حكيمة وعاقلة، وليس مجرد وجود قائد.
2. وَالبَيتُ لا يُبتَنى إِلّا لَهُ عَمَدٌ … وَلا عِمادَ إِذا لَم تُرسَ أَوتادُ
المعنى:
يشبّه الشاعر المجتمع بالبيت؛ فالبيت لا يقوم إلا على أعمدة، وهذه الأعمدة لا تثبت إلا إذا كانت لها أوتاد راسخة في الأرض. وكذلك المجتمع لا يستقر إلا إذا قامت دعائمه على أسس قوية.
الفكرة:
كل بناء يحتاج إلى أسس متينة، وكذلك الدول والمجتمعات تحتاج إلى نظام وقواعد ثابتة.
3. فَإِن تَجَمَّعَ أَوتادٌ وَأَعمِدَةٌ … لِمَعشَرٍ بَلغوا الأَمرَ الَّذي كادوا
المعنى:
إذا اجتمعت الأسس القوية (الأوتاد) مع الأعمدة الثابتة، تمكن القوم من تحقيق ما كانوا يطمحون إليه ويقاربون الوصول إليه.
الفكرة:
عندما تتوافر القيادة الحكيمة، والنظام، والتعاون بين أفراد المجتمع، تتحقق الأهداف والنجاح.
الفكرة العامة
تؤكد الأبيات أن المجتمع لا ينهض إلا بقيادة حكيمة، ونظام راسخ، وتعاون بين أفراده، كما أن البيت لا يقوم إلا على أعمدة وأوتاد ثابتة.
أبرز الصور البلاغية
تشبيه تمثيلي: شبّه المجتمع بالبيت؛ فكما أن البيت يحتاج إلى أعمدة وأوتاد، يحتاج المجتمع إلى قيادة ونظام.
استعارة: جعل القيادة والأسس بمنزلة الأعمدة والأوتاد التي يقوم عليها البناء.
القيم المستفادة
أهمية القيادة الحكيمة.
ضرورة النظام والاستقرار.
أن الجهل في القيادة سبب لفساد المجتمع.
التعاون وبناء المؤسسات على أسس قوية يؤديان إلى النجاح.
*******************
﴿وَمَاۤ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِیبَةࣲ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِیكُمۡ وَیَعۡفُوا۟ عَن كَثِیرࣲ﴾ [الشورى ٣٠]
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا في القَلْبِ، وضِياءً في الوَجْهِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، وزِيادَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَلْبِ ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وهَذا يَعْرِفُهُ صاحِبُ البَصِيرَةِ، ويَشْهَدُهُ مِن نَفْسِهِ ومِن غَيْرِهِ.
فَما حَصَلَ لِلْعَبْدِ حالٌ مَكْرُوهَةٌ قَطُّ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
وَقالَ لِخِيارِ خَلْقِهِ وأصْحابِ نَبِيِّهِ ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
* فائدة
قوله تعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾
وفي هذا تبشير وتحذير إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا، وهو أرحم أن يثني العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا كما قال ﷺ: “من بلي بشيء من هذه القاذورات فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ومن عوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده”
وفي الحديث: “الحدود كفارات لأهلها” وفي الصحيحين من حديث عبادة: “ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له” وفي الصحيح عنه ﷺ: “ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه”
وقال: “لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة”
وفي حديث آخر: “إن المؤمن إذا مرض خرج مثل البردة في صفائها ولونها”
وفي الحديث الآخر: “إن الحمى تنفي الذنوب كما ينفي الكير الخبيث الحديد”
وفي حديث آخر: “لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم”
* وقال في (طريق الهجرتين)
قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أصابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيَكُمْ﴾
فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة.
قال على بن أبي طالب: ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع بلاءٌ إلا بتوبة.
هذا المحتوى من كل بستان زهرة -132- ظهر أولاً في سواليف.




