من كل بستان زهرة -128
•عبادة بن الصامت ينصح ابنه بالإيمان بالقدر كجزء أساسي من الإيمان.
•الإيمان بالقدر يمنح القلب الطمأنينة ويساعد على التوكل على الله.
•الحديث يحذر من إنكار القدر ويشدد على أهمية التربية الإيمانية في الصغر.
المصدر: سواليف | Source: سواليفمن كل بستان زهرة -128- ماجد دودين
عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه: “يا بُنَيَّ، إنَّك لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: رَبِّ، مَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي».”
رواه أبو داود وغيره، وهو حسن.
يوصي الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه ابنه بنصيحة غالية، وهي أن يصل إيمانه إلى درجة يدرك فيها أن كل ما يحدث في هذا الكون من خير أو شر هو بقضاء الله وقدره الذي سبق به علمه وكتبه في اللوح المحفوظ. فما أصاب الإنسان من مصيبة أو نعمة لم يكن ليجاوزه، وما فاته من شيء لم يكن ليحصل له أبدًا.
ثم يستدل على هذه الحقيقة بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين أن الله تعالى هو الذي خلق القدر وكتبه، حيث خلق القلم وأمره بكتابة مقادير كل شيء إلى يوم القيامة. ثم يحذر ابنه تحذيرًا شديدًا بأن من يموت وهو غير مؤمن بهذا الأصل (الإيمان بالقدر) فإنه بريء من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، لأنه أنكر ركنًا من أركان الإيمان.
الدروس المستفادة والعبر:
1- الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان: لا يكتمل إيمان العبد حتى يؤمن بقدر الله تعالى وقضائه، خيره وشره، حلوه ومره. وهذا الإيمان هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم.
2- طمأنينة القلب وسكينته: الإيمان بالقدر يورث القلب طمأنينة عظيمة، فلا يقلق على ما فاته، ولا يجزع مما نزل به، لأنه يعلم أن ذلك بقدر الله. هذا هو “طعم حقيقة الإيمان”.
3- التوكل على الله والاعتماد عليه: عندما يتيقن العبد أن الأرزاق والآجال بيد الله وحده، وأنها مقدرة، فإنه يتوجه بقلبه كله إلى الله تعالى، ويجتهد في الأسباب مع توكله على مسببها.
4- الرد على المشككين: الحديث يرد على من يسأل: لماذا يصيبني هذا؟ أو لماذا حُرِمْتُ كذا؟ الجواب: لأن الله قدره كذلك، وحكمته تعالى قد تخفى على العباد، والعبد المؤمن يسلم لأمر ربه.
5- التحذير من الجبر: الإيمان بالقدر لا يعني ترك الأسباب والاتكالية، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي ترك ناقته متوكلاً: “اعقلها وتوكل”. فالأخذ بالأسباب واجب، ولكن النتيجة بيد الله وقدره.
6- التربية الإيمانية: حرص الصحابة رضي الله عنهم على تربية أبنائهم على العقيدة الصحيحة منذ الصغر، كما فعل عبادة بن الصامت مع ابنه.
7- شدة وعظم إنكار القدر: الحديث فيه وعيد شديد لمن جحد القدر أو أنكره، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ منه.
*******************
دع الاعتراض فما الأمر لك ** ولا الحكم في حركات الفلك
ولا تسأل الله عن فعله ** فمن خاض لجـــــــــة بحـــر هلك
إليه تصير أمور العباد * * دع الاعتراض فمــــــــــا أجهلك
*******************
عن جابر بن عبد اللَّه، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، قال: يا رسول اللَّه، بيّن لنا ديننا كأنّا خُلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفَّتْ به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفَّتْ به الأقلام، وجرتْ به المقادير». قال: ففيمَ العمل؟ – قال زهير: ثم تكلَّم أبو الزّبير بشيءٍ لم أفهمه، فسألتُ ما قال؟ فقال: «اعملوا فكلٌّ مُيسَّر». رواه مسلم.
جاء الصحابي سراقة بن مالك رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله سؤالاً عميقاً يعبر عن حيرة بعض النفوس تجاه مسألة القدر والعمل. فسأل: يا رسول الله، اشرح لنا ديننا شرحاً واضحاً شاملاً، وكأننا نبدأ حياتنا الآن من نقطة الصفر. ما الذي نعمل له اليوم؟ هل نعمل لأمر قد انتهى وكُتب في اللوح المحفوظ وجف عليه الحبر، وقضت به المقادير؟ أم نعمل لأمر مستقبلي لم يُقدر بعد؟
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأن العمل هو للأمر الأول، وهو ما قد كُتب وقُدر. فلما استشكل سراقة الأمر وقال: “ففيم العمل؟” (أي إذا كان كل شيء قد كُتب فما فائدة العمل؟)، جاء الجواب النبوي الحكيم ليحل هذه الإشكالية: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».
الدروس المستفادة والفوائد العقدية:
1- وجوب الإيمان بالقدر: من أركان الإيمان الستة الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن كل شيء بقضاء الله وقدره. وهذا الحديث أصل عظيم في هذا الباب.
2- الجمع بين الإيمان بالقدر والسعي والعمل: لا يتعارض الإيمان بالقدر مع السعي والاجتهاد في العمل الصالح. فالإيمان بالقدر لا يعني التواكل والقعود عن العمل، بل يجب على المسلم أن يجتهد ويأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله ويُسلم الأمر له.
3- التيسير لما خُلق له: يوضح الحديث أن الإنسان يُيسر لما خُلق له وكُتب عليه. فمن كان من أهل السعادة يسر لعمل أهل السعادة (الطاعات)، ومن كان من أهل الشقاء يسر لعمل أهل الشقاء (المعاصي). كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-10].
4- الحكمة من السؤال والعمل: السعي والعمل هو علامة على ما قُدر للإنسان، وهو السبب الذي يحصل به ما كتب له. فالعمل جزء من التيسير لما خُلق له.
5- حسن طرح السؤال: يدل على حرص الصحابة رضي الله عنهم على فهم دينهم فهمًا صحيحاً، وعدم ترك أي إشكال في نفوسهم.
6- الرد على الجبرية: الذين يقولون إن العبد مجبور على فعله ولا اختيار له. فالحديث يأمر بالعمل («اعْمَلُوا»)، مما يدل على أن للعبد إرادة واختياراً، لكنه داخل تحت علم الله وإرادته الكونية.
7- الطمأنينة النفسية: عندما يؤمن العبد بأن كل شيء بقدر الله، فإن هذا يورثه طمأنينة في قلبه، فلا يقلق على ما فاته، ولا يجزع مما يصيبه، لأنه يعلم أن ذلك كان مكتوباً عليه.
معلومات إضافية:
– هذا الحديث من الأحاديث التي يجمع فيها النبي صلى الله عليه وسلم بين الأمر بالعمل والإيمان بالقدر، مما يزيل الإشكال والالحاح في هذه المسألة.
– السائل هو سراقة بن مالك بن جعشم، وهو الذي لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة طمعاً في الجائزة، ثم هدى الله قلبه وأسلم بعد فتح مكة وحسن إسلامه.
*******************
جادل أعرابيٌّ هشامَ بنَ عبد الملك فعاتبه هشامٌ على مجادلته؛ فقال الأعرابي: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] الآية، أفنجادل الله ولا نجادلك!
*******************
شرد بعيرٌ لهبنَّقة القيسيِّ فقال: «من جاء به فله بعيران»، فقيل له: «أتجعل في بعيرٍ بعيرين؟» فقال: «إنكم لا تعرفون فرحة الوجدان».
*******************
قال رجلٌ للأحنف بن قيسٍ: «أخبَرَني الثقةُ عنك بسوءٍ!» فقال الأحنف: «الثقة لا يَنِمُّ».
*******************
مرَّ سفيهان برجلٍ مهذَّبٍ فأرادا أن يسخرا منه؛ فوقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وسألاه: «أمغفَّلٌ أنت أم أحمق؟» فقال لهما: «أنا بين الاثنين».
*******************
قال ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وكثيرٌ مِن الجهَّال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيَّعوا أَمْرَه ونهيه، ونسُوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يُرَدُّ بأسُه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند.
قال معروفٌ: رجاؤك لرحمةِ مَن لا تطيعه مِن الخذلان والحمق.
وقال بعض العلماء: مَن قطع عضوًا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمن أن تكون عقوبتُه في الآخرة على نحو هذا.
وقيل للحسن: نراك طويلَ البكاء، فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي.
وكان يقول: إنَّ قومًا ألهتهم أمانيُّ المغفرة حتَّى خرجوا مِن الدنيا بغير توبةٍ، يقول أحدُهم: لأنِّي أُحْسِنُ الظنَّ بربِّي، وكذب، لو أَحْسَنَ الظنَّ لأحسن العمل.
*******************
العزَّة الإيمانية
طلب رُسْتُمُ من سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه أن يبعث إليه رسولًا يفاوضه قبل أن يبدأ القتالَ في معركة القادسية، فأرسل إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، فكان ممَّا قاله لرستم: «إنَّا ليس طلبُنا الدنيا وإنما همُّنا وطلبُنا الآخرةُ»، ثمَّ بعث إليه سعدٌ رسولًا آخر وهو رِبعيُّ بن عامرٍ فدخل عليه وقد زيَّنوا مجلسَه بالنمارق المذهَّبة والحرير، وأظهروا اليواقيت واللآلئَ الثمينة، وقد جلس على سريرٍ من ذهبٍ، ودخل رِبعيٌّ بثيابٍ صفيقةٍ وسيفٍ وترسٍ وفرسٍ قصيرةٍ، ولم يَزَلْ راكبَها حتى داسَ بها على طرَف البساط، ثمَّ نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه سلاحُه ودرعه، فقالوا له: «ضعْ سلاحك»، فقال: «إنِّي لم آتِكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلَّا رجعتُ»، فقال رستم: «ائذنوا له»، فأقبل يتوكَّأُ على رُمحه فوق النمارق فخرق عامَّتَها، فقالوا له: «ما جاء بكم؟» قال: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسَلَنا بدينه إلى خَلْقه لندعوَهم إليه فمن قَبِلَ ذلك قَبِلْنَا منه ورجَعْنا عنه، ومن أبى قاتَلْناه أبدًا حتى نفضيَ إلى موعود الله»، قالوا: «وما موعود الله؟» قال: «الجنَّة لمن مات على قتالِ مَن أبى، والظفر لمن بقي»، فطلب رستم مهلةَ أيَّامٍ، فلمَّا غادر رِبعيٌّ اجتمع رستم برؤساء قومه فقال: «هل رأيتم قطُّ أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟» فقالوا: «معاذَ الله أن تميل إلى شيءٍ من هذا وتَدَعَ دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟» فقال: «ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة».
[«البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ٣٩)]
تنبيه: لا بدَّ من التنبيه هنا إلى أنَّ ما فعله ربعيٌّ نابعٌ من إدراكه أنَّ هذا هو الحكمةُ المناسِبة لذلك الموطن، والحكمةُ وضعُ الشيء في محلِّه، وقد أثمرت حكمتُه ثمرتَها في إظهار عزَّة المؤمن وثباته واستهانته بأعراض الدنيا، لذلك قال رستم لأصحابه: «هل رأيتم قطُّ أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟» ولكنَّ هذا لا يعني أبدًا أن يُظهر المسلم عزَّتَه بهذه الطريقة في كلِّ المواطن، إذ قد يكون ذلك مغايرًا للحكمة في موضعٍ آخر، فيكون ضررُه أكبرَ من نفعه، والداعية طبيبٌ حاذقٌ يشخِّص الداءَ ويصف الدواءَ المناسبَ لكلِّ حالةٍ بعد الموازنة بين المفاسد والمنافع.
[«منهج الإسلام في تزكية النفس» (٢/ ٧٧٤)]
**********************
الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى.. لبّ العبادة
من أخص خصائص العبودية: الافتقار المطلق لله تعالى، فهو: «حقيقة العبودية ولبُّها». قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ} (فاطر: 15)، وقال تعالى في قصة موسى – عليه الصلاة والسلام -: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص: 24).
عرَّفه الإمام ابن القيم – رحمه الله – بقوله: «حقيقة الفقر: أنْ لا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء؛ بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثمَّ ملك واستغناء مناف للفقر». ثم قال: «الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه”.
فالافتقار إلى الله تعالى أن يُجرِّد العبد قلبه من كل حظوظها وأهوائها، ويُقبل بكليته إلى ربه عز وجل متذللاً بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، متعلقاً قلبه بمحبته وطاعته. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162-163).
قال يحيى بن معاذ: «النسك هو: العناية بالسرائر، وإخراج ما سوى الله عز وجل من القلب». والمتأمل في جميع أنواع العبادة القلبية والعملية يرى أن الافتقار فيها إلى الله هي الصفة الجامعة لها، فبقدر افتقار العبد فيها إلى الله يكون أثرها في قلبه، ونفعها له في الدنيا والآخرة، وحسبك أن تتأمل في الصلاة أعظم الأركان العملية، فالعبد المؤمن يقف بين يدي ربه في سكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً رأسه، ينظر إلى موضع سجوده، يفتتحها بالتكبير، وفي ذلك دلالة جليَّة على تعظيم الله تعالى وحده، وترك ما سواه من الأحوال والديار والمناصب. وأرفع مقامات الذلة والافتقار أن يطأطئ العبد رأسه بالركوع، ويعفِّر جبهته بالتراب مستجيراً بالله منيباً إليه.
ولهذا كان الركوع مكان تعظيم الله تعالى، وكان السجود مكان السؤال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأما الركوع فعظّموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم.”
ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في ركوعه: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت. خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي» [رواه مسلم].
***********************
أَقولُ لِنَفسي حينَ مالَت لصفوها إِلى خَطَراتٍ قَد نَتَجنَ أَمانِيا
هَبيني مِنَ الدُنيا ظَفِرتُ بِكُلِّ ما تَمَنَّيتُ أَو أُعطيتُ فَوقَ أَمانِيا
أَلَيسَ اللَيالي غاصِباتي بِمُهجَتي كَما غَصَبَت قَبلي القُرونَ الخَوالِيا
وَمُسكِنَتي لَحداً لَدى حُفرَةٍ بِها يَطولُ إِلى أُخرى اللَيالي ثَوائِيا
كَما أَسكَنَت ساماً وَحاماً وَيافِثاً وَنوحاً وَمَن أَضحى بِمَكَّةَ ثاوِيا
فَقَد أَنِسَت بِالمَوتِ نَفسي لِأَنَّني رَأَيتُ المَنايا يَختَرِمنَ حَياتِيا
فَيا لَيتَني مِن بَعدِ مَوتي وَمَبعَثي أَكونُ رُفاتاً لا عَلَيَّ وَلا لِيا
أَخافُ إِلَهي ثُمَّ أَرجو نَوالَهُ وَلَكِنَّ خَوفي قاهِرٌ لِرَجائِيا
وَلَولا رَجائي وَاِتِّكالي عَلى الَّذي تَوَحَّدَ لي بِالصُنعِ كَهلاً وَناشِيا
لَما ساغَ لي عَذبٌ مِنَ الماءِ بارِدٌ وَلا طابَ لي عَيشٌ وَلا زِلتُ باكِيا
عَلى إِثرِ ما قَد كانَ مِنّي صَبابَةً لَيالِيَ فيها كُنتُ لِلَّهِ عاصِيا
فَإِنّي جَديرٌ أَن أَخافَ وَأَتَّقي وَإِن كُنتُ لَم أُشرِك بِذي العَرشِ ثانِيا
وَأَدَّخِرَ التَقوى بِمَجهودِ طاقَتي وَأَركَبَ في رُشدي خِلافَ هَوائِيا
أبو تمام
*********************
قال أبو عنبة الخولاني رحمه الله: ربّ كلمةٍ خير من إعطاء المال. قال أبان ابن سليم: كلمة حكمة لك من أخيك، خير لك من مالٍ يعطيك؟ لأنّ المال يطغيك والكلمة تهديك.
*********************
قال سعيد بن جبير: رأيت ابن عبّاس رضي الله عنه في الكعبة آخذاً بلسانه وهو يقول: يا لسان قل خيراً تغنم، أو اسكت تسلم.
قالوا السّكوت سلامة، والكلام بالخير غنيمة، ومن غنم أفضل ممن سلم.
قال أعرابيّ: من فضل الّلسان، أن الله عزّ وجلّ أنطقه بتوحيده من بين سائر الجوارح.
*******************
لقد كان العرب قبل الإسلام يعدون غض الطرف أدبا عظيما بل ويتفاخرون به، ومن ذلك قول عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي … حتى تواري جارتي مأواها
كان هذا حالهم وهم مشركون بالله تعالى يعدون ذلك أدبا رفيعا وخلقا عظيما، فكيف بنا نحن المسلمين وبأيدينا كتاب الله وسنة نبينا فيهما التحذير من الوقوع من شر النظر وإطلاق البصر فيما لا يحل.
فكم جرح النظر من قلب، وأوقع في غفلة وأشعل نار الفتنة ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.
حق لمن غض طرفه، وقاوم شهوته أن يقول الشاعر فيه:
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته … يوم النزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتى غض طرفًا أو ثنى بصرًا … عن الحرام فذاك الفارس البطل
*********************
في غض البصر عدة فوائد:
أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره، دامت حسرته، فأضر شيء على القلب إرسال البصر، فإنه يريه ما يشتد طلبه، ولا صبر له عنه، ولا وصول له إليه.
الفائدة الثانية: أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح، كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه.
الفائدة الثالثة: أنه يورث صحة الفراسة، فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلب، صحت الفراسة.
الفائدة الرابعة: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب.
الفائدة الخامسة: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة.
الفائدة السادسة: أنه يورث القلب سرورًا وفرحة وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوه بمخالفته، وحبس شهوته لله، وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء، أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها.
الفائدة السابعة: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه.
الفائدة الثامنة: أنه يسد عنه بابًا من أبواب جهنم، فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول، فمتى هتك الحجاب، ضري على المحظور، ولم تقف نفسه منه عند غاية فإن النفس في هذا الباب لا تقنع بغاية تقف عندها، وذلك أن لذتها في الشيء الجديد.
الفائدة التاسعة: أنه يقوي عقله، ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب ومرسل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه، لما أطلق بصره.
الفائدة العاشرة: أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق.
فالنظر كأس من خمر، والعشق هو سكر ذلك الشراب، وسكر العشق أعظم من سكر الخمر، فإن سكران الخمر يفيق، وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات
هذا المحتوى من كل بستان زهرة -128 ظهر أولاً في سواليف.
→عبادة بن الصامت ينصح ابنه بالإيمان بالقدر كجزء أساسي من الإيمان.
→الإيمان بالقدر يمنح القلب الطمأنينة ويساعد على التوكل على الله.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة سواليف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by سواليف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





