من هرمز إلى المتوسط .. هل تتحول سوريا إلى شريان الطاقة الأهم
صرح المبعوث الأمريكي توم باراك بأن سوريا تمتلك موقعاً جغرافياً فريداً يؤهلها لأن تكون بديلاً استراتيجياً من مضيق هرمز في نقل الطاقة عبر شبكة أنابيب برية تمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط بما يقلل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة بالصراعات العسكرية.
الباحث الاقتصادي والمتخصص في شؤون الطاقة الدكتور زياد عربش يرى أن العالم يقف اليوم أمام لحظة مفصلية يعاد فيها رسم ممرات الطاقة ليس بوصفها خطوطاً على الخرائط بل كعملية إعادة ترتيب شاملة لمنظومة الاقتصاد العالمي حيث تتحول الحرب على إيران إلى حلقة حاسمة في صراع الموارد والممرات بقدر ما هي صراع على النفوذ.
ويشير عربش عبر تصريحه الخاص لـ”الوطن” أن ما يجري من الخليج إلى المتوسط يشبه محطات تاريخية كافتتاح قناة السويس أو نفق المانش حيث تتغير قواعد الحركة ومن ثم قواعد القوة غير أن الممر الجديد لا يقوم على بنية تقليدية بل على شبكة ممرات طاقوية ولوجستية ورقمية تشكل فيها سواحل المتوسط من بورسعيد إلى طرطوس واللاذقية وبيروت والإسكندرون واجهة لموازين قوة جديدة.

ويؤكد أن فهم تطورات الصراع في المنطقة من دون وضع ممرات الطاقة في مركز التحليل ومكانة المتوسط كفضاء استقبال وتوزيع، يبقى ناقصاً ما يستدعي اعتماد مفهوم الفضاء الجيومكاني لفهم من يملك مفاتيح المرور ومن يحدد اتجاه تدفق الطاقة ومن يحول موقعه الجغرافي إلى مصدر نفوذ.
ويبين أن البحر المتوسط يمثل الامتداد الطبيعي الغربي للخليج والعراق وإيران حيث يشكل نقطة التقاء العمل البحري والبري مع سوريا ما يفتح خيارات متعددة لنقل الطاقة تشمل مسارات البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط إضافة إلى خطوط الغاز والكهرباء والممرات المركبة.
ويوضح أن هذه الخيارات تعيد توزيع الأدوار بين الدول والبحار من قزوين إلى البحر الأحمر مروراً بالبحر الأسود وبحر العرب وصولاً إلى المتوسط وترفع أو تخفض الأهمية الاستراتيجية لكل ميناء وممر.
إن أي تصعيد أو تهدئة مع إيران لا ينعكس فقط على خرائط التسلح والتحالف بل يمتد إلى خرائط أنابيب النفط والغاز وشبكات الربط الكهربائي والموانئ القادرة على لعب دور مراكز تجميع وتوزيع.
ومن هنا يبرز التساؤل حول من يسيطر على ممرات الطاقة بين الخليج والمتوسط ومن ينجح في تحويل هذه السيطرة إلى نفوذ اقتصادي وسياسي طويل الأمد.
ويلفت إلى أن شرق المتوسط يتجه تدريجياً للتحول إلى ما يشبه قناة سويس جديدة ولكن بصيغة شبكة متكاملة تضم خطوط الغاز وموانئ ممتدة من مصر إلى تركيا واليونان وقبرص ولبنان وسوريا بوصفها بوابة طبيعية نحو أوروبا.
كما أن مشاريع الربط الكهربائي العربي المتوسطي تعزز دور السواحل الجنوبية كمنصة لتصدير الكهرباء من مصادر غازية أو متجددة وربما نووية مستقبلاً.
ويضيف إن الممرات البرية من الخليج والعراق عبر سوريا والأردن إلى المتوسط تعيد تعريف وظيفة الموانئ ودور المرافئ في سوريا ولبنان ومصر.
وفي هذا السياق لا تبدو سوريا مجرد دولة متأثرة بالصراع بل نقطة تقاطع محتملة لممرات الطاقة حيث يمكن أن تتحول إلى معبر لنقل الغاز من الشرق إلى الغرب والنفط من الجنوب إلى الشمال إضافة إلى الربط الكهربائي الإقليمي ما يمنحها دوراً محورياً في أي إعادة تشكيل لخرائط الطاقة.
وعلى الصعيد الفني يؤكد الباحث في علوم المعادن والإنشاءات الفولاذية الدكتور محمد علي سلامة أن تنفيذ شبكات الأنابيب عبر الأراضي السورية ممكن تقنياً وفق أعماق متفاوتة تبعاً لطبيعة التضاريس والسعات المطلوبة.
كما أوضح سلامة في حديثه لـ”الوطن: أن هذه المشاريع مجدية اقتصادياً نظراً لعمرها الذي يتجاوز 40 عاماً وقدرتها على نقل كميات كبيرة من الطاقة مع إمكانية إنجازها خلال فترة لا تتجاوز العام بفضل التقنيات الحديثة.
وفيما يتعلق بعوامل الأمان يؤكد أن مخاطر خطوط الأنابيب في النزاعات تبقى أقل من النقل البحري بسبب إمكانية التحكم بالتدفقات ومعالجة الأعطال بسرعة.
وتبرز أهمية هذه الطروحات في ظل الدور الحيوي لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً أي ما يعادل 20 بالمئة من الإمدادات العالمية. وتبلغ قيمة النفط العابر سنوياً أكثر من 600 مليار دولار ما يجعل أي تعطيل فيه ولو لأيام سبباً مباشراً لارتفاع الأسعار.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية خلال تصعيد عام 2025 إلى أن إغلاقاً افتراضياً للمضيق لمدة شهر قد يؤدي إلى انخفاض النمو العالمي بمقدار 0.5 نقطة مئوية وارتفاع معدل التضخم العالمي إلى أكثر من 5 بالمئة.
كما تظهر محاكاة الأسواق قفز أسعار النفط الخام إلى مستويات تقارب 125 دولاراً للبرميل مقارنة بمتوسط 85 دولاراً قبل الأزمة مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري لناقلات النفط من الخليج إلى آسيا بنسبة 400 بالمئة لتصل إلى 80000 دولار يومياً ما يؤثر بشكل مباشر في هوامش الربح في المصافي الأوروبية والآسيوية.
وتعد اليابان من أكثر الدول تضرراً من أي اضطراب في المضيق إذ تستورد أكثر من 90 بالمئة من احتياجاتها النفطية عبره حيث سجلت خلال ذروة الأزمة انخفاضاً في وارداتها بنسبة 32 بالمئة ولجأت إلى استخدام مخزونها الاستراتيجي وضخ نحو 80 مليون برميل خلال 60 يوماً إلى جانب تنويع الإمدادات وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال.
ويعكس ذلك أهمية تنويع ممرات الطاقة وهو ما يعزز التوجه نحو الممرات البرية عبر سوريا كخيار استراتيجي لتأمين الإمدادات وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية التقليدية.