من “فاكهة الفقراء” إلى رفوف “الرفاهية”.. أزمة “الهندية” بالمغرب وتحديات البقاء
بعدما كانت تُلقب لسنوات طويلة بـ “فاكهة الفقراء” لتوفرها بكثرة وأسعارها الزهيدة التي لم تكن تتجاوز بضع سنتيمات للحبة الواحدة، باتت ثمار الصبار اليوم في المغرب عملة صعبة تلهب جيوب المستهلكين.
هذا التحول الجذري ليس مجرد طفرة موسمية عابرة، بل هو انعكاس لأزمة عميقة تسببت فيها الحشرة القرمزية وأنهكت المزارعين لسنوات، مما حول الفاكهة الشعبية الأولى إلى منتج يزاحم الفواكه الاستوائية في أثمنتها.
الحشرة القرمزية.. الزلزال الذي ضرب القطاع
يوضح زهير صابر، رئيس تعاونية “أكناري” الفلاحية والمتخصص في زراعة الصبار والزيتون، أن الارتفاع الصاروخي في الأسعار ارتبط بشكل مباشر بتفشي الحشرة القرمزية التي دمرت مساحات شاسعة من الصبار في مناطق الإنتاج التاريخية مثل دكالة والرحامنة وأيت باعمران.
هذا الدمار الشامل أدى إلى تراجع حاد في العرض مقابل طلب متزايد، لدرجة دفع المغرب في فترة معينة إلى استيراد التين الشوكي من إيطاليا بأسعار خيالية بلغت حوالي 13 يورو للكيلوغرام الواحد، قبل أن يتوقف الاستيراد مع بوادر عودة الإنتاج المحلي تدريجياً.
التكلفة الخفية وراء الأسعار الحالية
رغم التعافي النسبي، لا تزال الأسعار تتراوح ما بين 40 و45 درهماً للكيلوغرام الواحد، ويرجع المهنيون ذلك إلى أن النوع “الأصلي” من الصبار المغربي تعرض لشبه انقراض، مما دفع الفلاحين إلى بذل جهود مضاعفة لإحيائه.
لقد أصبحت زراعة الصبار اليوم عملية معقدة ومكلفة، حيث تتطلب اعتماد أنظمة الري بالتنقيط وعمليات حرث ومعالجة مستمرة، بالإضافة إلى مراقبة ميدانية دقيقة لرصد أي ظهور للحشرة القرمزية، وهو ما يتطلب يداً عاملة دائمة ترفع من تكلفة المنتج النهائي قبل وصوله إلى الأسواق.
غياب الدعم عن “الصنف الأصلي”
ويشير صابر إلى أن دعم الدولة يتركز أساساً على توزيع الأصناف “المقاومة” للحشرة القرمزية وسقيها لفترات محددة، في حين يظل الصنف المغربي الأصلي المتميز بمذاقه وجودته العالية خارج برامج الدعم الرسمية.
هذا الوضع يضع عبء الحفاظ على التنوع البيولوجي والجودة التاريخية للصبار المغربي كاملاً على كاهل الفلاحين والتعاونيات، الذين يضطرون لمواجهة تكاليف الإنتاج المرتفعة بمفردهم لضمان استمرار الأصناف المطلوبة في السوق.
هل تنخفض الأسعار قريباً؟
تحمل التوقعات المستقبلية نوعاً من التفاؤل الحذر، إذ يرى المتخصصون أن الأسعار ستبدأ في التراجع تدريجياً خلال السنوات القادمة مع دخول مئات الهكتارات المغروسة حديثاً مرحلة الإنتاج الفعلي.
ومن المرتقب أن يشهد شهر يوليو القادم انفراجة ملموسة مع ذروة الموسم الصيفي، حيث يرتفع الإنتاج الوطني بشكل طبيعي وتنخفض تكاليف الجني واليد العاملة مقارنة بفصلي الشتاء والربيع اللذين يتسمان بضعف المردودية وصعوبة الإنتاج.
مطالب باستراتيجية شاملة
لضمان استدامة هذا القطاع، يشدد المهنيون على ضرورة إنشاء وحدات للتثمين والتحويل الصناعي لتفادي الخسائر عند وفرة الإنتاج، مع العمل على فتح أسواق تصديرية جديدة في أوروبا وأفريقيا لضمان ربحية المزارع واستقرار السلسلة.
إن الحفاظ على مكانة الصبار في المنظومة الفلاحية المغربية يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين كافة المتدخلين لحماية هذا الموروث من تقلبات المناخ والآفات الزراعية، وإعادته إلى مائدة المستهلك البسيط كما كان دائماً.
إ. لكبيش / Le12.ma




