من بازل إلى غزة... نكبة الإنسانية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
النكبات لا تولد فجأة، والكوارث لا تسقط على الشعوب من فراغ، بل تُصنع بحِرفية سوداوية على امتداد الزمن، حين تتحول الأفكار إلى برامج، والبرامج إلى سياسات، والسياسات إلى جغرافيا من الدم والاقتلاع. هكذا كانت فلسطين؛ لم تكن النكبة التي حلت على الشعب الفلسطيني عام 1948 مجرد نتيجة حرب عابرة أو خلل سياسي طارئ، بل كانت تتويجاً لمسار طويل تشكل داخل العقل الاستعماري الغربي، حين التقت الصهيونية بوصفها مشروعاً إحلالياً مع الإمبراطوريات الأوروبية بوصفها أدوات للهيمنة وإعادة تشكيل العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد فلسطين مجرد أرض تتعرض للاحتلال، بل أصبحت ساحة لصراع أعمق بين سرديتين: سردية شعب يعيش على أرضه منذ قرون، ورواية استعمارية أعادت توظيف الدين عبر فكرة “الشعب المختار”، وسعت إلى إعادة صياغة التاريخ والجغرافيا وفق تصور توسّعي يمتد من النيل إلى الفرات، بما يطال الأرض والإنسان معاً.في أوروبا القرن التاسع عشر، حيث كانت القوميات تتشكل على وقع التفوق الإمبراطوري والنزعات العنصرية، بدأت الصهيونية تتبلور لا باعتبارها تعبيراً دينياً خالصاً، بل كمشروع سياسي عنصري حديث استفاد من المناخ الاستعماري الذي كان يرى في شعوب الشرق مجرد كتل بشرية قابلة للإدارة أو الإزاحة. وفي تلك اللحظة التاريخية، التقت اليهودية الصهيونية بالصهيونية المسيحية، فبدأ الغرب، سياسياً وفكرياً ودينياً، ينظر إلى فلسطين باعتبارها مساحة يمكن إعادة تشكيلها بما يخدم مصالحه الاستراتيجية وخيالاته الأيديولوجية في آن واحد.لم يكن الأمر مجرد تعاطف مع اليهود الأوروبيين أو استجابة لمعاناتهم التاريخية، بل كان توظيفاً لتلك المعاناة داخل مشروع استعماري أكبر. ولهذا لم تأتِ الصهيونية إلى فلسطين بوصفها حركة لجوء، وإنما بوصفها مشروع إحلال استعماري مدعوماً بالقوة الدولية. ومنذ المراحل المبكرة ظهرت محاولات أوروبية لفتح الطريق أمام هذا الفكر، بدءاً من حملة نابليون بونابرت على فلسطين عام 1799، التي لم تكن مجرد مغامرة عسكرية، بل لحظة رمزية مبكرة لفكرة السيطرة الأوروبية على المشرق وإعادة هندسته سياسياً. ورغم فشل الحملة عسكرياً أمام أسوار عكا، إلا أن الفكرة بقيت حية داخل العقل الغربي: فلسطين يمكن أن تتحول إلى قاعدة متقدمة للمشروع الاستعماري في قلب الشرق.ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، خرج المشروع الصهيوني من دائرة الأفكار المتن...




