... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
30470 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7558 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

من أنبياء الحكمة إلى مُسوِّقي الطمأنينة .. العَقْل انكمش و"الكُوتش" انتفش

العالم
هسبريس
2026/03/27 - 01:00 501 مشاهدة

كيف استطاعت البشرية أن تنجُوَ كلَّ هذه القرون قبل ظهور الكوتشينغCoaching؟ وكيف تجرّأ أفلاطون وابن خلدون وديكارت على إضاعة أعمارهم في التفكير، ما دام سرّ الكون كلّه يمكن ضغطه في فيديو مدّته دقيقة ونصف؟ أكان الفلاسفة فعلًا بهذا القدر من السّذاجة حين ظنّوا أن الحكمة تحتاج قراءة وتأملًا وتجربة، بينما كان يكفيهم هاتف جيّد، وإضاءة مناسبة؟ ثم كيف لم تنتبه الحضارات السابقة إلى أن الفقر مجرّد فكرة سلبية، وأن القلق سوء استخدام للطاقة، وأن التاريخ البشري كله كان ينقصه فقط كوتش Coach يتقن النظر إلى الكاميرا بثقة نَبَويّة؟ أليس مدهشًا أن تُحلّ أعقد مشكلات الإنسان اليوم لا في الجامعات ولا في الكتب، وإنما في دورة عاجلة مع كُوتش لم يكتبْ بحثا واحدا في حياته؟

حين اسْتَقال العَقْل وتكفّل الكُوتش بالبَاقي

في الأزمنة القديمة كان الناس، عندما يضيعُون يبحثون عن فيلسوف. أمّا اليوم فقد حلَّت المسألة نهائيًا: يكفي أن تفتح هاتفك، فيقفز إليك “الكُوتْش الكوني الشامل” الذي يفهم في كل شيء دفعةً واحدة: في النجاح، والفشل، والعلاقات، والاقتصاد، وتربية الأطفال، وصيانة الرّوح، وحتى في طريقة ترتيب الكواكب حول طموحك الشّخصي. إنّه كائن معرفي عجيب، يستطيع في ثلاثين ثانية أن يشرح لك سرّ الكون، بشرط أن تضغط على زر الإعجاب أولًا، وأن تشترك في الدورة الذهبية التي ستجعلك، خلال سبعة أيام فقط، نسخة مُحسّنة من نفسك، ورُبما من البشرية كلّها. والطريف أن هذا الكُوتْش لا يكلّف نفسه عناء الشّك. إنه يتكلم بيقين نادر، كأن الحقيقة نفسها أخذت دورة تدريبية عنده. يرفع سبّابته أمام الكاميرا ويقول بثقة: “غيّر عقلك تتغير حياتك”، كأن التّاريخ نفسه كان يحتاج فقط إلى جلسة تحفيزية قصيرة ليحلّ مشكلاته. هنا يتحول العالَم إلى مسرح طريف: أزمات الاقتصاد تُعالج بعبارة إيجابية، وتعقيدات النّفس البشرية يتم اختصارها في تمرين تنفّس عميق، أما الفلسفة التي عذّبت عقول البشر قرونًا، فتذوبُ بسهولة في ثلاث خطوات عملية، مع موسيقى خَلْفية مُلْهمة.

لكن الأعجب من الكُوتْش نفسه هو الجُمهور الذي ينظر إليه بامتنان صادق. فالعالم مرهق، والحياة معقّدة، والناس يريدون وصفة سهلة مثل قهوة سريعة التّحضير: ملعقة أمَل، رشّة طاقة إيجابية، وكُوب كبير من الوَهم الدَّافئ. وهكذا تزدهرُ هذه الصناعة الغريبة: صناعة بيْع اليَقين الجَاهز. ربما يكون أعظم إنجاز للكُوتْش أنه أقنعَ الملايين بأن الحِكْمة ليست رحلة طويلة في الشّك والتّجربة، وإنما اشتراكًا شَهريًا… مع خَصمٍ خاصّ لمن يُسجِّل اسمهُ في الدورة قبل مُنتصف الليل.

النصيحة بوصفها بديلًا عن الفكر

ومع مرور الوقت تطوّر الكُوتش تطورًا مُذهلًا، حتى صار أشبه بكائن معرفي خارق لا تحدُّه التَّخصّصات. في الصباح يشرح لك أسرار الاستثمار، بعد الظهر يقدّم وصفة لتوازُن العلاقات الزَّوجية، وفي المساء يمنحُك مفاتيح التّنوير الرّوحي. إنّه عقل مَوْسوعي مُتحرّر من عبء الدراسة الطويلة، ومن مَلل الكُتب، ومن تلك التفاصيل الصغيرة التي كان القدماء يسمّونها “بحثًا” أو “تحقيقًا”. فالمعرفة، في عصر الكُوتْش، أصبحت أخفّ وزنًا بكثير: ثلاث جمل محكمة البناء، وأربع كلمات إنجليزية لامعة، فيتحوَّل الإنسان العادي إلى مشروع عبقري مُؤجَّل.

هكذا، لا يدرّبك الكُوتش فقط، إنه يعيد صياغة الكون من حَوْلك. يُخبرك بثقة أن الفشل ليس إلا فكرة سيئة في رأسِك، وأن النّجاح ينتظر فقط أن تغيّر زاوية تفكيركَ. ولو كان التاريخ يسمعُ نصائحه لوفّر على نفسه كثيرًا من الحُروب والثورات؛ كان يكفي أن يجتمع قادة العالم في ورشة تدريبية بعنوان: ” كيف تفكر بإيجابية في زمن الأزمات”؛ وربما خرجُوا بعدها بابتسامة عريضة وصورة جماعية مدهشة. لكن العبقرية الحقيقية للكوتش لا تكمن في كلامه، وإنما في لغته السّحرية؛ مفردات تبدو عميقة لكنها في الحقيقة خفيفة مثل فقاعة صَابُون، يتلقاها الجمهور بِجِدّية، وكأنها اكتشاف فلسفي يُعادل اختراع النَّار.

ومع ذلك لا يمكن إنكار أن الكُوتش قدّم خدمة جليلة للبشرية: لقد حرّر الناس من عناء التفكير الطويل. لم يعد المرءُ بحاجة إلى قراءة الفلاسفة، أو التأمل في التجربة الإنسانية المعقدة. يكفي أن يتابع بثًا مباشرًا لمدة عشر دقائق، فيحصل على خلاصة الحكمة البشرية، مع وعد إضافي: إذا لم تنجح في حياتك بعد هذا، فالمشكلة ليست في النّصيحة… وإنما في أنك لم تؤمن بها بما فيه الكفاية. وهنا يكمن السرّ الأعظم لصناعة الكُوتشينغ: الحقيقة دائمًا صحيحة، والواقع هو الذي يحتاج إلى مزيد من التّدريب.

الكوتشينغ بوصفه وهمًا معاصرًا

في صباح يوم من تلك الصَّباحات التي لا تعِدُ بشيء كبير، فتحتُ المذياع بدافع الفُضول لا أكثر، فإذا بصوتٍ واثقٍ يتسلل من السَّماعة كأنه اكتشف للتَّوّ قانونًا جديدًا للجَاذبية. قال بصوت مَهيب: “صباح الطاقة الإيجابية أيّها الأبطال… اليوم سنتحدث عن سِرّ النجاح الذي لم يخبرك به أحد.” عندها شددت الانتباه قليلًا؛ فالتاريخ البشري كلّه، من الفلاسفة إلى العُلماء، يبدو أنه أخفى هذا السّر بعناية حتى يظهر أخيرًا في برنامج إذاعي بين نشرة الوقاية من حوادث السّير وحالة الطّقس. بدأ الكوتش يشرح بثقة لا تتزعزع. قال إن المشكلة ليست في العالَم، بقدر ما هي كامنة في طريقة تفكيرنا. البطالة؟ فكرة سلبية، القلق؟ نقص في الامتنان. ثم أخذَ يوزّع النصائح كمَن يُوزّع حبَّات حلوى: استيقظْ باكرًا، ابتسمْ للمرآة، قُل لنفسك ثلاث مرّات إنكَ رائع. ومع تقدّم الحلقة، أخذ الكُوتش يزداد حَرارة. لكن اللحظة الأجمل جاءت حين فتح الكُوتش خطوط الهاتف للمُسْتمعين. اتَّصل رجل مُتعب الصّوت وقال إنه حاول كلّ النصائح لكنه ما زال يشعر بالضَّياع. رد الكُوتش بحَنان مُشْرق: “أخي العزيز، المشكلة أنّك لم تؤْمن بنفسك بما يكفي.” هنا أدركتُ عبقرية هذه الفلسفة: النصيحة دائمًا صحيحة، وإذا لم تنجح فالمشكلة ليست فيها، بل في إيمانك بها. إنها نظرية مُحكمة، تشبه دائرة مغلقة لا يدخلها الشَّك.

أغلقت المذياع بعد نهاية الحلقة بشعور غريب بين الدَّهشة والضَّحك. فكرتُ أن العالَم ربما لم يتغير كثيرًا منذ زمن الحُكماء القدامى، لكن الفرق الوحيد أن الحكيم كان يحتاج عمرًا كاملًا ليقول جُملة واحدة عميقة، أما الكُوتْش الحديث فيقولُ ألف جُملة في سَاعة واحدة… وكُلها عميقة بما يكفي لتطفوَ فوق الحَقيقة مُباشرة.

بلاغةُ الفَراغ

فماذا بقيَ بعد ذلك للكُتب، وللفكر، وللتجربة، ولتلك الحيرة النبيلة التي صنعت أعظم ما في الإنسان؟ وإذا كان الكوتش قد اختصر العالم كلّه في وصفة جاهزة، فهل أنقذ البشر فعلًا… أم أنقذهم فقط من مشقّة التّفكير؟ وهل نحن أمام عصر جديد من الوعي، أم أمام سوقٍ أنيق يبيعُ الوهم في عُلب لامعة؟ ثم أليس السؤال الأكثر سخرية أن الحقيقة، بعد كل هذا الضجيج، ما تزال أعْسَر من أن تُختزل في شعار، وأثقل من أن يفهمها كُوتْش من لم يحْمل كتابًا واحدًا بين يَديه؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post من أنبياء الحكمة إلى مُسوِّقي الطمأنينة .. العَقْل انكمش و"الكُوتش" انتفش appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:
\n

مقالات ذات صلة

// Coin System - Track article read (function() { const email = localStorage.getItem('khabr_user_email'); if (!email) return; const articleId = 60367; // Record read (+1 coin) fetch('/api/coins/read', { method: 'POST', headers: {'Content-Type': 'application/json'}, body: JSON.stringify({email: email, article_id: articleId}) }).then(r => r.json()).then(data => { if (data.coins_earned > 0) { // Show coin earned toast const toast = document.createElement('div'); toast.innerHTML = '🪙 +' + data.coins_earned + ' coin! (Balance: ' + data.balance + ')'; toast.style.cssText = 'position:fixed;bottom:20px;right:20px;background:linear-gradient(135deg,#f59e0b,#d97706);color:#fff;padding:12px 20px;border-radius:12px;font-weight:bold;z-index:9999;animation:slideUp .5s ease;box-shadow:0 4px 15px rgba(245,158,11,0.4);'; document.body.appendChild(toast); setTimeout(() => toast.remove(), 3000); } }).catch(() => {}); // Daily login check const lastLogin = localStorage.getItem('khabr_daily_login'); const today = new Date().toDateString(); if (lastLogin !== today) { fetch('/api/coins/daily-login', { method: 'POST', headers: {'Content-Type': 'application/json'}, body: JSON.stringify({email: email}) }).then(r => r.json()).then(data => { if (data.coins_earned > 0) { localStorage.setItem('khabr_daily_login', today); setTimeout(() => { const toast = document.createElement('div'); toast.innerHTML = '🔥 Daily bonus +' + data.coins_earned + ' coins! (Streak: ' + data.streak + ' days)'; toast.style.cssText = 'position:fixed;bottom:70px;right:20px;background:linear-gradient(135deg,#ef4444,#dc2626);color:#fff;padding:12px 20px;border-radius:12px;font-weight:bold;z-index:9999;animation:slideUp .5s ease;box-shadow:0 4px 15px rgba(239,68,68,0.4);'; document.body.appendChild(toast); setTimeout(() => toast.remove(), 4000); }, 1500); } }).catch(() => {}); } })();
// Coin System - Track article read (function() { const email = localStorage.getItem('khabr_user_email'); if (!email) return; const articleId = 60367; // Record read (+1 coin) fetch('/api/coins/read', { method: 'POST', headers: {'Content-Type': 'application/json'}, body: JSON.stringify({email: email, article_id: articleId}) }).then(r => r.json()).then(data => { if (data.coins_earned > 0) { // Show coin earned toast const toast = document.createElement('div'); toast.innerHTML = '🪙 +' + data.coins_earned + ' coin! (Balance: ' + data.balance + ')'; toast.style.cssText = 'position:fixed;bottom:20px;right:20px;background:linear-gradient(135deg,#f59e0b,#d97706);color:#fff;padding:12px 20px;border-radius:12px;font-weight:bold;z-index:9999;animation:slideUp .5s ease;box-shadow:0 4px 15px rgba(245,158,11,0.4);'; document.body.appendChild(toast); setTimeout(() => toast.remove(), 3000); } }).catch(() => {}); // Daily login check const lastLogin = localStorage.getItem('khabr_daily_login'); const today = new Date().toDateString(); if (lastLogin !== today) { fetch('/api/coins/daily-login', { method: 'POST', headers: {'Content-Type': 'application/json'}, body: JSON.stringify({email: email}) }).then(r => r.json()).then(data => { if (data.coins_earned > 0) { localStorage.setItem('khabr_daily_login', today); setTimeout(() => { const toast = document.createElement('div'); toast.innerHTML = '🔥 Daily bonus +' + data.coins_earned + ' coins! (Streak: ' + data.streak + ' days)'; toast.style.cssText = 'position:fixed;bottom:70px;right:20px;background:linear-gradient(135deg,#ef4444,#dc2626);color:#fff;padding:12px 20px;border-radius:12px;font-weight:bold;z-index:9999;animation:slideUp .5s ease;box-shadow:0 4px 15px rgba(239,68,68,0.4);'; document.body.appendChild(toast); setTimeout(() => toast.remove(), 4000); }, 1500); } }).catch(() => {}); } })();
AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤