... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
138853 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5062 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

من اليومي إلى المبتذل أو الحياة الاجتماعية للأشياء المعاصرة

العالم
مجلة المجلة
2026/04/09 - 07:55 502 مشاهدة
من اليومي إلى المبتذل أو الحياة الاجتماعية للأشياء المعاصرة layout Thu, 04/09/2026 - 08:55
Cindy Ord / Getty Images via AFP

يتكشف حضور الشيء اليومي، أو المألوف، داخل الفن المعاصر بوصفه تحولا معرفيا عميقا مس البنية المفاهيمية للفن ذاته، إذ تتضح منذ بدايات القرن العشرين حركة فكرية وإستتيقية دفعت العمل الفني إلى مغادرة موضوعاته الكلاسيكية التي ارتبطت بالأسطورة والتاريخ والدين، واتجهت نحو مادة مأخوذة من قلب الحياة اليومية، وهي حركة تعكس تغيرا في نظرة الإنسان إلى العالم المادي الذي يحيط به.

يتضح من مراجعة تاريخ الجماليات الحديثة أن الفن الغربي حافظ خلال قرون طويلة على تصور معياري للعمل الفني يقوم على تمثيل موضوعات اعتبرت ذات قيمة ثقافية عالية، إذ احتلت المشاهد الدينية والتاريخية مكانة مركزية داخل التصوير الصباغي والنحت، وقد رافق ذلك تصور إستتيقي يرى أن الفن يرتبط بالتجربة الاستثنائية التي تعلو على تفاصيل الحياة اليومية.

من الوظيفي إلى الدلالي

لعل أول من سن هذا الفعل الفني هو بيكاسو من خلال لوحته "طبيعة صامتة مع كرسي من الخيزران" (1912)، إذ أدخل قطعة قماش مطبوعة تحاكي قش الكرسي داخل بنية اللوحة، فانتقل الشيء اليومي من موقعه الوظيفي إلى موقع دلالي داخل الصورة.

يعمل هذا الإدخال المادي للعنصر العادي على خلخلة الحدود بين التمثيل والواقع، لأن المادة المستعملة داخل اللوحة تنتمي إلى العالم اليومي ذاته الذي يعيشه المتلقي.

وتخلق هذه الاستراتيجيا البصرية وعيا جديدا بالشيء، إذ يتحول عنصر مألوف من تفاصيل الحياة اليومية إلى علامة تشكيلية تحمل أثرا للحياة الاجتماعية ولثقافة الاستعمال.

وذلك في الوقت الذي بدأت فيه حركة الدادائيين في استدعاء مجموعة من القصاصات الورقية والأغراض المألوفة من صور وغيرها إلى مساحة التصوير، ليعوض بها فنانو هذا التيار الصباغة باللصق (الكولاج). ويتضح في تجربة "الفوتومونتاج" (Photomontage) للفنانة الدادائية حنة هوش (Hannah Höch)، التي تستند إلى تجميع بصري معقد لقصاصات مأخوذة من الصحف والمجلات والإعلانات والصور الفوتوغرافية المنتشرة في الثقافة الجماهيرية آنذاك. تقوم البنية التشكيلية للعمل على إعادة ترتيب هذه العناصر داخل تركيب بصري متشظ، فتتشكل شبكة من العلامات البصرية التي تعكس حالة الاضطراب الذاتي أو الذهني أو السياسي أو الثقافي.

المواد اليومية بوصفها علامات وأدوات نقدية
07 أبريل , 2026
Region

أدت التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت الحداثة الصناعية إلى ظهور حساسية فنية جديدة تنظر إلى العالم المادي بوصفه مجالا معقدا من العلامات الثقافية

يتجلى بذلك مسار فني يتأسس على تحويل المادة العادية إلى حامل للمعنى الرمزي، حيث تغدو اللوحة فضاء يكشف قدرة الفن على إعادة تأويل الأشياء التي تحيط بالإنسان داخل تجربته اليومية، ضمن سياق فينومينولوجي، يبتغي إعادة مساءلة ظاهرية الشيء وقابلية تأويله خارج سياقه المألوف. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت الحداثة الصناعية أدت إلى ظهور حساسية فنية جديدة تنظر إلى العالم المادي بوصفه مجالا معقدا من العلامات الثقافية، فتغيرت علاقة الفنان بالأشياء التي تحيط به، وبدأت تلك الأشياء تدخل تدريجيا إلى فضاء العمل الفني بوصفها عناصر قادرة على حمل معان رمزية تتجاوز وظيفتها العملية.

يكشف هذا التحول عن إعادة تفكير في مفهوم الشيء داخل فلسفة الفن، إذ لا يقتصر الشيء في هذا السياق على كونه مادة فيزيائية ملموسة قابلة للاستعمال أو التبادل الاقتصادي، وإنما يتحول إلى عنصر داخل شبكة من العلاقات الدلالية التي تتشكل من خلال السياق الثقافي والاجتماعي الذي يظهر فيه.

MAURICIO LIMA / AFP
"عجلة الدراجة" للفنان الفرنسي مارسيل دوشان خلال افتتاح معرض في ساو باولو، 3 تشنوفمبر 2001

وقد اهتم عدد من الفلاسفة المعاصرين بتحليل هذا التحول، فطرح آرثر دانتو (Arthur Danto) في كتابه الشهير "تجلي المبتذل" (The Transfiguration of the Commonplace) فكرة أن الفن المعاصر يتيح للأشياء العادية أن تكتسب وضعا إستتيقيا عبر عملية تأويلية تجعلها جزءا من خطاب فني، إذ يلاحظ دانتو أن الفرق بين الشيء العادي والعمل الفني لا يرتبط بالمظهر المادي وحده، لأن الشيء ذاته يمكن أن يوجد في سياقين مختلفين يحمل كل منهما معنى مختلفا، فالصندوق الخشبي الموجود في مستودع صناعي يظل أداة تخزين، بينما يتحول الصندوق نفسه إلى عمل فني عندما يدخل في بنية خطابية داخل فضاء العرض الفني، حيث يتغير موقعه داخل منظومة المعنى، وتصبح رؤيته مرتبطة بالتأمل الجمالي لا بالوظيفة العملية.

ينفتح تحليل دانتو على إشكالية فلسفية أوسع تتعلق بطبيعة الشيء في الثقافة الحديثة، إذ يلاحظ الباحثون أن المجتمعات الصناعية أفرزت وفرة هائلة من الأشياء التي تحيط بالإنسان في حياته اليومية، وقد أدى هذا التضخم المادي إلى تغير العلاقة بين الإنسان والعالم الموضوعي الذي يعيش فيه، فالأشياء لم تعد مجرد أدوات للاستعمال، وإنما تحولت إلى علامات تشير إلى أنماط الحياة وإلى الهويات الاجتماعية وإلى التحولات الاقتصادية التي يعيشها المجتمع.

REUTERS/Vincent West
عمل تركيبي للفنان الأميركي روبرت راوشنبرغ في متحف غوغنهايم في بلباو، 15 فبراير 2024

من هنا يظهر الفن المعاصر بوصفه مجالا نقديا، في جوهره التأسيسي، يعيد التفكير في تلك العلاقة، لأن الفنان يعمل على خلخلة حضور الأشياء داخل الحياة اليومية التي يعيد توظيفها بشكل مغاير ومستفز ذهنيا (ومفاهيميا) داخل فضاء رمزي يسمح بقراءتها من منظور جديد، بما يسمح بذلك الخطاب الذي يجاورها. فالعمل الفني المعاصر لا يحيا فقط في الشيء الذي يجعله ذريعة، وإنما أيضا عبر ذلك الخطاب المصاحب سواء أكان نصا مكتوبا نقيا أو حوارا صحافيا أو خطابا شفهيا، لتتداخل بذلك في عملية صناعة الغرض الفني اللغة بالمادة، وتكتسح الأولى الثانية، فيغدو المادي ما هو إلى مصوغ عيني (بصري) للقول/الخطاب.

يحدث هذا التحول عندما يفقد الغرض وظيفته الأصلية داخل فضاء الحياة اليومية ويكتسب وظيفة تأملية داخل فضاء العرض الفني

وأسهم اكتساح الاعلام والوسائل الجماهرية في بلورة هذه الرؤية الجديدة، التي عملت على تحويل مسار المنجز الفني من قيمة القداسة إلى قيمة العرض، دون أن تلغي عنه وظيفته الأساس، "الترميز"، بتعبير نيلسون غودمان، لكن داخل "سياق" محدد، يسميه دانتو هاورد بيكر بـ"عالم الفن".

زعزعة المفاهيم

يتضح هذا المسار بوضوح عندما تستحضر التجربة التي اقترحها مارسيل دوشان في العقد الثاني من القرن العشرين، حين أدخل ما سمي بالشيء جاهز-الصنع (Readymade) إلى المجال الفني، وهو مفهوم يقوم على اختيار أشياء صناعية عادية ثم عرضها داخل فضاء فني من دون تدخل تقني يذكر، وقد أدى هذا الفعل إلى زعزعة المفاهيم التقليدية التي كانت تربط الفن بالصناعة اليدوية أو بالمهارة التقنية، حيث كانت يد الفنان هي المتدخل الأهم في الفعل التشكيلي، إلى حد القداسة، إذ لم يكن من الممكن تصور منجز فني، خاصة مع الحداثة، لم تبدعه يد صاحبه أو تتدخل في صنعه بالشكل المهم.

وقد لاحظ المؤرخ الفني تييري دو دوف (Thierry de Duve) أن تجربة دوشان كشفت عن تحول عميق في فهم الفن، لأن العمل الفني أصبح يقوم على فعل "التعيين" أو الاختيار الموجه الذي يمنح الشيء وضعا إستتيقيا، وبذلك انتقلت القيمة الفنية من المادة إلى الفكرة التي تضع تلك المادة داخل إطار تأويلي جديد. فالفن، بالنسبة لهذا المؤرخ، لا ينفصل عن الحياة، كما تعلمنا الأعمال الجاهزة، إذ تتداخل قيم الحياة مع قيم الفن. ولا يمكن فصل الفن عن عصره التاريخي، فالفن ليس مشروعا للخلود.

BEN STANSALL / AFP
"النافورة" (1917) للفنان مارسيل دوشان في متحف "تيت مودرن" في لندن، 19 فبراير 2008

يقود هذا التحليل إلى التفكير في الكيفية التي يستحيل بها الشيء العادي إلى علامة رمزية، إذ يحدث هذا التحول عندما يفقد الغرض وظيفته الأصلية داخل فضاء الحياة اليومية ويكتسب وظيفة تأملية داخل فضاء العرض الفني. فالأداة المنزلية التي كانت مرتبطة بالفعل العملي تتحول إلى عنصر بصري يدعو المتلقي إلى التفكير في علاقتها بالعالم الاجتماعي الذي أنتجها. إذ إن العديد من الأعمال الفنية المعاصرة تعمل على إعادة ترتيب الأشياء اليومية داخل فضاءات الإنشاء (installation) تسمح بخلق علاقات جديدة بين المتلقي والشيء، وهو ما يؤدي إلى إنتاج تجربة إستتيقية تقوم على التفاعل الفكري مع المادة.

ضمن هذا السياق يرى عالم الأنثروبولوجيا أرجون أبادوراي (Arjun Appadurai) في كتابه المهم، "الحياة الاجتماعية للأشياء" (Social Life of Things)، أن الأشياء تمتلك مسارات اجتماعية معقدة تشبه مسارات البشر، لأنها تنتقل بين سياقات مختلفة وتكتسب معاني جديدة في كل سياق. فالكوب الزجاجي أو الكرسي أو القطعة المعدنية لا تظل مجرد مادة خام، وإنما تدخل في شبكة من العلاقات الاقتصادية والثقافية التي تمنحها قيمة اجتماعية.

ومن خلال هذا المنظور يصبح تحليل الأشياء اليومية وسيلة لفهم التحولات التي يعيشها المجتمع. ويتجلى تأثير هذا التفكير الأنثروبولوجي داخل الفن المعاصر عندما يعمل الفنانون على استخدام الأشياء اليومية بوصفها عناصر تحمل آثار الزمن الاجتماعي، إذ تحتفظ المادة بآثار الاستعمال وبعلامات التآكل التي تشير إلى تاريخها داخل الحياة اليومية. وعندما تستحضر هذه المادة داخل العمل الفني فإنها تنقل معها تلك الذاكرة الصامتة التي تراكمت عبر الزمن. بالتالي تشكل الأشياء اليومية جزءا أساسا من هوية الأفراد، لأنها ترافق ممارساتهم اليومية وتدخل في تفاصيل حياتهم الخاصة، ولذلك فإن تحليلها يسمح بفهم البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية، التي يهتم بها الفن المعاصر.

يكتسي الشيء قيمة فنية حينما يوضع داخل سياق فني، أي في الوقت الذي يتم الاعتراف به على أنه غرض فني من قبل "عالم الفن"

في هذا البعد تحديدا تعمل تجارب فنية عديدة على إعادة إعلاء قيمة الشيء المهمل، من كونه "دونيا" في التصور الكلاسيكي، الذي ظل يصنف الأشياء، إلى ذات وظيفة فنية وأخرى خارج الحقل الفني، إلى كونها قادرة على أن تحمل تعابيرها الرمزية والفنية، وذلك حينما تتحول إلى مفردة داخل العمل لتتكامل مع باقي المفردات الأخرى، داخل بنية تجميعية، على سبيل التمثيل، عمد الأميركي روبرت راوشنبورغ إلى تجميع وإلصاق مجموعة من العناصر المتلاشية داخل وحدة فنية أسماها "التجميع" أو "الدمج" (combine)، وهو اصطلاح استحدثه لوصف سلسلة من الأعمال التي تجمع بين عناصر التصوير الصباغي والنحت.

وبإزالة أي فروق جوهرية بين هذين النوعين الفنيين، تعرض أعمال "الدمج" إما معلقة على الجدران أو قائمة بذاتها. ومن خلال سلسلة "الدمج"، منح راوشنبرغ أهمية جديدة للأشياء العادية بوضعها في سياق الفن. حيث وحده السياق تبعا للتوجه التحليلي، قادر على أن يمنح الشيء قيمته الفنية، فإن كان هايدغر في مؤلفه "أصل العمل الفني"، قد حدد فنية الشيء (chose) في تحوله إلى غرض (objet) قد ألغيت عنه شيئيته، فإن أنصار المدرسة التحليلية، في مقدمها نيلسون غودمان، يضيفون دور السياق إلى هذا التحديد، حيث يكتسي الشيء (الحجرة، الشجرة، الكرسي، الباب...) قيمة فنية حينما يوضع داخل سياق فني (قاعة العرض، أداء فني، متحف...)، أي في الوقت الذي يتم الاعتراف به على أنه غرض فني من قبل "عالم الفن".

يظهر هنا البعد الأنثروبولوجي-السوسيولوجي للفن المعاصر الذي يتعامل مع الأشياء بوصفها وثائق ثقافية تحمل آثار الحياة اليومية، إذ يصبح العمل الفني فضاء يسمح بإعادة قراءة تلك الآثار من منظور تأويلي وسياقي. فالفنان حين يضع طاولة قديمة أو قطعة أثاث مهترئة داخل تركيب فني لا يسعى إلى تقديمها بوصفها مادة إستتيقية فحسب، وإنما يفتح مجالا للتفكير في التاريخ الاجتماعي الذي رافق تلك الأشياء. ويتحول المتلقي بدوره إلى قارئ لتلك العلامات المادية التي تشير إلى مسارات زمنية متعددة، وذلك بما يقترحه الفنان من استفزازات ذهنية ومفاهيمية، تربك المتلقي حينما يجد نفسه أمام أغراض ظلت مألوفة لديه خارج الحقل الفني.

البوب آرت

ينعكس الأمر على الفن المعاصر الذي يستحضر المنتجات الصناعية بوصفها علامات تشير إلى النظام الاقتصادي الذي ينتجها. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح داخل حركة "البوب آرت" (Pop Art) [الفن الشعبي] التي ازدهرت في ستينات القرن العشرين، حيث استخدم الفنانون صور السلع الاستهلاكية مثل علب الحساء أو الزجاجات أو الإعلانات التجارية داخل اللوحات والأعمال التركيبية.

ROBYN BECK / AFP
عمل للفنان روبرت ثيرين في متحف "ذا برود" في لوس أنجليس، 20 نوفمبر 2025

وقد فسرت هذه الممارسة الفنية بوصفها قراءة نقدية للثقافة الاستهلاكية التي تحيط بالإنسان المعاصر، لأن العمل الفني يعيد عرض تلك السلع داخل فضاء تأملي يكشف عن بنيتها الرمزية. وذلك كما نلمس في أعمال أشهر فناني هذا التيار، أندي وارهول حيث تتحول في أعماله علب حساء "كامبل"  أو صور المشروبات الغازية إلى وحدات بصرية متكررة داخل فضاء اللوحة، بما يجعل الصورة الصناعية نفسها موضوعا للتأمل الجمالي، فيغدو المنتج الاستهلاكي علامة ثقافية تكشف عن آليات الإنتاج الرمزي التي تنسج علاقة معقدة بين الرغبة الفردية ومنطق السوق داخل المجتمع الصناعي المتقدم.

يغدو حضور السلعة داخل العمل الفني شكلا من أشكال التفكير النقدي في اقتصاد الصورة، إذ يكشف الفن عن الكيفية التي تتحول بها المنتجات اليومية إلى رموز ثقافية

وتتجلى داخل هذا المنظور عملية تحويل الشيء العادي إلى بنية دلالية، حيث تتداخل الاستراتيجيا البصرية القائمة على التكرار الميكانيكي للصورة مع تقنية الطباعة الحريرية (السيريغرافيا)، وهو الأمر الذي يسمح بإظهار الطابع الصناعي للصورة الفنية نفسها، بحيث يبدو العمل الفني كأنه نتاج لخط إنتاج بصري يعكس منطق التصنيع المتسلسل الذي يميز الثقافة الاستهلاكية الحديثة.

ومن ثم يغدو حضور السلعة داخل العمل الفني شكلا من أشكال التفكير النقدي في اقتصاد الصورة، إذ يكشف الفن عن الكيفية التي تتحول بها المنتجات اليومية إلى رموز ثقافية تنتج الرغبات وتعيد تشكيل المخيال الجماعي، وهو ما يجعل تجربة "البوب آرت" لحظة مفصلية في تاريخ الفن المعاصر لأنها نقلت مركز الاهتمام من تمثيل العالم إلى تحليل النظام الرمزي الذي ينظم تداول الصور والسلع داخل المجتمع الرأسمالي. 

RAPH GATTI / AFP
صورة أرشيفية للرسام الإسباني بابلو بيكاسو في موجان، فرنسا، 13 اكتوبر 1971

ارتبط الفن المعاصر في مرحلة انعطافه هذه بنقد واستثمار ثقافة الاستهلاك التي تشكل إحدى السمات الأساس للمجتمعات الرأسمالية المتأخرة، وذلك كون العالم المعاصر يعيش داخل فضاء مادي مشبع بالسلع الصناعية التي تنتجها الرأسمالية الحديثة. وقد تناول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار هذه الظاهرة في كتابه "مجتمع الاستهلاك" فرأى أن السلع لم تعد تؤدي وظيفة عملية فقط، وإنما أصبحت تحمل قيمة رمزية ترتبط بالصورة الاجتماعية وبالهوية الثقافية، لأن الأفراد يستهلكون الأشياء من أجل المعنى الذي تمثله داخل النظام الرمزي للمجتمع.

الأرشيف البصري للحياة اليومية

وعموما، تكشف هذه الأعمال عن التوتر الذي يميز الثقافة المعاصرة بين الإنتاج الصناعي المتكرر وبين الرغبة في خلق معنى فردي داخل تجربة الفن. فالصورة التي تظهر على واجهة متجر أو على إعلان تجاري، تصبح داخل العمل الفني موضوعا للتفكير في طبيعة الاستهلاك ذاته، إذ يتساءل المتلقي عن العلاقة بين الرغبة والسلعة، وبين الهوية الاجتماعية والصورة التي تنتجها الثقافة الاستهلاكية، بالقدر نفسه الذي يسائل الفروق بين الشيء العادي والفني بما بفرضه المنجز المعاصر من تداخل الحدود بينهما حد التطابق.

يتواصل هذا المسار النقدي داخل العديد من الممارسات الفنية المعاصرة التي تستعمل الأشياء اليومية بوصفها أدوات لتحليل النظام الاقتصادي الذي تنتجه الرأسمالية المتأخرة، التي تتسم بتوسع الأسواق العالمية وهيمنة الثقافة الاستهلاكية على الحياة الاجتماعية.

INA FASSBENDER / AFP
"بذور دوار الشمس" للفنان الصيني آي ويوي في متحف K21 في دوسلدورف، 16 مايو 2019

ويعمل الفن المعاصر على عكس هذا التحول عبر استخدامه مواد مأخوذة من عالم الاستهلاك، لأن تلك المواد تكشف عن طبيعة النظام الاقتصادي الذي يهيمن على الثقافة المعاصرة. و يمثل عمل الفنان الصيني أي ويوي (Ai Weiwei) "بذور عباد الشمس"، المعروض سنة 2010، نموذجا دالا على هذا التوجه، إذ يتكون العمل من نحو مئة مليون بذرة دوار الشمس المصنوعة يدويا من الخزف والمطلية يدويا، رغم أن مظهرها يوحي بمنتج صناعي متطابق. ويحيل هذا التكرار الكثيف إلى منطق الإنتاج الكمي (الجماهيري) الذي يميز الاقتصاد المعولم، حيث تبدو كل وحدة متشابهة داخل الكتلة الكلية، وهو ما يستدعي صورة العامل داخل منظومات التصنيع الواسعة التي تحكمها الرأسمالية المتأخرة.

يتحول الشيء البسيط إلى جهاز دلالي يتيح للفن حل العلاقة المعقدة بين الاستهلاك والإنتاج والعمل غير المرئي، ويجعل المادة اليومية أداة تحليل نقدي للبنية الاقتصادية

بينما تنبثق دلالة العمل أيضا من التوتر بين الصناعة والحرفية - فقد سبق أن كتب على جرة خزفية شبيهة بتلك الصينية التقليدية علامة تجارية لشركة "كوكا كولا". فكل بذرة صنعت يدويا بواسطة مئات الحرفيين في مدينة جينغدتشن (Jingdezhen) الصينية (المشهورة بصناعة الخزف)، مما يجعل الكتلة المتجانسة ظاهريا تكشف شبكة عمل إنسانية خفية داخل الاقتصاد العالمي. هكذا يتحول الشيء البسيط إلى جهاز دلالي يتيح للفن حل العلاقة المعقدة بين الاستهلاك والإنتاج والعمل غير المرئي، ويجعل المادة اليومية أداة تحليل نقدي للبنية الاقتصادية التي تشكل الثقافة المعاصرة.

ومنه، يتحول الفن المعاصر في هذا السياق، إلى نوع من الأرشيف البصري للحياة اليومية، إذ يجمع الفنان الأشياء التي تنتجها الثقافة الاستهلاكية ثم يعيد تركيبها داخل فضاء العمل الفني، وهو فعل يكشف عن العلاقات المعقدة بين الإنسان والمادة في العصر الحديث. ومن خلال هذا الفعل يفتح الفن مجالا للتأمل في العالم المادي الذي أصبح يشكل جزءا جوهريا من التجربة الإنسانية.

09 أبريل , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤