من الشجرة إلى المونديال: عن شرارة الذي لم تغادره الرمثا
•هذه الأيّام، لا يمانع الآباء في قرية الشجرة في لواء الرمثا أن يصير أولادهم لاعبي كرة قدم محترفين.
•لقد تغيّر كل شيء في القرية التي يبلغ عدد سكانها 35 ألفًا؛ انتشرت الملاعب وأكاديميات كرة القدم.
•والأطفال يريدون أن يصيروا مثل ابن القرية محمد أبو زريق، أو كما يعرفه مشجعو كرة القدم بـ«شرارة» الذي يتواجد اليوم في الولايات المتحدة مع بعثة منتخبنا الوطني المشارك في كأس العالم 2026.
هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: حبر | Source: حبرهذه الأيّام، لا يمانع الآباء في قرية الشجرة في لواء الرمثا أن يصير أولادهم لاعبي كرة قدم محترفين. لقد تغيّر كل شيء في القرية التي يبلغ عدد سكانها 35 ألفًا؛ انتشرت الملاعب وأكاديميات كرة القدم. والأطفال يريدون أن يصيروا مثل ابن القرية محمد أبو زريق، أو كما يعرفه مشجعو كرة القدم بـ«شرارة» الذي يتواجد اليوم في الولايات المتحدة مع بعثة منتخبنا الوطني المشارك في كأس العالم 2026.
يوسف قبل شرارة
صيف سنة 1998، وحين كان عمره 14 عامًا، وصل يوسف، الشقيق الأكبر لـ«شرارة»، إلى ملعب النادي العربي في مدينة إربد التي تبعد عن قرية الشجرة 20 كيلومترًا، من أجل اللعب أمام لجنة فنية ستختار فريق الناشئين. أعجبت اللجنة بيوسف، وأخبرته أن يعود غدًا. وهكذا صار لاعبًا في فريق ناشئي النادي المنتظم في سجلّات الاتحاد الأردني لكرة القدم، ولكن ليوم واحد فقط.
يقولون في «الشجرة» إنّ ليوسف لمسةً سحرية في التمرير حين يلعب في وسط الملعب، وهو قادرٌ بتمريرة واحدة، ومن حيث لا يعرف أحد، على وضع المهاجمين منفردين أمام حرّاس المرمى. في اليوم التالي، اشترى يوسف قميص منتخب الأرجنتين وحقيبة، ومشى لمُجمّع الحافلات للوصول لملعب التمرين. لكنه صادف والده عائدًا في إجازة من الجيش، «وين؟» سأله، «بدك تترك القراية، وتِهمل من صغر، ارجع».
بعد 28 سنة يتذكر يوسف الموقف: «قعدت ثلاثة أيام ما أكلت، ولهسّه وأنا أحكي معك بدي أبكي». هكذا انتهت مسيرة يوسف مع كرة القدم قبل أن تبدأ. وبالطريقة نفسها كان يمكن أن تنتهي مسيرة شرارة.
«الشجرة» واحدة من قرى لواء الرمثا، وتجاور الحدود الأردنية السورية، وهي امتداد لسهل حوران وبيئته الفلاحيّة؛ حيث انشغل الآباء في الماضي بوظائفهم أو العمل داخل الحقول، وحرصوا على تعليم أولادهم من أجل إنهاء الجامعة والحصول على وظيفة تؤمن مستقبلهم. ولذا اقتصر لعب كرة القدم لدى الأبناء على المساءات، والعطل الدراسية، وعُدّت «همالة» في غير هذه الظروف، وهذا ما حصل مع يوسف.
لكن، يختلف الأمر مع لاعبي نادي مدينة الرمثا ممن تجاوزوا عمر المدرسة، إذ يقف الجميع وراء الفريق ويحتفلون بإنجازاته بطريقة جديدة على جماهير كرة القدم الأردنية؛ مثل أخذ الجِمال إلى الملعب احتفالًا بالفوز، وتسيير مواكب الشاحنات التي يعملون عليها في النقل. فعلوا ذلك منذ أوّل مرّة كانوا فيها منافسين على لقب الدوري عام 1979، الذي حضره والد «شرارة» من المدرّجات.
انتشرت لعبة كرة القدم عند الأجيال الصغيرة أكثر بعد فوز نادي الرمثا بالدوري الأردني عاميْ 1981 و1982، ووفرت لهم المنطقة السهلية والحقول بعد حصادها المساحات اللازمة لتخطيط الملاعب. وأقيمت البطولات المحلية بطابع عشائري؛ لكل عشيرة فريق، والفريق الفائز تخرج عشيرته في موكب شاحنات، وتطلق له الرصاص والزغاريد.
يدعم أهل الرمثا فرق كرة القدم، الشعبية منها أو فريق النادي، كامتداد لعادات الفرح القديمة، فحين كان يتزوج أحدهم ، يحضر الجميع بالأهازيج ومعهم «العونة»، أي أن يحمل الرجال الخراف والهدايا، والنساء أطباق القش المملوءة بالأرز والبرغل.
في هذه الأجواء، لعب «شرارة» كرة القدم، في الحقول والحارات والمدرسة، طفلًا كثير الحركة، ولذا قال عنه خاله إنه مثل «الشرارة» فراحت لقبًا. ولأن الدنيا عند أهل حوران، أهازيج ودبكة وكرة قدم، نشأ «شرارة» يعرف الأهازيج الشعبية، وتجويد القرآن. وامتلك خفة دم جعلته يقلّد من حوله، فأحبوه. وصار أحد رؤوس الحارة، أي أن اللعبة لا تكتمل إلا بوجوده. يقول قريبه وصديقه خالد زريقات، إن شرارة سافر مرّة مع عائلته إلى الشام لحضور عرس قريب لهم، وكانت بطولة القرية على وشك البدء، فطلب له أولاد الحارة سيارة جاءت به من سوريا لكي تبدأ اللعبة.
محمد أبو زريق، «شرارة» عندما كان طفلًا. من أرشيف العائلة.
في المدرسة يلعب طلاب مدارس الشجرة كرة القدم في بطولات مدرسية مع المعلمين ومدراء المدرسة. لفتت مهارة شرارة انتباه أحد مدرسيه فرشّحه للتدّرب في مركز الأمير علي للواعدين في إربد، فدخله متأخرًا، ولموسم واحد فقط، ثم التحق للعب مع الفئات العمرية في نادي الرمثا. تبعد «الشجرة» عن مدينة الرمثا 15 كيلو مترًا، رافقه أصحابه إلى التمارين، ومنهم خالد، وذلك رغبة منهم بالاستمتاع بمهارته في اللعب.
مع الغروب، تنتهي تمارين الفريق، وتعود المجموعة إلى القرية بالحافلات حين يوفر النادي تكلفة المواصلات، ومرات على الدراجة الهوائية، أو مشيًا من الطريق الزراعي. وفي بعض الأحيان كان الليل يهبط عليهم في طريق العودة، وتنتشر حولهم الكلاب. يهاتف «شرارة» والده ليأخذهم، فيقول الأب: «شو السلافة الهاملة هاي. لا معطينك مصاري، وتجيني بنص الليل». لكن يوسف يتدخل ويقنع الأب لترك شرارة يعود للتمرين.
كان يوسف قد التحق بالدفاع المدني مع غصة في القلب على مسيرة رياضية لم تكتمل، فوجد في «شرارة» صورته، وصادفت تلك الفترة تحوّل الدوري الأردني إلى نظام الاحتراف بدءًا من سنة 2008، وانتظم احتراف اللاعبين الأردنيين في الخارج، ومنهم لاعبون من الرمثا؛ قبل تطبيق نظام الاحتراف مثل بدران الشقران، وبعده مثل أحمد هايل، وهذا ما دفع يوسف للتفكير في مستقبل «شرارة» لاعبًا يمكن أن يحترف لو انتبه له أحد الأندية الكبيرة.
دخل شرارة الجامعة في العام 2017، بتخصص الكيمياء، فأقنعه يوسف: «إذا بدك تكمل كيمياء انسَ الفطبول، إنت رايح على تخصص وبده قراية». وهكذا نسي «شرارة» الكيمياء وتحوّل لدراسة الرياضة، وواصل اللعب، حتى دون مقابل مع الرمثا، وجلس احتياطيًا في أحيان كثيرة.
في الجامعة، أمضى شرارة نهاره بين المحاضرات والغناء والدبكة مع شلته. وعند الثالثة بعد الظهر كان يغادر إلى الرمثا للتمرين ويعود آخر الليل، فيعاتب الأب يوسف: «ولك شو عملت بالولد؟ بطلنا نشوفه». فيرد يوسف: «إنت ما خليتني ألعب، ومحمد شاطر، بكرة بس يهتم بحاله شوي ويصير، أبيعلك إياه بـ100 ألف»، فيرد الأب: «لِدّي يا أم يوسف، ابنك انهبل. ولك بشو تسولف. إحنا مش ملاقيين نعطيه للجامعة». وبالفعل، احترف شرارة، ولكن بـ300 ألف.
وصل «شرارة» لأول احتراف، بعد أن ظهر محليًا كلاعب أساسيّ؛ في البداية مع فريق شباب النادي وتسجيله هدفًا على الفيصلي توج الرمثا ببطولة دوري الشباب، ثم صعوده للفريق الأول مع مجموعة من 12 لاعبًا من ناشئي وشباب النادي.
حينها اضطر النادي للاعتماد على هذه المجموعة بعد تسريح معظم لاعبي الفريق الأول، لعدم تمكنه من دفع رواتبهم، وحرمانه من التعاقد مع لاعبين جدد بسبب عقوبات الاتحاد الدولي لكرة القدم عليه، كما يقول لحبر، مدرب الرمثا وقتها إسلام ذيابات.
وقّع «شرارة» عقدًا مع النادي براتب شهري من 400 دينار، وشارك في مباريات الفريق الودية في البطولة العربية للأندية. ويتذكر له الذيابات تألقه أمام النجم الساحلي التونسي الذي كان يضمّ نخبة من اللاعبين التونسيين والأفارقة.
حين بدأ الدوري الأردني 2018-2019 سجل شرارة هدفًا في أول مباراة له من ركلة ركنية، وهدفًا آخر على الوحدات أهّل الرمثا إلى نهائي بطولة كأس الأردن. وفي فترة ما بين مرحلة الذهاب والإياب اختير للمنتخب الأولمبي وشارك في مباراة ودية أمام منتخب قطر. ومع نهاية الموسم قدّمت له عدة أندية عروض احتراف مثل القادسية الكويتي، والسيلية القطري، فاختار الأخير.
يقول يوسف: «طموحي كان 100 ألف، أجاه ضعفين. شرارة يصل دائمًا متأخر بس بيصل، هو كان متفاجئ، أنا جهزت كل شيء، وما خبرته إلا قبل بيوم إنه عندك فحص طبي، سألني: «معقول كِملت؟» قلت: كِملت».
«شرارة» ودوري الرمثا
بعد انتهاء عقد احترافه، عاد لنادي الرمثا وشارك في موسم 2021، وساهم بعودة بطولة الدوري إلى النادي بعد غياب 40 عامًا بتسجيله تسعة أهداف كرابع هداف في الدوري،[1] ثلاثة منها في المبارتين الأخيرتين الحاسمتين أمام شباب الأردن والجزيرة.
أمام نادي شباب الأردن، انتهى الشوط الأول بالتعادل بهدفين لكل فريق. وفي الشوط الثاني تسبب بضربة جزاء للرمثا. وعلى غير العادة، وفي أجواء متوترة تقدم شرارة لتنفيذها، يقول خالد: «عمره ما شاط بلنتي، قلت ببالي هذا بتخوث، بعده صغير، لويش بده يشوطها؟».
بسملَ شرارة ونفّذ ركلة الجزاء، ارتدت الكرة من الحارس إلى القائم، قبل أن تعود إليه ليكملها هدفًا ثالثًا. لاحقًا قال شرارة لخالد: «أخذت الكرة، رحت بدي أشوطها، حطيتها على الأرض، ولما رفعت راسي وطليت وإلا الجماهير فوقي، قلت وين رايح أنا؟ هذول كلهم برقبتي». وفي الدقائق الأخيرة أضاف شرارة هدفًا رابعًا لتنتهي المباراة بنتيجة 4-2.
في المباراة الأخيرة أمام «الجزيرة» احتاج الرمثا إلى تعادل ليتوج بالبطولة. نصبَ الأهالي في الشجرة الشاشات في باحات البيوت لكبار السن والنساء، ومنهم عائلة «شرارة». وحضرها الشباب في الملعب والمقاهي. ومنذ ساعات الصباح، اجتمع الأهالي في بيت عم شرارة، وطبع أصدقاؤه صورته على قميص نادي الرمثا، وقالوا له على الهاتف إنهم يعوّلون عليه، واحتفل الناس بالدوري قبل بدء المباراة. تقدّم الجزيرة بهدف، وبدا أن الدوري قد ضاع مثلما ضاع دوري 1979، ثم حصل لاعب الرمثا مصعب اللحام على ركلة جزاء، تقدم «شرارة» لتنفيذها، يقول أبو يوسف: «صارت بلنتي وقالوا لي دخيلك ادعي، ما كنت حاب محمد يلعبها، قلت هسه إذا ما جابها مستقبله بالرمثا يتدمر. أنا ظليت ساجد حتى ضرب البلنتي وما شفتها، يوم فغروا الناس عرفت إنه جابها».
يمتاز شرارة -وفقًا لمدربه الذيابات- بحفظه لواجبات بناء اللعب من الخلف، ودخوله إلى عمق الملعب لاستلام الكرات والتصويب، بالإضافة إلى مهارة الجري السريع بالكرة وهي قريبة منه، وهو من اللاعبين الذين يُطلق عليهم المدربون لقب اللاعبين ذوي الموهبة الربانيّة.
يضيف الذيابات قائلًا إن جمهور الرمثا يعشق اللعب الجميل والموهبة. وفي بعض المرات لا يفرح للفوز إن لم يكن مستمتعًا بلعب الفريق، وهذا ما جعله يعشق «شرارة» كلاعب موهوب وحاسم وقريب من اللاعبين والجمهور.
في ليلة الفوز بالدوري، خرج الناس إلى الشوارع، وأغلقوا وسط المدينة، أطلقت أبواق الشاحنات، وذبحت الِجمال، ووزعت أقراص العيد والكباب الرمثاوية، وبدا المشهد مثل كرنفال شعبيّ، قال عنه مدرب الفريق العراقي أمين فيليب إنه لم يره من قبل إلا في البرازيل.
شرارة: «إلى الأمام، إلى الأمام»
اشتهر «شرارة» مع الرمثا والمنتخب بتقليد الشخصيات من حوله، مثل مدربيه في النادي ومع المنتخب ومنهم المغربي جمال السلامي، وتقليد اللاعبين. كما عرف عنه تأليف الأهازيج، مثل أهزوجة «وعينا على الدنيا» التي اشتهرت بعد فوز الرمثا ببطولة الدوري، وكان شرارة أحد الذي عدّلوا عليها بعد استلافها من أهازيج الأندية الخليجية، كما يقول رئيس رابطة مشجعي الرمثا غازي السموعي. بالإضافة إلى أهزوجته التي ذكر فيها أسماء لاعبي المنتخب بعد التأهل إلى كأس العالم، وغناها في استقبال الجمهور للمنتخب في ستاد عمان الدولي.
بعد الفوز ببطولة الدوري 2021، وصلت عروض الاحتراف إلى «شرارة» من عدة أندية مثل أيك أثينا اليوناني وشريف المولدوفي، والأهلي الليبي، فاحترف في الأخير، وتنقل بعدها بين الترجي التونسي، والوحدات والحسين إربد الأردنيين، والشرطة العراقي، والرجاء المغربي، النادي الذي تجوّج أكثر من مرة بطلًا للدوري المغربي ودوري أبطال إفريقيا.
مع الاحتراف، تغيرت حياة «شرارة»؛ تزوج، وبنى بيتًا في «الشجرة» يزوره الأقارب ويدقون باب بيته في وقت متأخر. يُحاول يوسف الذي يدير أعماله ضبط المواعيد، وأن يبقيه داخل المنزل قبل الساعة 11 ليلًا لكن الأمور في القرية لا تسير على هذا النحو.
في أوقات إجازته، يذهب في رحلات إلى السهل مع أصدقائه بمرافقة المجوز والدربكة، ويشارك في أعراس المنطقة، ويقود الدبكة كما يقول السموعي، ويؤم المصلين في مسجد القرية. يوقفه الشباب والأطفال في الشارع ويتحدث معهم. ويطرقون باب بيته ليلًا لأجل صورة، فيستيقظ ويأخذ صورة معهم.
«شرارة» في أمسية سمر مع الأصدقاء. أرشيف العائلة.
كان حلم شرارة اللعب وأن يشاهده الناس على الشاشات، فشاهدوه. وحلم بالاحتراف في دوريات دول الخليج، واحترف. وأمنيته الكبيرة أن يلعب مع روما الإيطالي، مع أنه مشجع لبرشلونة والأرجنتين مثل شقيقه يوسف وأعمامه.
الآن في الرمثا، ساهمت مسيرة شرارة بانتشار أكاديميات كرة القدم. صار الآباء يأتون بأولادهم إلى الأكاديميات للاستثمار فيهم، ليصيروا مثل شرارة وبعض نجوم الرمثا مثل علي عزايزة. وينظرون لكرة القدم باعتبارها عملًا لتأمين المستقبل. «[تجربة] شرارة خلت الحلم للصغار والأهالي قريب. بعد شرارة الناس صارت تحسّ كرة القدم اتطعمي خبز»، يقول أحد أبناء الشجرة.
الهوامش
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.
