السبيل – خاص
في صباح اليوم الحادي عشر؛ لم تشرق الشمس على منطقة رأس العين في بلدة قصرة شمالي الضفة كما تشرق على بقية البلاد، فالسماء كانت صافية، لكن الظل كان ثقيلاً!
ثلاثة منازل فلسطينية تقف وحيدة وسط دائرة من المستوطنين المدججين، والجيش الإسرائيلي يحيط بهم كجدار صامت. النوافذ مغلقة، والأبواب لا تُفتح إلا بحذر، والأطفال ينظرون من الشقوق الصغيرة كأنهم يراقبون عالماً أصبح فجأة عدواً.
العائلات الثلاث لم تعد تعرف متى ينتهي الحصار. فالمستوطنون يتجولون في المحيط منذ أحد عشر يوماً، يجلسون على الحجارة، يشعلون نيرانهم ليلاً، ويضحكون أحياناً بصوت عالٍ كأنهم في نزهة. والجيش يعلن المنطقة “عسكرية مغلقة”، ويحول أحد المنازل إلى ثكنة. والجنود يدخلون ويخرجون، والمستوطنون يبقون.. يقول رئيس البلدية عبد العظيم الوادي بصوت مثقل: “لو أراد الجيش طردهم لفعل. لكنه شريك”.
في هذا المشهد الصغير تتجسد حكاية أكبر بكثير.. حكاية بدأت قبل 78 عاماً، حين اجتاحت العصابات الصهيونية القرى الفلسطينية، وأحرقت البيوت، ودفعت مئات الآلاف إلى الطرقات حاملين مفاتيح منازلهم التي ظنوا أنهم سيعودون إليها بعد أيام. كانوا يقولون آنذاك: “اضرب وارحل”. واليوم يقولون بطريقة أخرى: “حاصر وانتظر حتى يرحل”.
الوسائل تغيرت، أما الجوهر فبقي كما هو.. لم تعد هناك حاجة إلى مجزرة واحدة كبيرة في ليلة واحدة. يكفي أن يحاصر المستوطن المنزل أسابيع، ويمنع الأب من الوصول إلى أرضه، ويخيف الأم على أطفالها، ويجعل الليل طويلاً والصباح أثقل.. وشيئاً فشيئاً يصبح البقاء أقسى من الرحيل. وهذا بالضبط ما يحدث الآن في قصرة، وما حدث قبله في عشرات التجمعات الأخرى.
منذ مطلع هذا العام وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1430 اعتداءً، نتج عنها تهجير 3800 فلسطيني، نصفهم من الأطفال.. هم ليسوا ضحايا “أعمال شغب” عشوائية، بل ضحايا سياسة ممنهجة: المستوطن يهاجم، والجيش يحمي، والإدارة الموصوفة بـ”المدنية” تصمت أو تشرعن.. هكذا يُعاد إنتاج النكبة بأدوات العصر: البؤر العشوائية التي تتحول إلى مستوطنات، والطرق الالتفافية التي تقطع القرى، والحماية العسكرية التي تحول أي مقاومة إلى “تهديد أمني”.
في رأس العين؛ تبدو المنازل الثلاثة كأنها جزر صغيرة تقاوم مدّاً قادماً.. العائلات ترفض أن تغادر.. النساء يخبزن الخبز في الصباح رغم الحصار، والرجال يحاولون إصلاح ما يُخرَّب في الليل، والأطفال يرسمون على الجدران الداخلية صوراً لبيوت أكبر وأوسع.. هذا الصمود ليس بطولة أسطورية، بل حياة يومية تُعاش رغم الألم. وهو بالضبط ما يفشل المشروع الاستيطاني في كسره.
من النكبة إلى قصرة؛ تتكرر الحكاية وتتجدد أدواتها. لكن في كل مرة يظهر من يرفض أن يكون الصفحة الأخيرة في كتاب التهجير.. المنازل الثلاثة في رأس العين ليست مجرد حجارة محاصرة، بل شهادة حية على أن الأرض لا تزال تعرف أصحابها، وأن الذاكرة الفلسطينية أقوى من كل وسائل الاقتلاع الجديدة.

The post من النكبة إلى قصرة.. الأرض لا تزال تعرف أصحابها appeared first on السبيل.





