... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
212954 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6979 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

من القسوة الصريحة إلى العنف المؤسسي.. كيف تتشكل هندسة الإقصاء الحديثة؟

العالم
هسبريس
2026/04/19 - 05:00 501 مشاهدة

حين تَسْتعيرُ القَسْوةُ ملامِحَ الوَقار

أيُّ عقلٍ هذا الذي لا يكتفي بارتكاب الفجيعة، وإنما يجهد أيضًا في تبريرها وصياغتها في صورة تبدو معقولة ومشروعة؟ وأين يقيم العنف الأشدّ حقًّا: في المشهد الصريح الذي تصدمنا قسوته، أم في اللغة القانونية الدقيقة التي ترتّب القسوة، وتخفيها تحت انضباط المصطلحات وصلابة الإجراءات؟ ومتى يكفّ القانون عن حماية الإنسان، ويبدأ في تنظيم إقصائه ومنح هذا الإقصاء هيئة الشرعية؟ وكيف تحوّل البيروقراطية لوائحها وترتيباتها وتقنيات ضبطها إلى سلاح فعلي لا يقلّ فتكًا عن العنف المباشر؟ ثم من علّم العنف أن يتخفّى وراء لغة نظيفة، وأن يقدّم نفسه بوصفه نظامًا عقلانيًا، لا بوصفه جريمة؟ أليست المأساة الأعمق هي أن القسوة لا تكتفي بالفعل، بقدر ما تسعى أيضًا إلى تهذيبه، حين تمنحه اسمًا مشروعًا، وتدفعه إلى الظهور في هيئة نظام لا في هيئة جُرح؟

كيف تكتب الوحشيةُ سِيرَتها؟

أشيل مبيمبي Achille Mbembe مفكّر ومؤرّخ كاميروني، يُعدّ من أبرز منظّري ما بعد الاستعمار في الفكر المعاصر. تتركّز أعماله على نقد السلطة الحديثة، والعنصرية، وحدود السيادة. اشتهر عالميًا بمفهوم “النيكروسياسة (سياسات الموت)” Nécropolitique بوصفه إطارًا نقديًّا يتناول السيادة باعتبارها قدرةَ السّلطة على الحسم في مسألة الحياة والموت، من خلال القرار السياسي وآليات الإدارة اليومية للمخاطر. تُنتج السلطة الموتَ بالقتل المباشر، كما تُنتجه عبر سياسات تفرض هشاشة مزمنة، مثل الحصار، والتجويع، والإفقار، والعنف، والسجون، والمخيمات، وتحويل الحدود إلى أدوات فرز، فضلًا عن حرمان الناس من العلاج، والسكن، والتنقّل، والعمل. صاغ أشيل مبيمبي هذا المفهوم ليبرزَ النيكرُوسياسة بوصفها تدبيرًا للموت والإقصاء والإبادة البطيئة ضمن منطق أمني واقتصادي واستعماري. يبني أشيل مبيمبي في كتابه “الوحشية Brutalisme” تشخيصًا لعصرٍ صار فيه “الهدم” نموذجَ تشغيل عالمي؛ لذلك، يستعير هذا المفهوم من العمارة الخشنة ذات الكتلة الصّلبة ليقرأ السّياسة والاقتصاد والتّكنولوجيا بوصفها كتلة واحدة: تصعيدٌ تقنيّ، ورأسمالية جامحة، وأزمات بيئية وهجرات قسرية، مع استمرار خيالٍ كولونياليّ يعيد إنتاج الحدود والفرز ومن يحقّ له النجاة في عالم يراكم “الظلال” والنفايات، ويحتاج إلى إعادة تأسيس قواعد الحكامة الأخلاقية. بهذا المعنى، ليست الوحشية عند أشيل مبيمبي، نوبةً بدائية ولا قسوةً عارية؛ إنها هندسة عقلانية للعنف.

كيفَ نُعيد إنتاجَ النّظام الذي يَسْحَقُنا

عند قراءتي هذه الدراسة، شعرتُ بأنني أضع يدي على مفاتيح غرفة التحكّم في زمننا. لا يصف مبيمبي الوحشية من الخارج، ذلك أنه يكشف جهازها الداخلي ويفكّك طريقة عملها: كيف تُهذّب السلطةُ اللغةَ حتى تُظهر القسوة في صورة “تدبير”، وكيف ترتّب قراراتها بحيث تمنح الإقصاء هيئة “الإجراء” العادي، وكيف تُدخل الإنسان في منطق إداريّ لا يعتبره كائنًا حيًّا، وإنما ملفًّا يخضع للتَّقييم. هكذا لا تبدو الوحشية نظامًا منضبطًا يتقن إخفاء عنفه خلف لغةٍ نظيفة وإجراءاتٍ تبدو في ظاهرها محايدة. ما شدّني أكثر أن الدراسة لا تترك للقارئ رفاهية البرَاءة؛ لذلك دفعتني لأتساءل: كم مرة مرّ الموت أمامي على هيئة خبرٍ عابر؟ هكذا، لا تحتاج الوحشية الحديثة إلى صراخ ولا إلى مشاهد دموية فاضحة؛ فهي تمارس فعلها بهدوءٍ أنيق وبرودةٍ محسوبة. تستبدل السكين بلغة القانون، وتتحرّك تحت لافتات الأمن والنظام والمصلحة العامة. تخفّف وقع القسوة بتعابير محايدة، ثم تعيد صياغة الألم في هيئة ملفّ، والجرح في هيئة تقرير، والدم في هيئة أرقام، والضحايا في هيئة «حالات» قابلة للأرشفة. هنا تكمن خطورتها: لأنها تبدو وظيفةً تُنجَز بإتقان… ويتمّ تصديقها لأنها ممْهُورة بتوقيع وخَتْم.

لا يتمّ اختزال الوحشية في لحظة إطلاق الرصاصة، ذلك انها تتكوّن قبلها في المسافة الزّمنية التي تصنعها السُّلطة: انتظارٌ طويل يربّي اليأس ويعوّد الجسد على التنازل. هنا يمارس الزمن دورًا مباشرًا في العنف: يُنهك الإنسان، ويؤجّل الحسم، ويستنزف طاقته خطوةً بعد خطوة، حتى يدفعه إلى الاستسلام ويجعله يبدو وكأنه النتيجة الطبيعية لكل هذا الضغط المتراكم. وفي هذا السياق، يوضح مبيمبي أن الاستعمار لم ينسحب من التاريخ، بل غيّر أدواته، وجدّد صِيَغه، وأعاد ترسيخ منطقه داخل أشكال جديدة من السيطرة أكثر قدرة على التخفّي وأشد إحكامًا في إدارة الإخضاع.

لذلك لم يعد في حاجة إلى أدوات القهر المباشرة، لأن اقتصادًا يَعِد ثم يتراجع، وحدودًا تشتغل بمنطق الأبواب الدوّارة، يكفيان لإعادة إنتاج الأثر نفسه: فتحٌ مؤقت يعقبه إغلاق، وأملٌ يُمنح على نحو يمهّد لمصادرته. كما يستند هذا المنطق إلى خطاب إنسانيٍّ ناعم يدين العنف على المستوى المعلن، لكنه يواصل إنتاجه عبر أدوات أكثر انضباطًا وأشدّ فاعلية، مثل القوانين والتصنيفات ومعايير الأهلية والقرارات الباردة. ومن ثمّ، لا يقتصر الاستهداف على فئة محددة، ذلك أنه يمتدّ إلى معيار الإنسان نفسه، أي إلى حقّه في زمن مكتمل، وحياة غير معلّقة، ووجود لا يُقاس بقابليته للشطب. ومع ذلك، لا يصوغ مبيمبي تفكيره من موقع يأسٍ مطلق، لأنه يشير، في قلب هذا اللّيل الكوْني، إلى أفقٍ مغاير يتمثّل في أخلاق العيش المشترك، حيث لا تحدّد القيمةُ الإنتاجية معنى الحياة، ولا تختزل الوثيقةُ حقيقةَ الجسد، ولا يدفع الاختلافُ الجماعةَ إلى معاملته بوصفه تهديدًا. لذلك لا تقوم مقاومة الوحشية على إنتاج عنفٍ مضاد، بقدر ما تستندُ على إعادة تخيّل العالم خارج منطق الإبادة المؤجّلة.

حين تُدار الوحشية بعقلٍ بارد

هل الوحشية طارئةٌ على الحداثة… أم هي قلْبُها الصّامت؟ وهل المشكلة في العنف حين ينفجر، أم في العقل الذي يجعله “منطقيًا” و” قابلًا للإدارة”؟ ولماذا نتحاشى التحديق طويلًا؟ لأننا نخاف أن ينكشف لنا أن ما نظنه خطأً في النظام ليس خطأً أصلًا، وإنما شرطٌ من شروط اشتغاله. فماذا تمنحنا المواجهة إذن: ذنبًا آخر نضيفه إلى أثقالنا، أم فهمًا يفتح لنا باب التغيير؟ لا يَعُدّ مبيمبي الوحشية خروجًا عن الحداثة، إنها وجه من وجوهها، ذلك الوجه الذي دُرِّبنا على المرور الخاطف عليه حتى لا نراه. والتحديق فيه ليس ضربًا من جلد الذات، بقدر ما هو استعادةٌ للبوْصلة؛ لأن مستقبل الإنسان يتوقف على كسر هذه العقلانية القاتلة التي تُحوِّل الحياة إلى معاملة، والكرامة إلى شرط أهلية، والوجود إلى ملفّ يُطوى عند أول ختم. السؤال الحاسم إذن: هل نعيد للحياة معناها قبل أن تُختزل نهائيًا إلى إجراءٍ إداري… أم نواصل تسليمها لنظامٍ يعرف كيف يُنهي كل شيء من غير ضجيج؟ لكن مبيمبي لا يقف عند العنف بوصفه واقعة، ذلك أنه يدفع التفكير فيه نحو البيئة التي يحتلّها. فالوحشية، في تصوره، تصنعُ مناخًا تعيد فيه تشكيل الحساسية الإنسانية ذاتها.

وعندئذٍ تفقد اللغة براءتها، وتتحول مفردات مثل الأمن والاستقرار والتنمية إلى غطاء تبريري: نقول شيئًا، ونحيا نقيضه، من غير أن يرتجف الضّمير العام. الوحشية بهذا المعنى إعادة تنظيم للحسّ الأخلاقي. لم يعد السؤال: “هل هذا عنف؟” وإنما: “هل هذا ضروري؟” هكذا يُستبدل الحكم الأخلاقي بحِسَابِ الجَدْوى. كل ما لا يخضع لمنطق النفع تُقصيه هذه المنظومة إلى الهَامش حتى يذبُل. وهكذا، في هذا التحوّل الصّامت، تستبدل السلطةُ القيمَ بالمعايير، والكرامةَ بالمؤشرات، والإنسانَ بالرقم. تدفع هذه المنظومة المرء إلى العيش في هشاشة دائمة، بين القانون والحياة. ويأخذ العنف هنا هيئةً أكثر خفاءً ودقة: يمنح وعدًا بالنجاة، ثم يجرّدها من شروطها تدريجيًا. ومن قلب هذا الاستنزاف تولد ذات مرهقة ومتشققة، تضعها السلطة، مرةً بعد مرة، أمام امتحان أهليتها للحياة.

الذات هنا ليست ضحيةً صامتة، إنها كائنٌ يعيد الضغط تشكيله، فيلقّنه الصمت، ويزجّ به أحيانًا، من حيث لا يدري، في إعادة إنتاج النظام الذي يسحقه. لكن مبيمبي يفتح تحليله على أفق آخر: ضرورة تفكيك الخيال السياسي الذي يهيّئ شروط الوحشية. فالأنظمة لا تستمر بالقوة فحسب، ذلك أنها تستمد دوامها أيضًا من الصور التي ننسجها عن الخطر، وعن الآخر، وعن المستقبل. لذلك تبدأ المقاومة في مستوى التخيّل قبل أن تبلغ مستوى المواجهة: تخيّلَ انتماءاتٍ أخرى، وحدودٍ أخرى، وصيغٍ أخرى للعيش المشترك؛ تخيّلَ سياسةٍ لا يسوقها الخوف، ولا يسندها فائض الموت.

التّواطؤُ الهادئ

لم تعد الوحشية مجرد عنف يصيب الإنسان، صارت تمسّ معنى الوجود نفسه. فالسلطة لا تدير الأفعال فقط، وإنما ترتّب الوجود إلى درجات: وجود كامل تعترف به، ووجود ناقص تتحكّم فيه، ووجود فائض تمحوه من دون أن يهتزّ النظام. يؤدّي هذا التدرّج وظيفة خوارزمية صامتة داخل الاقتصاد والقانون والتقنية؛ ذلك أنّ الرؤية لا تشمل كلّ موجود، كما أنّ الاحتساب لا يطال كلّ ما يقع في مجال الرؤية.

ومن ثمّ، تدفع هذه الآليات كينوناتٍ كثيرة إلى منطقة رمادية، حيث تُعلّق بعض الأحياء على حافة الحضور، وتُخضع بعض الحيوات لتهديدٍ دائم بالإلغاء، فتستنزفها ببطءٍ وبلا هوادة. وتنبع خطورة هذه الوحشية من أنها تفصل الحساب عن الحكم، وتفصل الضبط عن الفهم، وتبني تنظيمًا يوزّع المسؤولية على نحوٍ يكاد يمحوها. وهكذا يتولّى كلّ طرف جزءًا محدودًا يبدو مشروعًا في الظاهر، ثم يتكوّن الشرّ في النهاية من التراكم المنهجي لأداءٍ يعدّه الجميع سليمًا. ومن هنا يفتح مبيمبي أفقًا أخلاقيًا مغايرًا: أخلاقًا لا تؤسّسها الشفقة ولا يضمنها التشابه، وإنما يصوغها انكشافٌ متبادل يربط هشاشَتِي بهشاشة الآخر، ويكشف أن نجَاتِي الفردية داخل آلة الإقصاء لا تكون إلاَّ نجاةً مَنْقوصة.

كيف نؤسّس إذن حكمًا أخلاقيًا في عالمٍ يبرّر نفسه باسم “الضّرورة”؟ وكيف نُعيد المسؤولية إلى نظامٍ يوزّع العُنف حتى يمحُو فاعِله؟ والأهم: كيف تتبدّل الكلمات لتغدو “المصلحة العامّة” غطاءً للفَقْد؟ من يملكُ حقّ تعريف من يستحق الحياة، ومن يبقى على هامشها؟ وهل يمكن أن تكون الوحشية أكثر فتكًا حين تتأنّق، وتبتسمُ؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post من القسوة الصريحة إلى العنف المؤسسي.. كيف تتشكل هندسة الإقصاء الحديثة؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤