... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
227841 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7885 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

من الإمبراطورية إلى الجمهورية.. قصة تركيا مع ابتكار اللقاحات وتصديرها للعالم

صحة
ترك برس
2026/04/20 - 20:52 502 مشاهدة

حسناء جوخدار - ترك برس

لم يكن الطب الوقائي في تركيا مجرد استجابة لأزمات عابرة، بل كان ثقافة متجذرة في عمق التاريخ العثماني، امتدت لتصبح ركيزة أساسية في بناء الجمهورية التركية الحديثة. ففي الوقت الذي كانت فيه الأوبئة تفتك بمدن القارة العجوز، كانت "إسطنبول" تحتضن أسرارا طبية وابتكارات بشرية سبقت عصرها بعقود. 

ووفقا لبيانات أرشيفية رسمية لدى وزارة الصحة التركية، لم تكن الدولة العثمانية مجرد قوة عسكرية، بل كانت مختبراً مفتوحاً للتجارب العلمية التي أثارت دهشة الرحالة والمستشرقين، الذين نقلوا إلى بلادهم كيف يواجه "الشرق" الموت بقطرات من اللقاح.

تبدأ القصة من ملاحظات دقيقة لزوجة سفير، وتمر بقرارات سيادية لسلاطين استثمروا في العلم، وصولاً إلى كوادر طبية لم تتوقف عن الإنتاج حتى وهي تحت نيران الحروب. إليكم التفاصيل الكاملة لرحلة اللقاح التركي عبر القرون.

البداية من دهشة "السيدة ماري مونتاغيو" وعبقرية "شانيزاده"

تعود أقدم وثيقة تاريخية تتحدث عن إنتاج اللقاح في الدولة العثمانية إلى مطلع القرن الثامن عشر. ففي رسائلها الشهيرة المكتوبة بين عامي 1717 و1721، نقلت السيدة ماري مونتاغيو، زوجة السفير البريطاني، بدهشة بالغة كيف كان الأتراك يُنتجون لقاحاً يسمى "تطعيم الجدري". كانت هذه الرسالة هي الشرارة التي نبهت الغرب إلى أن الدولة العثمانية قد قطعت شوطاً طويلاً في الطب الوقائي.

ومع حلول القرن التاسع عشر، لم يعد الأمر مجرد ممارسات تقليدية؛ إذ برز اسم العلامة شانيزاده محمد عطاء الله، رائد الطب الحديث، الذي طبق أول طريقة علمية متطورة لإنتاج لقاح الجدري عام 1811. شانيزاده لم يكتفِ بالجانب العلمي، بل قدم رؤية سياسية للسلطان محمود الثاني بضرورة مأسسة العمل الصحي عبر إنشاء "بيت اللقاح" (Aşıhane) وفرض الحجر الصحي، وهي خطوات واجهت تحديات سياسية كبرى آنذاك لكنها وضعت حجر الأساس لما سيأتي لاحقاً.

السلطان عبد الحميد الثاني ولويس باستور: تعاون عابر للحدود

في مشهد يجسد الدبلوماسية العلمية، تواصل العالم الفرنسي الشهير لويس باستور مع قادة العالم لدعم أبحاثه. التقط السلطان عبد الحميد الثاني الإشارة، وعرض على باستور استكمال أبحاثه في إسطنبول تحت رعاية الدولة. ورغم اعتذار باستور عن الانتقال، إلا أن السلطان أرسل له دعماً مالياً ضخماً قُدّر بـ 10 آلاف ليرة ذهبية (ما يعادل ثمن 200 منزل في إسطنبول حينها)، مع شرط جوهري: تدريب نخبة من الأطباء العثمانيين في مختبراته بباريس.

في عام 1886، عاد الفريق التركي بقيادة البروفيسور زويروس باشا والدكتور حسين رمزي، حاملين معهم "جرثومة داء الكلب" لبدء الإنتاج المحلي. وبفضل هذه الخطوة، تأسس في إسطنبول ثالث مركز لإنتاج لقاح داء الكلب في العالم، والأول من نوعه في الشرق الأوسط.

نهضة المختبرات: العصر الذهبي للإنتاج المحلي

تحولت الدولة العثمانية في أواخر أيامها إلى مركز إقليمي رائد للأمصال واللقاحات، وتوالت الإنجازات:

1892: تأسيس "بيت التلقيح السلطاني" ليكون مركزاً متخصصاً لإنتاج لقاح الجدري.

1896 - 1903: نجاح الطبيب البيطري مصطفى عادل في إنتاج أمصال الدفتريا، الطاعون البقري، والحمى القرمزية.

1911 - 1913: البدء بإنتاج لقاحات التيفوئيد، الكوليرا، والزحار لأول مرة في البلاد.

وحتى خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال الصعبة، استمر الإنتاج الطبي كفعل مقاومة؛ حيث نُقلت المختبرات إلى مدن الأناضول مثل أسكي شهير وكيرشهير وسيفاس لضمان استمرار حماية الجيش والشعب من الأوبئة.

عصر الجمهورية: من الاكتفاء الذاتي إلى إنقاذ الصين

مع قيام الجمهورية التركية عام 1923، نال ملف اللقاحات دفعة مؤسسية كبرى بتأسيس "معهد حفظ الصحة" عام 1928. وخلال الأربعينيات، حققت تركيا طفرة إنتاجية شملت لقاحات التيفوس، السعال الديكي، والكزاز بكميات تجارية ضخمة.

بلغت الثقة باللقاح التركي حدّاً جعل الدولة تُرسل لقاحات الكوليرا إلى الصين عام 1938 لمساعدتها في السيطرة على وباء فتاك. وفي عام 1950، توّجت هذه الجهود باعتراف منظمة الصحة العالمية بمخبر الإنفلونزا التركي كمركز إقليمي دولي.

العودة للمستقبل: توطين التكنولوجيا الحديثة

بعد فترة من التوقف في أواخر التسعينيات، عادت تركيا بقوة لتوطين التكنولوجيا الحيوية. فمنذ عام 2009، دخلت تقنيات التعبئة والتغليف الحديثة للقاحات المتعددة (الخماسية والرباعية)، وفي عام 2020، بدأت البلاد مرحلة جديدة من الإنتاج المحلي الكامل (لقاح التيتانوس والدفتريا Td)، مع استمرار عمل المديرية العامة للصحة العامة في إنتاج أمصال العقارب والأفاعي والكزاز.

إنها مسيرة تمتد لثلاثة قرون، تثبت أن تركيا لم تكن يوماً مجرد مستهلك للعلم، بل كانت، ولا تزال، شريكاً أساسياً في حماية البشرية من الأخطار المجهرية.

 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤