من الكلمات التي حققت صعودا كبيرا خلال السنوات الأخيرة كلمة "المحتوى"، التي استطاعت خلال زمن قصير أن تبتلع أشكالا أدبية وفنية كان لكل واحد منها اسمه وتاريخه وتقاليده، حتى أصبحت المقالة محتوى، والصورة الفوتوغرافية محتوى، والفيلم محتوى، والرواية محتوى، وحتى الكاتب نفسه أصبح يعرف نفسه بـ"صانع محتوى".
قد يبدو الأمر تحولا لغويا فرضته المنصات الرقمية، غير أن الكلمات لا تنتشر بهذه القوة من دون أن تحمل معها طريقة في رؤية الأشياء. فالمحتوى يشير إلى شيء قابل للإنتاج والعرض والتداول والاستهلاك والاستبدال. وحين يدخل الأدب تحت هذه المظلة، يبدأ تدريجيا في اكتساب شروطها.
يمكن من هنا النظر إلى جانب من أزمة الأدب المعاصر. فالتاريخ والسياسة والمجتمع لم تختف من الروايات والقصص الجديدة. النصوص ما تزال مزدحمة بالهجرة والمنفى وأزمة الهوية والاستعمار والفقر والاضطهاد والذاكرة والتحولات الاجتماعية. ومع ذلك، كثيرا ما ينتهي القارئ من العمل شاعرا بأن شيئا لم يحدث.
الحرب موجودة، لكنها لم تعد حربا. والتاريخ حاضر، لكنه لا يضغط على حياة الشخصيات. والسياسة تمر في النص، لكنها لا تغير الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه والعالم. لقد تحولت هذه الأشياء، في كثير من تجارب الكتابة الجديدة، من قوى تصنع الواقع إلى موضوعات تشير إليه.
فالأزمات الإنسانية في الأدب تكتسب قيمتها مما تفعله بالإنسان داخل النص. في السابق كان الأدب قادرا على تحويل التاريخ إلى مصير بشري، أما منطق المحتوى فيميل إلى تحويل المصير البشري إلى موضوع. حروب تقع، ومدن تدمر، ومجتمعات تتفكك، وتحولات اقتصادية وسياسية تعيد تشكيل حياة ملايين البشر، ومع ذلك قد لا تدخل هذه الأحداث إلى النصوص إلا باعتبارها مناسبة لإنتاج محتوى جديد عن الخوف أو الضيق أو الغضب.
وبشكل من الأشكال أصبحت الكارثة تمر أمام الكاتب المعاصر، لكنه لا يشعر بأنه مطالب بفهمها بقدر شعوره بأنه مطالب بأن يكون له محتوى عنها. والفارق بين الأمرين هائل، فالتعبير عن القلق من الحروب لا يعني التفكير فيها، وإعلان الخوف من المستقبل لا ينتج معرفة به، واتخاذ موقف أخلاقي من المأساة لا يعفي الأدب من السؤال الأصعب: ماذا أضاف إلى فهمنا لها؟
أصبحت الكارثة تمر أمام الكاتب المعاصر، لكنه لا يشعر بأنه مطالب بفهمها بقدر شعوره بأنه مطالب بأن يكون له محتوى عنها.
كان في صميم الطموح الأدبي، مهما اختلفت مدارسه، وهم نبيل بأن الكتابة تستطيع أن تغير العالم، أو تغير نظرتنا إليه على الأقل، أو تعيد ترتيب حساسيتنا تجاه الظلم، أو تكشف بنية اجتماعية مستترة، أو تمنح خبرة لم تكن قابلة للإدراك قبل أن تتحول إلى شكل فني. أحيانا يكفي أن يجعل الأدب رؤية العالم بالطريقة القديمة مستحيلة.
أما اليوم فيبدو أن جانبا من الأدب قد تنازل عن هذا الطموح. لم يعد مطلوبا من النص أن يغير شيئا، يكفي أن يعبر عن شيء. وهكذا حل التعبير محل المعرفة، وصار سؤال: كيف أشعر تجاه ما يحدث؟ يطغى على سؤال: ماذا أعرف الآن عن العالم لم أكن أعرفه قبل الكتابة؟
وهذا يقود إلى تحول آخر، هو انشغال الكاتب المعاصر بالطريقة التي سيظهر بها عمله أكثر من انشغاله بالمشكلة الفنية التي يطرحها داخل تاريخ النوع الأدبي. فالكاتب لا يبدأ من الصفر، خلف كل عمل تاريخ طويل من المحاولات والمآزق والحلول الفنية. هناك تاريخ للراوي والزمن ووجهة النظر والشخصية والحوار وعلاقة اللغة بالواقع، والكتابة الأدبية، في أحد معانيها، دخول في حوار مع هذا التاريخ.
لكن منطق المحتوى يستطيع تجاوز كل ذلك. فالعمل لا يحتاج إلى اقتراح فني إذا كان يمتلك موضوعا قابلا للتداول، بحيث تصبح أهمية الموضوع قادرة على تعويض فقر السؤال الفني، حتى نصل إلى نصوص يمكن تلخيص قيمتها كاملة في العبارة التي تشرح موضوعها.
صحيح أن الأعمال الأدبية الكبيرة تسمح بتلخيص حكاياتها أيضا، لكن شيئا جوهريا يظل خارج الملخص، مثل: طريقة الرؤية، وبناء الزمن، والنبرة، والتوتر الأخلاقي، وما فعلته الرواية بالشكل الذي ورثته ممن سبقها. إنها تمتلك فائضا لا يدخل في خانة المحتوى. المفارقة أن ذلك الفائض هو الأدب.
·ليست العدمية التي تقول إن العالم بلا معنى، وإنما عدمية عالم ممتلئ بالمعاني الجاهزة.
لهذا يمكن الحديث اليوم عن انتقال مقلق من تراكم المعرفة إلى تراكم المحتوى. فالأدب يسهم على الدوام في تكوين معرفة الإنسان بنفسه والعالم. هناك أشياء نعرفها عن الحرب والسلطة والطبقة والمدينة والذاكرة لأن الأدب استطاع أن يمنحها أشكالا لم تكن موجودة من قبل، وأن يضيف إمكانية جديدة للفهم.
أما حين يهيمن منطق المحتوى، فإن كل عمل يضاف إلى ما سبقه من دون أن يغيره، وهنا تنشأ عدمية من نوع جديد. ليست العدمية التي تقول إن العالم بلا معنى، وإنما عدمية عالم ممتلئ بالمعاني الجاهزة، إلى درجة أن لا شيء يعود قادرا على إحداث أثر حقيقي، وإذا استسلم الأدب لهذا المنطق، فلن تكون مشكلته أنه فقد قضاياه الكبرى فقط، بل إنه فقد قدرته على جعلها مؤثرة وقادرة على إحداث التغيير الهام والمطلوب.




