من اقتصاد المعابر إلى اقتصاد الدولة.. كيف أعاقت ثقافة الطوارئ بناءَ الاقتصاد السوري الحالي؟
على مدى سنوات الصراع، رسّخت المناطق المحررة نموذجاً اقتصادياً استثنائياً يقوم على محورَين لا ثالث لهما: إيرادات المعابر ومنح المنظمات الإنسانية، وحين أسدل التحرير ستاره على مرحلة الصراع، وجدت الحكومة السورية نفسها أمام معضلة هيكلية عميقة: ميراث من اقتصاد الطوارئ في مواجهة متطلبات بناء دولة كاملة السيادة والمؤسسات.
يرى خبراء الاقتصاد أن ما عاشته المناطق المحررة من نموذج اقتصادي طارئ ليس مدعاةً للإدانة، بل هو شهادة على قدرة السوريين على الاستمرار في أصعب الظروف، لكنه في الوقت ذاته درس صارم: الحلول الطارئة تنتهي بانتهاء الطوارئ، أما الدول فتبنيها المؤسسات، وأن سورية اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة، بأن تعيد تأسيس عقدها الاقتصادي الاجتماعي على قاعدة صلبة من العدالة المالية والسيادة النقدية والتنمية المنتجة، وأن هذا الانتقال يستلزم شجاعة سياسية لمواجهة المستفيدين من الفوضى، وكفاءة تقنية في صياغة السياسات، وصبراً اجتماعياً لدى المواطن الذي دفع ثمن الحرب ولا يجب أن يدفع ثمن تأخر الإصلاح.
فما هي جذور الأزمة؟ وكيف يمكن تصحيح النموذج؟ وهل هناك من يستشرف مسارات الخروج؟
تشريح النموذج.. كيف نشأ اقتصاد المعابر؟
لم يكن اقتصاد المعابر اختياراً سياسياً مدروساً بقدر ما كان استجابةً ظرفية لضغوط متراكمة، فمع اندلاع الثورة السورية وتفكّك السلطة المركزية، وجدت الفصائل والإدارات المحلية في المناطق المحررة نفسها في مواجهة احتياجات يومية ملحّة: تمويل العمليات العسكرية، وصرف رواتب المقاتلين، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الإدارية، وكل ذلك في غياب أي قاعدة ضريبية محلية قادرة على الإنتاج والتحصيل.
في هذا السياق يوضح الخبير الاقتصادي هلال منصور أن المعابر الحدودية والنقاط التجارية أضحت مصدر الإيراد الأول والأيسر استخداماً، فالبضائع القادمة من تركيا أو العراق أو لبنان أو حتى من مناطق سيطرة “النظام السابق” كانت تمرّ عبر نقاط تفتيش تفرض عليها رسوماً جمركية غير منظّمة، تتباين من منطقة إلى أخرى ومن فصيل إلى آخر، وتُجبى بصورة بعيدة عن أي منطق اقتصادي.
ويتابع منصور في تصريح لـ”963+” أن المعابر حوّلت الجمارك من أداة لتنظيم التجارة وحماية الإنتاج إلى مجرد صنبور مالي يُفتح ويُغلق وفق حاجة الخزينة الحربية، والأخطر من ذلك أن هذه الرسوم لم تُؤَدِّ وظيفتها الاقتصادية الأصلية المزدوجة: حماية الصناعة المحلية من المنافسة الخارجية، وتنظيم التدفق التجاري بما يخدم أولويات التنمية، وذلك لسببين متشابكين: الأول، غياب قاعدة صناعية محلية تستحق الحماية أصلاً في ظل تدمير البنية التحتية الإنتاجية. والثاني، ضغط حاجة التمويل الفوري الذي جعل أي تفكير في الوظيفة التنظيمية للجمارك ترفاً لا تحتمله ظروف الحرب.
الغائب الأكبر.. المنظمات الإنسانية بديلاً عن الدولة
يشير منصور أنه إلى جانب المعابر، استقرّ العمود الثاني للاقتصاد الطارئ على كاهل المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية، وهذه المنظمات، رغم دورها الإنقاذي الذي لا يُنكر، شكّلت عن غير قصد نموذجاً موازياً للخدمة العامة أسهم في تعطيل بناء مؤسسات حكومية فاعلة، فالمدارس التي يموّلها اليونيسف، والمستشفيات الميدانية التي تديرها منظمة أطباء بلا حدود، والسلال الغذائية التي يوزّعها برنامج الأغذية العالمي، كلها ملأت فراغاً حيوياً في اللحظة الحرجة، غير أن هذا النموذج خلق إشكالية هيكلية عميقة: فقد تشكّل لدى المواطن والإدارة المحلية على حد سواء قناعة ضمنية بأن الخدمات الاجتماعية مسؤولية الممولين الخارجيين لا الحكومة، وهو تشوّه في التوقعات يصعب تصحيحه بعد انتهاء الحرب.
ويُضاف إلى ذلك كما يرى هلال، أن تدفق الدولار الأميركي والمساعدات العينية أسهم في تعطيل التسعير الطبيعي وتقليص الحوافز أمام المنتج المحلي، فلماذا يستثمر في الزراعة أو الصناعة الصغيرة من يمكنه الحصول على المنتج المدعوم مجاناً أو بثمن بخس؟ فالمنظمات الإنسانية أنقذت الأرواح في زمن الحرب، لكنها بنت، عن غير قصد، سقفاً زجاجياً يحول دون نهوض الدولة بمسؤولياتها السيادية.
وعن سؤال لماذا لا يصلح هذا النموذج لما بعد التحرير؟
يقول الخبير الاقتصادي هلال أن التحدي الجوهري الذي تواجهه الحكومة السورية يكمن في الفجوة المفاهيمية والعملية بين إدارة جيب جغرافي محدود في حالة طوارئ، وبين إدارة دولة بكامل وظائفها السيادية، وهذه الفجوة متعددة الأبعاد، حيث تعتمد الدولة الحديثة على نظام ضريبي عادل وشامل يمسّ كل القطاعات والشرائح.
ويضيف: أما اقتصاد المعابر أفرز عادة اعتماد على الرسوم الجمركية وحدها، متجاهلاً الضريبة على الدخل والثروة وأرباح الشركات، والنتيجة: قاعدة إيرادية هشّة تنهار حين تنهار حركة التجارة الحدودية، يضاف إلى ذلك مسألة إدارة عرض النقد، وضبط معدلات التضخم، وتحديد سعر الصرف، والتحكم في الدين العام، وكلها أدوات لم تمتلكها إدارات المناطق المحررة ولم تحتج إليها في ظل التبرعات الخارجية، أما اليوم فهي لبّ الاقتصاد الوطني ولا بديل عنها، وهناك أيضاً مشكلة تغييب السياسة التجارية الاستراتيجية، فالدولة السيادية تستخدم السياسة التجارية أداةً لتنمية صناعاتها وحماية قطاعاتها الحساسة.
ويتابع: أما اقتصاد الطوارئ لم يفعل شيئاً من ذلك: فُتحت الأسواق أمام المنتجات التركية والصينية والإيرانية دون أي رؤية لما يجب إنتاجه محلياً، وما يجب استيراده، وما يجب حمايته، ولابد من الانتقال من اقتصاد المعابر (الطوارئ) القائم على رسوم جمركية ودولرة جزئية وانعدام حماية الإنتاج، وأفق التخطيط قصير المدى (حربي)، إلى اقتصاد الدولة (المؤسسي) القائم على منظومة ضريبية تشاركية وبنك مركزي فاعل وتعريفات وسياسات صناعية، وأفق التخطيط متوسط وبعيد المدى
تشخيص الأعراض.. مؤشرات الأزمة على الأرض
الانتقال من النموذج الطارئ إلى المؤسسي لم يجرِ بسلاسة في أعقاب التحرير، وأفرز جملةً من الأعراض الحادة الدالة على عمق الإشكالية.
يرى المحلل الاقتصادي الأكاديمي محمد الحلو في تصريحات لـ”ط963+” أنه رغم إعلان وزارة المالية توحيد التعريفة الجمركية، لا تزال تتعدد نقاط الجباية غير الرسمية في مناطق عدة، إضافة إلى عجز الموازنة عن تغطية الخدمات: الفجوة بين الإيرادات الفعلية وتكلفة تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية تبقى هائلة، ما يجعل الحكومة رهينةً لاستمرار التمويل الخارجي الذي بات يتقلص، مع ضعف الثقة الاستثمارية: غياب النظام الضريبي الواضح وعدم استقرار الرسوم يجعل المستثمر المحتمل، المحلي والخارجي، عاجزاً عن حساب تكاليف مشروعه وعائده المتوقع، مع تضخم في القطاع غير الرسمي، حيث أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي يجري خارج أي سجل أو رقابة، ما يعني ضياع جزء أساسي من القاعدة الضريبية المحتملة، يضاف إلى ذلك هشاشة العملة الوطنية، و اللجوء المفرط إلى الدولار في المعاملات اليومية يعكس غياب الثقة بالليرة السورية ويُعسّر أي سياسة نقدية.
ويقترح الحلو خريطة الطريق نحو اقتصاد مؤسسي سوري، حيث يرى أن الخروج من فخ اقتصاد الطوارئ لا يتحقق بمرسوم أو قرار وزاري، بل بمنظومة سياسات متكاملة تعمل بالتوازي على مستويات ثلاثة، أولها إصلاح النظام المالي والجمركي، ويستلزم هذا المستوى توحيد منظومة الجمارك تحت سلطة وزارة المالية، وإلغاء كل نقاط الجباية غير الرسمية، وإصدار تعريفة جمركية واضحة قائمة على معيار مزدوج، رسوم تشجيعية للمدخلات الإنتاجية ورسوم حمائية للسلع التي يمكن إنتاجها محلياً، مع إقرار قانون ضريبي عادل يشمل الدخل والأرباح والثروة.
ويضيف: ثم المستوى الثاني يقوم إعادة بناء الثقة النقدية، وهذا يتطلب منح البنك المركزي استقلاليةً حقيقية عن الضغوط السياسية والمالية، وتبنّي سياسة نقدية تدريجية تُعيد الاعتبار للعملة الوطنية وتحدّ من الدولرة، مع إرساء احتياطيات العملات الأجنبية اللازمة لتثبيت سعر الصرف، والمستوى الثالث والأخير يربط كل ذلك بمسار التنمية، فالسياسات المالية والنقدية والتجارية ليست غايةً في ذاتها، بل أدوات لتحفيز الإنتاج المحلي، وجذب الاستثمار، وتشجيع عودة الكفاءات السورية في المهجر، ويجب أن تُدمج هذه السياسات ضمن خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار تضع خريطة واضحة للقطاعات ذات الأولوية: الزراعة، والصناعات الغذائية، والطاقة، والبنية التحتية الرقمية، فالانتقال من اقتصاد الطوارئ إلى اقتصاد الدولة ليس ترفاً تنموياً بل إنه الشرط الضروري لاستدامة التحرير نفسه.
اقتباس: “اقتصاد المعابر والمنظمات كان حلاً اضطرارياً فرضته الحرب، لكنه لم يعد صالحاً لمرحلة بناء الدولة”.
The post من اقتصاد المعابر إلى اقتصاد الدولة.. كيف أعاقت ثقافة الطوارئ بناءَ الاقتصاد السوري الحالي؟ appeared first on 963+.




