عنب بلدي – آلاء شعبو
كيف استطاع الأرز والشوح السوري الصمود معًا في بقعة واحدة من أعالي جبال اللاذقية، بينما انحسرت هذه الأشجار في كثير من مواطنها الطبيعية؟ وكيف تحولت محمية الأرز والشوح في صلنفة، الممتدة على 1350 هكتارًا، إلى واحد من أهم المواقع التي لا تزال تحتضن الأرز اللبناني النادر في الحوض الشرقي للبحر المتوسط؟
حكاية هذه الغابة لا تبدأ من مساحتها، ولا من عدد الأنواع التي تحتضنها، إنما من شجرتين تقاسمتا الجبل، واحدة على سفحه الشرقي وأخرى على سفحه الغربي، لتتركا أثرهما في نظام بيئي نادر بقي شاهدًا على غنى الطبيعة السورية.
شجرتان تقسمان الجبل
في محمية صلنفة، اختارت كل من الشجرتين مساحتها، إذ ينتشر الشوح على السفح الغربي، بينما يستقر الأرز على السفح الشرقي، بأشجار طبيعية أصيلة، عاشت في هذه المنطقة منذ مئات السنين.
هذه القسمة الطبيعية للجبل هي ما يمنح المكان جزءًا من فرادته، فالأرز والشوح من الأنواع الأصلية التي وجدت بيئتها في جبال اللاذقية واستمرت فيها.
وقالت الدكتورة عبير أحمد إبراهيم، عضو الهيئة التدريسية في المعهد العالي لبحوث البيئة بجامعة “اللاذقية”، لعنب بلدي، إن بعض أشجار الأرز المعمرة في المحمية يعود عمرها إلى مئات السنين، مشيرة إلى أن الأرز اللبناني (Cedrus libani) مدرج على القائمة الحمراء للأنواع المهددة لدى الاتحاد الدولي لصون الطبيعة.
وللأرز حكاية أقدم من المحمية نفسها، التي لم تُعلن رسميًا إلا عام 1996، فقد ورد ذكر الشجرة في النقوش الفينيقية القديمة ونصوص ممالك أوغاريت، وبقيت مرتبطة بتاريخ المنطقة حتى أصبح وجودها الطبيعي اليوم نادرًا، ووصفت إبراهيم المحمية بأنها آخر معقل لغابات الأرز اللبناني النادرة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط.
خلف الأرز والشوح غابة أخرى
إذا كان الأرز والشوح أشهر أشجار المحمية، فهما ليسا وحدهما، إذ إن خلف الشجرتين غابة أكثر تنوعًا مما يظهر للعين، حتى إن إبراهيم تصف المكان بأنه “متحف طبيعي حي”، فعلى مساحة تبلغ 1350 هكتارًا، أحصى الباحثون 142 نوعًا نباتيًا تنتمي إلى 107 أجناس و50 فصيلة، بينها 53 نوعًا خشبيًا و89 نوعًا من النباتات العشبية البرية.
وبين الأشجار تظهر أنواع أقل شهرة وأكثر ندرة، مثل الفاوانيا وزهرة الربيع وزهرة الثلج، كما عُثر في المحمية على أنواع لم تكن معروفة سابقًا فيها، من بينها اللوز الشائع والخوخ الزاحف.
ولا تنتهي الحياة عند النباتات، فالذئب والثعلب والضبع والأرنب البري والغزال الجبلي والأيل الأسمر هي من الثديّات الموجودة في المحمية التي كانت أيضًا موئلًا لأنواع واجهت الانقراض، بينها النمر السوري والدب البني السوري.
وتكتسب الغابة أهمية أخرى في فصل الصيف، حين تصبح موقعًا للطيور المهاجرة، لتتحول المساحة التي تحمل اسم الأرز والشوح إلى نظام بيئي كامل تتقاطع فيه حياة النباتات والحيوانات والطيور.
هذه الخصوصية دفعت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي إلى إعلان المنطقة، في 22 من تموز 1996، محمية بيئية حرجية ذات طابع علمي وتدريبي، مع السماح باستغلال سياحي مدروس لها.
البقاء ليس مضمونًا
أن تعيش شجرة مئات السنين لا يعني بالضرورة أن بقاءها مضمون.
على مدى سنوات، تعرضت المحمية لضغوط بشرية مختلفة، من القطع الجائر والرعي العشوائي إلى جمع النباتات البرية، خصوصًا الطبية منها، واليوم، أضيفت إلى تلك الضغوط تغيرات أكثر اتساعًا، بينها الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والحرائق.
لكن أحد أكثر الأرقام إثارة للقلق لا يتعلق بما خسرته الغابة، بل بقدرتها على إنتاج جيل جديد من أشجارها.
بحسب الدراسات التي تستند إليها إبراهيم، فإن 9.5% فقط من منطقة صلنفة تعد مناسبة للتجدد الطبيعي للأرز، في حين أن 78.23% منها غير مناسبة، مع تفوق شجرة العدريش (Juniperus drupacea) على الأرز من حيث الغزارة النسبية والكثافة على السفح الشرقي للمحمية.
ولم يعد المناخ والمنافسة النباتية وحدهما ما يواجه الأرز، ففي عامي 2021 و2022، رُصدت للمرة الأولى في سوريا حشرة فراشة الأرز (Dichelia cedricola) على أشجار الأرز داخل المحمية، وهي آفة جديدة قد تضيف تهديدًا آخر للشجرة.
ومع ذلك، لا يعني تراجع فرص التجدد أن الغابة فقدت قدرتها على استعادة توازنها، وبحسب إبراهيم، فإن النظام البيئي قادر على التعافي الذاتي ما دام بعيدًا عن الضغوط المتكررة، ويمكن للتدخل العلمي المدروس أن يسرّع هذه العملية، على أن تبدأ نتائجها بالظهور خلال فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات.
وهنا تصبح حماية المحمية أبعد من حراسة مجموعة من الأشجار القديمة، فالحفاظ على الأرز والشوح يعني أيضًا منح الغابة فرصة لإنتاج أشجار جديدة، ودعم البحث العلمي، ومراقبة الآفات والتغيرات المناخية، وإشراك المجتمع المحلي في حماية المكان.
وبالنسبة إلى إبراهيم، فإن قيمة المحمية لا تقف عند حدود البيئة أو البحث العلمي، فهي ترى أن الأرز والشوح جزء من تاريخ سوريا وهويتها وإرث ينبغي أن يصل إلى الأجيال القادمة.
وبين السفحين الشرقي والغربي، لا يزال الأرز والشوح في مكانهما، شجرتان منحتا المحمية اسمها، لكن الغابة التي تقف خلفهما أكبر بكثير من اسمها.




