محمد البادي يكتب: ضبط العلاقة بين التصدير والاستهلاك المحلي

المسار | مقالات الرأي
محمد بن علي البادي

في قلب الواقع اليوميّ الذي يعيشه الناس، تبرز قضايا المعيشة لا كأرقام اقتصاديّة مجرّدة، بل كاختبار حقيقيّ لمدى توازنِ السياسات مع احتياجات المجتمع، وقدرة السوق على أن يكون خادمًا للمواطن قبل أن يكون ساحة للربح وحده.
ومن هذا المنطلق، يبرز اليوم موضوع بالغ الأهميّة، يتعلَّق بآليّة تصريف المُنتجات المحليّة، لا سيّما الغذائيّة منها، بين السوق الداخلي والسوق الخارجيّ. إذ تُشير مُعطَيات الواقعِ إلى أنّ بعض هذه المُنتجات -وخصوصًا الأسماكَ بأنواعِها، والفواكِه، والخُضروات- تتجهُ إلى التَّصديرِ الخارجيِّ بدافعِ تحقيقِ عائدٍ اقتصاديٍّ أعلى، قبل أن تأخذَ حظَّها الكافي من تلبية احتياجات السُّوق المحليّ.
وهنا تتجلّى الإشكاليَّةُ بوضوح: حين يُصبحُ الغذاءُ خاضعًا لمنطقِ الربحِ السريعِ قبل منطقِ الأولويَّةِ الوطنيَّة، يتأثَّرُ المواطنُ مباشرةً، خصوصًا أصحابَ الدُّخولِ المحدودة، الذين يجدون صعوبةً في توفيرِ أبسطِ الاحتياجاتِ الغذائيَّة، مثل وجبةِ السمكِ أو بعضِ الفواكهِ التي كانت يومًا في متناول الجميع.
وفي بعضِ الحالات، لا يقتصرُ الأمرُ على التصديرِ وحده، بل يمتدُّ إلى اضطرابٍ في آليَّاتِ التوزيعِ والتسعيرِ داخلَ السوقِ المحلي، حيثُ يَظهرُ تأثيرُ بعضِ الوسطاءِ وسلاسلِ التوريد، ما يؤدي إلى ارتفاعِ الأسعارِ بشكلٍ لا يتناسبُ مع القدرةِ الشرائيَّةِ لشريحةٍ واسعةٍ من المجتمع. وهذا يستدعي قراءةً أعمقَ لبنيةِ السوقِ وآلياتِ ضبطِه، بعيدًا عن أيِّ تبسيطٍ أو معالجةٍ سطحية.
وفي خضمِّ هذا الطرح، لا بدَّ من توجيهِ نداءٍ صريحٍ إلى معالي الدكتور وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه الموقر، باعتبارِ أنَّ وزارته هي الجهةُ المعنيةُ مباشرةً بملفِّ الأمن الغذائي، وضمانِ توازنِ السوق بين الإنتاج المحلي والتصدير. إنَّ هذا الملفَّ اليومَ لم يعد يحتملُ التأجيلَ أو المعالجةَ الجزئية، بل يتطلَّبُ رؤيةً شاملةً تُعيدُ ترتيبَ الأولويات، بحيث يبقى المواطنُ في صدارةِ الاهتمام، ويُضمنُ توفرُ المنتجاتِ الأساسية بأسعارٍ عادلةٍ ومستقرة.
إنَّ القضيةَ في جوهرِها ليست صراعًا بين منتِجٍ ومستهلك، ولا بين سوقٍ داخليٍّ وآخرَ خارجي، بل هي مسألةُ توازنٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ، تُدارُ بحكمةٍ تضمنُ ألّا يُتركَ المواطنُ في مواجهةِ أسعارٍ مرتفعة، بينما تُوجَّهُ أفضلُ المنتجاتِ إلى الخارج دون ضوابطَ عادلة.
ومن هنا، فإنَّ الحاجةَ ملحَّةٌ إلى إعادةِ النظرِ في سياساتِ التصديرِ والتوزيع، ووضعِ آليَّاتٍ واضحةٍ تضمنُ توافرَ الحدِّ الكافي من المنتجاتِ الغذائية في السوق المحلي بأسعارٍ عادلة، مع استمرارِ دعمِ التصدير ضمن إطارٍ لا يُضعفُ الأمنَ الغذائيَّ الداخلي. إنَّ السوقَ ليس مجرَّد مساحةٍ للبيعِ والشراء، بل هو جزءٌ من الاستقرارِ الاجتماعي، وأيُّ خللٍ فيه ينعكسُ مباشرةً على حياةِ الناس ومعاشِهم اليومي.
إنَّ قضيةَ توازنِ السوقِ بين الداخلِ والخارج ليست تفصيلًا اقتصاديًّا عابرًا، بل هي مسألةُ عدالةٍ معيشيةٍ تمسُّ حياةَ الناسِ مباشرةً، وتنعكسُ على أمنِهم الاجتماعيِّ واستقرارِهم اليومي. فحين يختلُّ هذا التوازن، لا يصبحُ الحديثُ عن أسعارٍ فحسب، بل عن قدرةِ أسرةٍ على أن تجد ما يكفيها من غذائها الأساسي دون عناءٍ أو ضغط.
ومن هنا، فإنَّ إعادةَ ضبطِ العلاقةِ بين التصديرِ والاستهلاكِ المحلي، وتعزيزَ الرقابةِ على سلاسلِ التوزيعِ والتسعير، لم تعد خيارًا تنظيريًّا، بل ضرورةً تمليها المسؤوليةُ الوطنية، لضمان أن يبقى المواطنُ هو الأولويةَ الأولى في كل سياسةٍ اقتصادية، وأن لا يتحولَ السوقُ إلى مساحةٍ يطغى فيها منطقُ الربحِ على حسابِ احتياجاتِ الناس.




