مفارقة الأول من أيار
قاسم موزان
سيحتفل العالم بعد يومين بـ (عيد العمال العالمي) في الأول من أيار، هذا اليوم الذي شهد انطلاق تظاهرات حاشدة في شوارع شيكاغو أواخر القرن التاسع عشر حين قرر العمّال أن يرفعوا أصواتهم في وجه الاستغلال وجشع رأسمال المتوحش، الذي ينشب مخالبه في أجساد الطبقة العاملة المنهكة دون وازع من ضمير ولا يعنيهم سوى تكدس الثروة، مطالبين في الوقت ذاته بتحديد ساعات وخلق بيئة صحية للعمل تحفظ كرامتهم والعيش الكريم غير خاضع للمساومة.
لم يكن هذا اليوم مجرد تاريخ عابر، بل خلاصة تضحيات ونضال طويل، أراد أن يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل وبين الجهد والحق، أن تلك الاصوات تحمل رمزية عالية في صنع الحياة.
غير أن هذا اليوم نفسه، يحمل في الذاكرة المعاصرة مفارقة لافتة. ففي مساء الأول من أيار عام 2011، أعلنت الولايات المتحدة مقتل الارهابي الدولي وزعيم تنظيم القاعدة الاجرامي أسامة بن لادن في باكستان، هذا الذي ارتبط اسمه بالعنف العابر للحدود، وبواحدة من أكثر اللحظات دموية في التاريخ الحديث، هجمات 11 أيلول في برجي مركز التجارة العالمية في أميركا، وراح ضحيتها آلاف القتلى والمصابين، ومنذ ذاك اليوم شهد العالم تحولات خطيرة على المستويات كافة، وكان نصيب العراق من تنظيم القاعدة عقب انهيار النظام المباد في العام 2003 كبيرا.
هنا، تتعمق المفارقة: يومٌ يحتفي بالحياة والعمل، ويُعلن فيه—وفق التوقيت الإعلامي—مقتل رجل كرّس اسمه لفكرة الموت. كأن العالم، في لحظة واحدة، يضع صورتين متقابلتين في إطار واحد: يدٌ تبني، وأخرى تهدم؛ صوتٌ يطالب بحقوق البشر، وآخر صادرها باسم أوهام كبرى.
لكن المسألة لا تتوقف عند حدود التزامن أو التوقيت. فـ”عيد العمال”، رغم رمزيته العالية، لا يعني أن العدالة قد تحققت. لا يزال ملايين العمّال حول العالم يكدحون في ظروف قاسية، بلا حماية حقيقية، ولا أفق يوازي حجم ما يبذلونه. يتحول الاحتفال، في كثير من الأحيان، إلى طقس رمزي، يذكّر بما ينبغي أن يكون، أكثر مما يعكس ما هو قائم فعلاً.وفي المقابل، فإن مقتل بن لادن لم يكن نهاية للعنف، بل إعلاناً عن تحوّله. فالأفكار التي غذّت ذلك المسار لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال أكثر تشتتاً، وأقل وضوحاً، لكنها لا تقل خطورة. وهنا يظهر وجه آخر للمفارقة: كما أن العدالة لم تكتمل رغم الاحتفال بها، فإن العنف لم ينتهِ رغم سقوط أحد رموزه.
بين هذين الحدثين، يبدو الأول من أيار وكأنه مرآة مزدوجة. في أحد وجهيها، نرى الإنسان وهو يناضل من أجل حياة أفضل، وفي الوجه الآخر، نراه وهو يسقط في هاوية العنف. وبين الصورتين، تمتد المسافة الحقيقية التي يقطعها العالم: من الأمل إلى الخيبة، ومن البناء إلى الخراب.ربما لا يعيد التاريخ نفسه، لكنه يعيد طرح أسئلته بصيغ مختلفة. والأول من أيار، بهذا المعنى، ليس مجرد ذكرى، بل اختبار دائم للوعي الإنساني: أيّ معنى نختار أن نمنحه للزمن؟ هل نقرأه بوصفه تقويماً للأحداث، أم مرآةً للقيم التي نؤمن بها؟.





