ماذا تفعل الحرب بالجهاز العصبي؟
يبدو واضحاً عادةً الأثر المباشر والظاهر للحرب بما فيها من غاراتٍ وقصف ودمار وقتل. فالخوف والقلق والتوتر من النتائج المباشرة التي لا تخفى على أحد خلال الحرب. إلا أن كل ما يرافق الحرب يؤدي إلى ردود فعلٍ متفاوتة بحسب الأشخاص، وتلعب عوامل عدة دوراً في جعل أثرها يختلف بين شخصٍ وآخر. لكن في كل الحالات للحرب عموماً أثر أكيد على الجهاز العصبي، وإن كان يظهر بطرقٍ مختلفة. هذا ما يؤكده الاختصاصي في المعالجة النفسية الدكتور أنطوان شرتوني في حديث إلى "النهار".
*كيف تؤثر الحرب على الجهاز العصبي؟
-الشعب اللبناني اعتاد سماع أصوات القنابل والغارات والقصف. ومن أسوأ التجارب التي مرّ بها انفجار مرفأ بيروت الذي اعتبر أحد أقوى الانفجارات غير النووية عبر التاريخ. آنذاك، أدى إلى صدمةٍ جماعية عميقة وخلّف آثاراً نفسية دائمة. وفيما لم يكن المواطن اللبناني قد استفاق بعد من أثر هذه الصدمة الكبرى التي أدت إلى كارثةٍ إنسانية ودمارٍ هائل، أتت الحرب في عام 2024 لتشكل ضربةً جديدة لتعيد إلى الأذهان تلك التجارب السابقة وما تسببت به من صدمات. أصوات التفجيرات والغارات والقنابل وخرق جدار الصوت باتت راسخةً في الأذهان في لبنان. إما في دول الخليج، فلا تعتبر الأصوات الناتجة من الضربات الاعتراضية أخفّ وطأة. إذ أدت إلى دوي انفجارات قوية ومتتالية نتيجة تفجير الصواريخ الدفاعية للمسيرات أو الصواريخ الهجومية الإيرانية. وتتميز هذه الضربات بصوت انفجارٍ مزدوج يثير حالةً من الخوف ويسبب صدمةً نفسية لجميع الأفراد.
التعرض المستمر لظروف الحرب بكل ما يتخللها من أصواتٍ قوية وعنف يؤثر إلى حدٍّ كبير على الجهاز العصبي والنفسي.
ووفق ما يوضحه شرتوني، عند مواجهة خطر، ينذر الدماغ الإنسان بالمواجهة أو الهروب والاحتماء. ومع زوال الخوف المرتبط بهذا الخطر، يهدأ الجسم ويرتاح ويعود إلى التوازن. إما في ظروف الحرب، فتعمل آلية الهروب أو المواجهة في الجسم بشكلٍ مختلف. فعندما نكون في مرحلة اضطراب ما بعد الصدمة، وفي ظل المخاوف المتكررة لا تكون موجودة أصلاً وتسيطر أمور عديدة تمنع الإنسان من المواجهة بالشكل الصحيح. على سبيل المثال تنذر اللوزة الدماغية الإنسان بوجود خطر، بحسب شرتوني، وفي مرحلة الحرب يتعزز دورها وتزيد وظائفها ويتضاعف الخوف الذي يشعر الإنسان به وتكون هناك مبالغة فيه. في الوقت نفسه، يعمل الحصين في الدماغ في هذا المجال ويساعد على نقل رسالةٍ بأن مصادر الخوف أصبحت من الماضي. لكن، عند تكرار حالة الحرب، تضعف وظائفها فيما يعيش الإنسان حالة اضطراب ما بعد الصدمة، وعندها يجتمع الماضي مع الحاضر معاً وكأنهما يحصلان الآن، وتكون هناك صعوبة في التخلص من كل تلك الذكريات المؤلمة أو الأمور التي تم التعرض لها سابقاً في ظروف الحرب. إما القشرة الجبهية في الدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي وضبط الأفعال، فتضعف وظائفها أيضاً. لذلك في مثل هذه الظروف يخفّ التفكير المنطقي ويتراجع.
*ما تداعيات سماع الأصوات القوية في الحرب؟
-يتوقع شرتوني تفاقماً كارثياً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بعد الحرب، حتى أنها بدأت تظهر من الآن، وبدأت تسجل ارتفاعاً كبيراً في الحالات لعدم القدرة على تخطي الماضي وضبط الانفعالات والسيطرة على الذات لدى سماع أي صوت قوي في المرحلة الحالية، من جدار صوت، أو طيرانٍ حربي، أو غارة، أو إطلاق نار. يبدو كأن الناس أصبحوا جميعاً في حالة توترٍ وارتباك. ويشير إلى أن الإنسان يعتبر على تواصلٍ دائم مع العالم الخارجي من خلال الحواس. وفي حالة الحرب، تكون حاسة السمع في حالة تأهبٍ دائمة ما يؤدي إلى ربط أي صوتٍ يتم سماعه مع مصدرٍ واحد هو قلق الموت. وبالتالي، يجري ربط أي صوتٍ قوي بفكرة الحادث المخيف الذي يثير المخاوف بشأن قلق الموت لدينا. ومن هذه الأصوات المحتملة في الحرب القنابل والصواريخ والغارات وجدار الصوت، فتؤثر كلها علينا.
*كيف تختلف مستويات التأثر بهذه الأصوات بين شخص وآخر؟
-بسبب القلق الزائد الذي يعانيه الأفراد في فترة الحرب، ثمة أشخاص تدفهم الآلية الدفاعية لديهم إلى عدم سماع تلك الأصوات العنيفة المرافقة للحرب. يحصل ذلك في اللاوعي بحيث لا يتنبهون إليها ولا يكون لديهم ردّ فعلٍ بما أن مستوى المواجهة النفسية لديهم حيال هذه الأمور يكون إيجابياً. وكأن ما يسمعه آخرون هم لا يسمعوه إطلاقاً أو لا يتنبهون إليه.
وفي ما يتعلق بالخوف، فنعتبره طبيعياً إلا أنه أحياناً مكتسب في الوقت نفسه. كذلك من الطبيعي الخوف من الأصوات العنيفة أو من كل ما يرافق الحرب. إلا أن الخوف يخرج من إطاره الطبيعي عندما يصبح الإنسان في حالة خوفٍ مستمر ويربكه أي صوت يسمعه، وإن كان صوتاً جميلاً أو يتسم بالهدوء وليس فيه ما يستدعي الخوف. في مثل هذه الحالة، يبدو واضحاً أن الفرد يقيم رابطاً ما بين ما يسمعه، أياً تكن طبيعته، وحالة الحرب والخوف. عندها لا بد من التحقق من آلياته الدفاعية ونظرته أو مقاربته إلى الأمور، فحالته تختلف عن حالة من يعتادون أو من يتعاملون مع مثل هذه الأمور بمزيدٍ من الهدوء والمرونة. بطبيعة الحال، هذه أمور تختلف بين شخصٍ وآخر بحسب النظرة إلى الأمور، وتفسيرهما لما يتم التعرض له والتجارب السابقة والنظرة أيضاً إلى الموت والقلق.
*كيف تتكوّن القدرة النفسية على المواجهة؟
-مع كل تجربة يعيشها الفرد، يتم اكتساب مزيدٍ من الخبرات وتتمكن الآليات الدفاعية من المواجهة بمعدلاتٍ أعلى، وهذا موجود ضمن الآليات النفسية الموجودة في كل إنسان. فبقدر ما يتم التعرض لمزيدٍ من التجارب يصبح الجهاز النفسي أكثر صلابة. إنما في الوقت نفسه، لا يمكن تعميم ذلك لأنه يختلف أيضاً بحسب التركيبة النفسية لكل إنسان. وهذا ما يفسر أن البعض ينهار أمام كل تجربة جديدة يمر بها، فيما يبدو آخرون أكثر صلابةً وقدرة على المواجهة أمام كل تجربةٍ جديدة، وهم يخرجون منها بشكلٍ طبيعي وكأن شيئاً لم يكن.





