ماذا انتم فاعلون يا عرب ؟
ماذا انتم فاعلون يا عرب ؟
المهندس: عبد الكريم أبو زنيمة
الحرب الصهيو-أمريكية العدوانية التي شُنّت على إيران والتي ما تزال تداعياتها مستمرة وإن هدأت مؤقتًا، ليست حدثًا عابرًا، بل رسالة واضحة لنا شعوبًا وأنظمة بأن هناك طريقًا واحدًا لا بد من سلوكه مهما بلغت التضحيات وهو طريق بناء المشروع العربي المتكامل ” تحرري أمني نهضوي تنموي قائم على الاعتماد على الذات “
لقد عاشت إيران تحت حصار قاسٍ وخانق وعقوبات مشددة امتدت لنحو (47) عامًا، ومع ذلك استطاعت أن تبني قدرات ذاتية في مجالات متعددة عسكرية وطبية وتعليمية وغيرها، وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف تمكنت دولة محاصرة من تحقيق ذلك ؟ بينما تعجز دول تملك من الموارد ما يفوقها أضعافًا؟
إن الهدف الحقيقي لهذه الحرب على الجمهورية الايرانية لا يخرج عن كونه محاولة لإنهاء نظامها وإخضاعها تمهيدًا لفرض المشروع التوسعي الاستعماري الصهيوامريكي للسيطرة على المنطقة ومقدراتها وعلى رأسها منابع الطاقة ، وقد كشفت هذه الحرب بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا وجود لما يسمى “حلفاء وأصدقاء” في السياسة الأمريكية ، وأن من يراهن على ذلك إنما يخدع نفسه قبل غيره ! فالتحالف الصهيو-أمريكي يعلن مشروعه التوسعي بوضوح ، ويعمل على فرضه واقعًا على حساب المنطقة العربية وقد نفذ بعض من مكوناته وفي مقدمتها تفتيت المفتت من الوطن العربي وبذر بذور الفتنة وجعلنا شعوبا وطوائف متناحرة .
ما يزيد الأمر خطورة أن بعض الدول العربية التي فتحت أراضيها وأجواءها وأنفقت التريليونات على بناء شراكات عسكرية وأمنية واقامة قواعد عسكرية اجنبية والتي لا تخضع للسيادات الوطنية وقوانينها تبين في لحظة الحقيقة أن هذه التحالفات لم تتمكن من حمايتها بل وأصبحت نقمة عليها وهدفاً للاستهداف الايراني ، بالوقت الذي سُخّرت كل الإمكانات لهذه القواعد والتحالفات للدفاع عن الكيان الصهيوني .
من العار ان يمتلك العالم العربي مقومات قوة هائلة تؤهله ليكون فاعلًا رئيسيًا في النظام الدولي ولا ابالغ ان قلت في القمة – إذ نتربع على ربع مساحة اليابسة بمساحة تقارب (14) مليون كيلومتر مربع وموارد بشرية تزيد عن (300) مليون نسمة غالبيتهم من الشباب ، وكذلك عشرات الالاف من الخبراء والعلماء والباحثين العرب الذين يقودون ويديرون المؤسسات والشركات العملاقة ومراكز البحث العلمي والمراكز التقنية والمهنية والتعليمية المختلفة حول العالم ، عالمنا العربي يطفو على 60% من احتياطات الطاقة العالمية بالاضافة الى (314) يوم مشمس كمصدر للطاقة المتجددة ، نحن نتوسط العالم ونتحكم بأهم الممرات الاستراتيجية البرية والبحرية والجوية ، وبكل المقاييس نمتلك معظم عناصر القوة ! لكننا فشلنا في كل شيء باستثناء الرقص ومهرجانات التفاهة ومسابقات اجمل تيس !
المشكلة الحقيقية والسبب الرئيس الذي قادنا الى مستنقعات الفشل والتخلف ان العديد من أنظمة الحكم الفردية تراهن وتستظل بقوى الاستعمار بدل شعوبها وتُقصي مواطنيها عن المشاركة في صنع القرار بقوانين الطوارئ والاحكام العرفية ، وبنفس الوقت تمول وتغذي الخلافات البينية فيما بينها ، كل ذلك أدى إلى ضعف البنية السياسية والاقتصادية وتآكل السيادة الوطنية العربية ، فغياب الشراكة والثقة بين الحاكم والمحكوم لا يقود الا الى الفشل والانهيار .
إن أهم درس على السلطات العربية الحاكمة أن تتعلمه وتؤمن به وتعمل على تحقيقه هو بناء الجبهة الوطنية الداخلية والاستثمار في الطاقات والموارد الذاتية “البشرية والطبيعية” ، فلولا التفاف الشعب الايراني حول قيادته لسقطت وهُزمت إيران ! فالشعب هو صمام الأمان الحقيقي لمنعة الدول واستقلالها ، وهو ما يمنح أي نظام القدرة على الصمود والثبات والتحدي .
إن ما يخدم ويمهد لبناء مشروعنا التنموي العروبي الشامل إن ما تحلى قادة وطننا العربي بالعزيمة والارادة أنه لا توجد صراعات بين الشعوب وقاداتها وإنما هناك خلافات على السياسات وهذه طبيعة الحياة السياسية ، ومن السهل جداً إدارة هذه الخلافات بالحوار والإصلاحات الشاملة ، فالمرحلة ومخاطرها تتطلب هذه المراجعة الشاملة للسياسات والانطلاق نحو إصلاحات حقيقية سياسية واقتصادية وإدارية وثقافية تعزز ثقة المواطن بقيادته ودولته التي ستمهد لبناء منظومة تكامل عربي قادرة على مواجهة التحديات ، فالتنمية والازدهار والتحرر من اية قيود وهيمنة وبناء المستقبل المشرق لا يكون إلا بشعوب واعية ومشاركة ومؤمنة بقدرتها على الاستقلال والتحرر والتغيير .
لم يعد هناك متسع من الوقت ؛ فالمشاريع الاستعمارية التوسعية والمخاطر لا تنتظر وهي تسابق الزمن ، والتحديات تتسارع ، وإن لم نبادر اليوم سنجد أنفسنا ندفع أثمانًا باهظة في المستقبل من عبودية واذلال وانحطاط ، فإما أن نكون فاعلين في رسم مصيرنا كأمة عربية موحدة سيدة ، أو نترك الآخرين يقررون مصيرنا ويستعبدوننا.
هذا المحتوى ماذا انتم فاعلون يا عرب ؟ ظهر أولاً في سواليف.




