معادلة الحسم المؤجل بين التحشيد الميداني والضغوط السياسية
في اليوم السابع والعشرين من الحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية، يتكرس مشهد مركب تتداخل فيه ذروة التصعيد العسكري مع حراك دبلوماسي محموم، في معادلة تبدو أقرب إلى “إدارة صراع” منها إلى حسمه، فالميدان يشتعل بوتيرة غير مسبوقة، فيما تتحرك القنوات السياسية تحت ضغط النيران، في محاولة لفرض شروط التفاوض لا لوقف الحرب فوراً.
وفي هذا السياق، أكد البيت الأبيض استمرار العمليات العسكرية على المنشآت الإيرانية النووية والصاروخية، بالتوازي مع اتصالات غير مباشرة مع طهران، في محاولة لإدارة المسارين العسكري والسياسي ضمن إطار واحد، في وقت هدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ”فتح أبواب الجحيم” في حال تعثر التوصل إلى اتفاق، حيث تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري ورفع جاهزية قواتها.
وينعكس هذا المسار على أمن الملاحة في الخليج وإمدادات الطاقة، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المواجهة إلى تعطيل فعلي لحركة النفط عبر مضيق هرمز.

وتكشف التصريحات الأميركية السابقة، عن نهج تفاوضي يقوم على “الضغط بالنار”، حيث تؤكد واشنطن استمرار عملياتها العسكرية كوسيلة لفرض تنازلات سياسية، والحديث عن مقترح من 15 بنداً لإنهاء الحرب، يتضمن تفكيك البرنامج النووي الإيراني ووقف دعم الحلفاء الإقليميين، يعكس سقفاً تفاوضياً مرتفعاً يصعب على طهران قبوله من دون مقابل استراتيجي واضح، ومع ذلك، فإن قنوات التفاوض لم تنقطع، بل يبدو أنها باتت جزءاً من أدوات إدارة الحرب.
ميدانياً، اتسع نطاق العمليات ليشمل آلاف الأهداف داخل إيران، مع تركيز الضربات الأميركية والإسرائيلية على البنية التحتية العسكرية والنووية، بما في ذلك منشآت التخصيب ومراكز إنتاج الصواريخ والمسيّرات، هذا التصعيد لا يعكس فقط محاولة إضعاف القدرات الإيرانية، بل يشير إلى استراتيجية استنزاف طويلة تهدف إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
بالمقابل، تتوقع إسرائيل استمرار العمليات العسكرية أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع إضافية لتحقيق أهدافها الميدانية قبل تثبيت أي ترتيبات سياسية، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي ألقى نحو 15 ألف قنبلة على أهداف داخل إيران منذ بدء العمليات، أي أربعة أضعاف ما أُلقي خلال حرب حزيران 2025.
وفيما يتعلق بالهجمات الإيرانية على دول الخليج، أظهر إحصاء أجرته صحيفة “الشرق الأوسط”، أن 83 بالمئة من الاعتداءات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت دول الخليج العربي، بينما استهدفت إسرائيل 17 بالمئة فقط، حيث أطلقت إيران حتى مساء أمس الأربعاء 4391 صاروخاً ومسيّرة على دول الخليج العربي، مقابل 930 صاروخاً ومسيّرة أطلقت على إسرائيل التي تشن الحرب.
ويعكس هذا التوزيع نهج إيران في الحرب، الذي يركز على ضرب الدول الخليجية لإظهار قدرتها على زعزعة الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي، بعيداً عن المواجهة المباشرة مع إسرائيل، ويدل العدد الهائل لهذه الهجمات على أن إيران تعتبر الخليج محورياً في الصراع، مستغلة قدرتها على استهداف المرافق المدنية والبنى التحتية الحيوية كورقة ضغط سياسية، ما يزيد تعقيد أي مسار تفاوضي محتمل للتهدئة.
في المحصلة، يكشف اليوم الـ27 من الحرب عن توازن هش بين التصعيد والتهدئة، حيث لا يبدو أي طرف مستعداً للتراجع من دون تحقيق مكاسب واضحة، وبينما تتكثف الضربات على الأرض، تتسارع الاتصالات في الكواليس، في سباق بين منطق القوة ومنطق التسوية.
الوطن – أسرة التحرير

