أما الاقتصادي إيسوار براساد، فيرى أن العالم عالق في "حلقة الهلاك"، وهي العبارة التي عنون بها كتابه، حيث يولد الاضطراب الاقتصادي اضطرابا سياسيا وصعودا شعبويا، ثم يفضي ذلك بدوره إلى مزيد من الفوضى الاقتصادية، في دوامة لا تلوح لها نهاية. وفي كتاب آخر جديد بعنوان "العاصفة المقبلة: القوة والصراع والتحذيرات من التاريخ"، يبدي أود أرنه فيستاد، المؤرخ بجامعة ييل، خشيته من أننا ننزلق، من دون اكتراث، إلى فوضى عالمية مضطربة لا تشبه شيئا بقدر ما تشبه ممالك أوروبا الإمبراطورية المتزاحمة قبيل أن تحرق نفسها في أتون الحرب العالمية الأولى.
وثمة صورة أخرى لكارثة عالمية وشيكة تحضر في كتاب "التحول العالمي الكبير: الولايات المتحدة والصين وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي"، يتحدث فيه مؤلفه، الاقتصادي التقدمي برانكو ميلانوفيتش، عن نظام عالمي جديد يولده صعود الصين. ويقول إن "ملامحه لا تدرك اليوم إلا على نحو خافت"، ولكنه نظام سوف يدفع الولايات المتحدة والصين إلى مواجهة مباشرة.
ويخلص ميلانوفيتش إلى أن "الصين ببساطة غير قابلة للاستيعاب داخل النظام الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة"، ما يوحي بحال من "الاضطراب السياسي الوشيك" لا يختلف كثيرا عن البيئة التي سبقت الحرب العالمية الأولى.
وصحيح أن "الإحساس بالتقدم" تلاشى في الغرب إلى حد بعيد. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، أي في الغرب بعبارة أوضح، لم نعد حتى نتظاهر بأن التقدم هو الغاية. وعلى العكس، فيما تقترب الولايات المتحدة من عيد ميلادها المئتين والخمسين في الرابع من يوليو/تموز، تكاد تشبه المراحل الأخيرة من الجمهورية الرومانية: بلدا كان موضع فخر ذات يوم، ثم غدت مؤسساته تتهاوى، ووعوده تتبدد، وانقسامه يبدو كأنه قدر دائم. فالكونغرس يتأرجح بين التزلف والشلل، وباستثناء بعض الأحكام القضائية التي تبعث قدرا من الأمل في تصديها لممارسة ترمب الاستبدادية للسلطة، تبدو آليات الضبط والتوازن في النظام، بل والدستور نفسه، وكأنها تتداعى.
وإذا كانت الإمبراطورية هي الغاية الآن، مع إقدام الرئيس الأميركي على شن حروب من دون استفزاز سابق من فنزويلا إلى إيران، فإن الأميركيين لا يبدون بارعين هم أيضا في الاضطلاع بدور الإمبراطوريين. فترمب، الذي أمضى الشهر الماضي عاجزا عن تفسير سبب إشعاله حربا كبرى جديدة في الشرق الأوسط تهدد الاقتصاد العالمي، ليس أوغسطس قيصر بالتأكيد.

أما أوروبا، فلا يبدو أنها قادرة على تحقيق ذلك الأمل الذي كان مشتركا بعد الحرب في اتحاد أشد اكتمالا، حتى في مواجهة ما يراه كثير من الأوروبيين تهديدا وجوديا مصدره روسيا. وبدلا من ذلك، يعاني الاتحاد الأوروبي مشكلة مزمنة من "عدم الاكتمال"، كما كتب جوزيف يانينغ العام الماضي، مضيفا أن "صناع السياسات الأوروبيين يبدون كأنهم أرجأوا فكرة الإقدام على خطوة كبرى إلى الأمام". وعلى الرغم من إظهار قدر من الوحدة أخيرا إزاء تهديدات ترمب لغرينلاند، لا يزال الاتحاد الأوروبي منقسما بحدة حين يتعلق الأمر بالنظر في سوق رأسمال مشتركة أو صناعة دفاعية مشتركة، ناهيك بسياسة دفاع موحدة. وأفضت آليات "الاتحاد" القائمة على الإجماع، في معظمها، إلى "الشلل"، كما كتب دوغلاس ريديكر وهايدي كريبو ريديكر أخيرا.














